الكتابة لعبة إضافة دائمة

البحث في الجديد المعرفي سيظل دائماً هو الهاجس، وهو السؤال المحفّز للوعي، إذ لا يوجد من يبحث هذا الجديد خارج شروط وعيه، بوصف الوعي هو جوهر ماتراه وتكشفه الذات. وأحسب إن الخوف من الجديد لايعني بالضرورة البحث عن البدع كما تقول بعض الفقهيات، لكنه يعني عدم القدرة على التخلص الواعي من أوهام اللاوعي، لذا يكثر القائلون بأن الفضاء الثقافي مزدحم جداً بالأفكار، وماعاد هناك مجال لأن تصنع نصاً يخصك بالتمام والكمال، أو انك تتخلص من أوهام الكتابة التي تحوطك بكل شيء، وان نظرة (عنترة بن شداد) في تساؤله الشهير(هل غادر الشعراء من متردم؟) ستظل ظاهرة للعيان وباعثة أحياناً على تكرار الخوف من المروق، أو إن أحداً سيقول لك بكل بساطة بأن هذا الموضوع الذي كتبته يخصني، أو انك أعدت صياغته وأسقطت اسمي سهواً..
هذه الظاهرة قد تحمل معها حساسيات لها علاقة بطبيعة مهيمناتنا وموجهاتنا الثقافية، لكنها غير واقعية أيضاً من جوانب كثيرة، وأبرزها إن الإنسان هو صانع دائم للأفكار، والأسئلة، وانه يملك القدرة على تجديد أدواته، وعلى الكشف عن المزيد من المناطق الغامضة والجديدة، فضلاً عن إن الأفكار ستموت إن لم تدم نفسها وأسئلتها، وهذا ما يعطيها قوة الظهور بسياقات أخرى غير التي نألفها ونكررها. البعض يقول من جانب آخر: إن قماشة اللغة محدودة، وان الكلمات محدودة، وان ضغط الماضي والتاريخ والارث والنصوص والاستعمالات الثقافية المهيمنة تلعب دوراً مهماً وضاغطاً في تحديد سمات التجديد. لكن بالمقابل هناك قول آخر أكثر فاعلية، والذي ينطلق من أن الأفكار غير محدودة، وان الكلمات هي كذلك مفتوحة دائماً على صياغات وتشكلات وكشوفات لانهائية، وان الكاتب الماهر الباحث عن الجديد، يمكنه من أن يضع هذه الصياغات في سياقات تكتسب قوة الجدّة، وقوة التعبير عن لحظتها الحاضرة.
ان تجاوز عقدة الفضاء الثقافي المغلق تنطلق من القدرة على حيازة القوة المعرفية، وقوة الابتكار، والوعي بأن الثقافة هي انتاج دائم للمعرفة، وهي أيضاً وظيفة تقوم على تحسين أداء الفعاليات الاجتماعية والعقلية، وان وهم المغلق في الفضاء الثقافي هو محض (خرافة) صنعتها القوى الرجعية والدوغمائية التي لاتؤمن بالابتكار والتجديد، وقدرة الانسان على وعي التحول والتأويل، وعلى امتلاك الطاقات لإعادة ترسيم خارطة الكلمات والأفكار على وفق حاجة الانسان، وفعالية تفكيره، وان اللغة لاتعدو أن تكون هنا سوى محتوى لهذا التفكير كما يقول هيدغر، لذا تكتسب قوة البحث عن الجديد قرائنها من خلال القدرة على تركيب وتفكيك الكلمات والأفكار، وبما يعبر في حقيقته عن إنسانية هذه القدرة النامية، القدرة المعبرة عن حيوية الوعي، وعن المهارات التي تعزز دافعية الانسان نحو التعلّم والمعرفة، ونحو المزيد من الكشف والاندماج مع عوامل الحضارة والتطور والتنمية، وبالشكل الذي يجعل الإنسان كائناً صانعاً لفضاءات غير متناهية من الأفكار، تلك الأفكار التي تصنع إنسانها أيضاً، الإنسان الذي يؤمن بعجائبية اللغة، وعجائبية الفكر حين نضعه في سياقه الصحيح.
علي حسن الفواز

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة