حرب العقود الثلاثة

في تصريح للسيد بانيتا وزير الدفاع الاميركي السابق، حول الحرب ضد الارهاب ورأس رمحه الحالي (داعش) كشف فيه عن طبيعة ومدى هذه الحرب التي قد تصل الى ثلاثة عقود. وان صحت مثل هذه التوقعات، فان ذلك يعني اننا بمواجهة اعوام وعقود ومصائر، لا تقل عتمة وقسوة عما عشناه في العقود المنصرمة، ومع مثل هذه السيناريوهات تتبخر حزمة الآمال والمشاريع التي نسجها غير القليل منا حول الوطن الاتحادي الديمقراطي الجديد وكل شيء يمت بصلة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية والمعرفية، حيث تسترد المومياءات المنزوية وبقايا انقاض القادسيات وام المعارك من مغارات (كل شيء من اجل المعركة) رشاقتها وحيويتها وزمام المبادرة مرة اخرى وهذه المرة تحت اشراف جنرالات التحالف الدولي وامراء وسلاطين دول الجوار.
اربعة عقود (شباط 1963- آذار 2003) عاشها سكان هذا الوطن المنكوب بالتجارب الخائبة والحروب الداخلية والخارجية لتنتهي حقبة ما عرف بـ (جمهورية الخوف) بعد حرب خاطفة لم تتجاوز الثلاثة اسابيع خاضتها الولايات المتحدة الاميركية وعدد من حلفائها ربيع عام 2003. ويبدو ان الاقدار قد حكمت علينا باربعة عقود اخرى ان اضفنا عقد التغيير والذي لم يقل قسوة وهمجية وعنفاً عما عشناه مع تجربة النظام المباد. وهذا يعني اننا قد تحولنا بفضل السياسات والخيارات البعيدة عن ابسط اشكال المسؤولية والحكمة والتي هيمنت على مقاليد الامور في هذه الجغرافية المنكوبة؛ الى أكبر مكب لنفايات الامم والمجتمعات واشتباكاتها الدولية والاقليمية. لقد حسمت الاقدار وحيتان المحاور الدولية أمرها بشأن المنطقة المختارة لمثل هذه التصفيات لعالم ما بعد الحرب الباردة، حيث العراق والشام (سوريا) البلدين اللذين تم على تضاريسهما تطبيق عقيدة (الامة الواحدة والرسالة الخالدة) تلك التضاريس المحلية والاجتماعية والعسكرية والقيمية التي تعرف تفاصيلها جماعات فلول البعث واجهزته السرية وبقايا جنرالاته ومراتبه، من الذين لم يشعروا بأية غربة في صفوف تنظيم الدولة الاسلامية في العراق والشام (داعش).
ان المتابع الموضوعي لما جرى من احداث وتطورات تراجيدية في المشهد العام منذ لحظة التغيير، الى غزوة الموصل وما بعدها، لن يحتاج الى جهد كبير كي يكتشف دور الاجهزة السرية لنظامي البعث في البلدين المختارين لمثل هذه المحرقة الطويلة، وتناغم هذا النشاط وما تصبو اليه الاجهزة السرية لدول الجوار. وطبعاً كل هذا جرى عبر القنوات المحلية والزعامات الانتهازية والفئوية، التي مهدت السبيل لكل هذه السيناريوهات الفتاكة، والتي لن تتوقف مع مثل هذه المناخات من التشرذم والهلوسة والهذيان والمحاور الدولية المثقلة بثارات الحرب الباردة..
جمال جصاني

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة