معرض فرانكفورت الدوليّ للكتاب.. الكرنفال المعرفي

فرانكفورت – عبدالكريم كاظم:

افتتح معرض فرانكفورت الدولي للكتاب في دورته السادسة والستين ـ 2014 وبمشاركة (7) آلاف عارض من شتى بقاع الأرض. وفي هذا الكرنفال الحضاري والمعرفي والجمالي يمكننا أن نقول: لا نبالغ أدنى مبالغة إذا قلنا إن الثقافة تنتقل الآن، عبر عملية معرفية كونية هائلة، صوب صياغة مجتمع ثقافي عالمي جديد تحت تأثير الثورة المعرفية الكونية وهذه الأخيرة، كما هو معروف، تأتي في التعاقب الحضاري والتأريخي والاجتماعي للثورات المتعددة التي شهدتها الإنسانية عقب الثورة الصناعية وكانت البدايات الأولى، كما هو معروف أيضاً، تتمثل في بزوغ ما أُطلق عليه (الثورة العلمية والتكنولوجية) والتي جعلت العلم والمعرفة والفكر قوة أساسية من قوى التواصل والاتصال الإنساني والحضاري والمعرفي وعليه يكشف معرض فرانكفورت للكتاب في دورته الحالية وفي شكليه الثقافي والحضاري عن نجاح الفرد في نجاح المجتمع المتحضر، وتدفع ثنائية النجاح إلى تأمل طبيعة الإنسان في شرط معرفي حضاري وصولاً إلى تأمل الإنسان في ذاته ومحيطه وطبيعة الحياة والكون.
يعود تأريخ معرض فرانكفورت للكتاب إلى القرن الخامس عشر ارتباطاً باختراع الالماني (يوهان غوتنبرغ) الطباعة في مدينة (ماينتس) المجاورة لمدينة فرانكفورت الجميلة وفي كل عام من شهر تشرين الأول يبدأ الكرنفال المعرفي الجمالي وتبدأ معه الأحاديث والنشاطات والمشاريع الثقافية والفكرية المتنوعة التي لا تلبث أن تنتقل إلى عالم نقدي أخلاقي حضاري، فكأن الفعل الثقافي لا يتطور اعتماداً على حركة الواقع المراقب أو البيئة الحضارية الراهنة بقدر اعتماده على نسق نقدي معرفي من القيم الثقافية والأخلاقية والإنسانية التي ترى المجتمع وتأخذ منه موقفاً حضارياً وإنسانياً.
فنلندا ضيفة شرف هذا العام 2014، فالحوارات الثقافية التي تغص بها القاعات والممرات وعناوين الكتب الثقافية المتنوعة والوجوه والصور والألوان والجمال الباذخ وعالم كتب الأطفال وطبيعة التنظيم تعطي للمعرفة شكل الواقعية السحرية وتعلن أن المعرفة لا تقتصر على اليومي أو العابر بالمعنى البسيط للكلمة بل تتجاوزه إلى حضور طاغ للقيم الثقافية/الأخلاقية في الحياة اليومية، إذ تعطي العلاقة بين اليومي والمعرفي شكل الأمثولة وتنقل الزائر أو الضيوف للمعرض من مستوى إنسان ثقافي يتنقل بين عنوان هذا الكتاب أو جناح تلك الدولة المشاركة أو هذه الندوة الفكرية أو الحوارية إلى مستوى الإنسان المتأمل بقيمه الحضارية ومعاييره الثقافية المعرفية، إذ لا يتأمل أعباء الحياة وتفاصيلها المربكة بل يتأمل مواضيع الإنسان الكبرى: الفكر، الأدب، المطلق، الحياة، الموت، الجمال، الحقيقة، الخير، الشر وبذلك تدور حالة التأمل بين مستويين مختلفين: مستوى الحياة اليومية في رخاوتها وأعبائها وأحاديثها العابرة ومستوى التجريد الذهني الذي لا يلتقي باليومي إلا لينفيه، وفي هذين المستويين تعلن المعرفة عن المسافة القائمة بين وضع الإنسان اليومي وأحلامه الكبيرة أو تعلن عن المسافة القائمة بين الإمكانية المجردة والفعلية للمعرفة، لكأن المعرفي مهد للإنساني وبهذا ينتهيان معاً إلى فضاء مجرد مفتوح تغمره الأفكار الإنسانية المتنوعة.
المعرفة ترتبط بتجربة البحث عن الحرية، ولا يفسر المعرفي معناه إلا في علاقته بالإنساني، والإنسان لا ينظر إلى المعرفة طويلاً إلا بعد حرمان طويل من الحرية، لأن الحرية لا تنبثق من قلب المعرفة وحسب بل تتكوّن في فضاء التجربة الإنسانية الحرة والمتحررة، وبهذا يغير الإنسان المعرفي أسئلته، لا يسأل عن معنى الوجود والتأريخ، كما يفعل البعض، بل يسأل عن معناه الفردي في الوجود والتأريخ، عن حريته الفردية أو تجربته المتصلة بالحياة، عن معنى الكلمة الصادقة والكاتب المبدع الصادق، فيضع الصدق والكذب بين قوسين ويحتجب في فرديته الهاربة صوب المعرفة حتى لا يتعثر التواصل الإنساني ـ الحضاري، وحتى تصبح المعرفة قلقاً جميلاً وتأخذ الأشياء دلالاتها الحميمة وتتزايد ألفة المعنى وترتبك العقلية العقائدية المغلقة.
يرصد الزائر المتأمل في تأمله معنى الفردية الطليقة، معنى التحضر، معنى الإنسان المعرفي الطليق والثقافة الطليقة، معنى جمالية الأشياء وبهذا التأمل تعكس الذات الطليقة المتحررة أو المتماهية شكلها الثقافي المتحضر وتتبدد الذات المغلقة إلى ذرات منفصلة تلهث وراء خلاص فردي قوامه الأنانية والهزيمة والنرجسية والسلوكيات البدائية المريضة التي تحكم، بشكل خاص، عقلية بعض المشاركين التقليديين من دول العالم الثالث.
يكشف معرض فرانكفورت للكتاب عن الفرق بين الذهنية الثقافية المتحضرة والمغلقة، فالأولى تستقبل الفعل الثقافي وتستجيب له بلا عقد أو مناطق مظلمة في الذهن، أما الثانية فلا تستجيب لأي تحول حضاري طليق فتسلك سبيلاً آخر لا مكان فيه للتفاعل أو التواصل فلا تقترب من المعرفة إلا لتهرب منها متحصنة بالروتين والتكرار أو بذاتية مغلقة غير متحررة لا تفتح أبواب عالمها على العالم الحضاري إلا لتعلن عن الصدام والهرب والخمول والتقليد والاستهلاك، إنه المسار المغلق على ذاته الذي لا يوازي حركة العالم الحضاري ولا يلتقي به، فعبثية أو صدمية فضائه النفسي والأخلاقي تشي بطبيعة الفرد المنغلق في عقده المتراكمة، إذ لا ينكشف كشخصية معرفية منفتحة بل كمجاز تهويمي للوعي الحضاري الغائب، يبتعد هذا المجاز عن الإنسان في يومياته الاعتيادية ويخضع إلى الإشكالية العقائدية أو الموروثة التي أنتجته وحددت له أسئلته.
ولنا، في الختام، أن نطرح السؤال المشروع التالي: متى ينتج العالم الثالث زمانه الحضاري ومكانه المعرفي؟ متى يفيض زمن المعرفة عن الأزمنة كلها؟ متى يقوم في الحاضر ولا يسكن في الماضي وينزع إلى المستقبل؟

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة