الإصلاح الشامل لإدارة وتنفيذ المشاريع الحكومية

د. أحمد إبريهي علي*

إعتاد العراقيون على الشكوى من البطء الشديد للإنجاز في تطوير البناء التحتي و الإمكانات المادية للخدمات العامة ، و هناك قناعة ان عقود التجهيز و تنفيذ المشاريع من ابواب هدر المال العام و تكريس الخلل المؤسسي. ومن الخطر الاستمرار على هذا الحال ، لنبدأ الآن برنامجا شملا للإصلاح وهو ممكن وثماره دانية المشاريع المدرجة في الموازنة العامة تحولت إلى قنوات لهدر الموارد و إضعاف مصداقية الحكومة و التأليب عليها. و قد آن الأوان لوقفة جادة من أجل التهيئة لأداء من نوع مختلف في تصميم و إدارة و تنفيذ المشاريع و برامج الاستثمار. و واصبحت اوجه القصور واضحة من سنوات: إطالة مدة التنفيذ والذي يعنى تجميد الأنفاق لفترة اضافية؛ تراكم كم ضخم من المشاريع ، ربما تزيد مجموع تكاليفها الكلية عما يمكن إنفاقه لخمس سنوات بالمعدلات الحالية ،وهذا يعني توريط الموازنات القادمة بالتزامات تقلل فرص المناورة وتعيق إعادة التخصيص؛ عموما ما ينفق على المشروع يفوق التكاليف المعيارية المستمدة من افضل الممارسات، و ايضا تكون القيمة الاقتصادية للمشروع المنجز أدنى من التكاليف التي تتحملها الموازنة العامة. و عند تفحص المشروعات على المستوى الجزئي يلاحظ تدني المواصفات الفعلية وربما حتى نزولها دون المواصفات المتعاقد عليها. في المقابل يتزايد السكان، و السكان الحضري بالذات، و تتسع الفجوة بين حجم الاحتياجات إلى البناء التحتي والرصيد القائم. و تلك الفجوة باتت سببا للتذمر ومن امثلتها النقص الحاد في ابنية المدارس و شبكات الصرف الصحي ونقص اقل في ابنية الإدارة الحكومية ومرافق الخدمات الأخرى مع وجود الحاجة إلى تطوير شبكات الإرواء و المبازل و السكك الحديد و الطرق و الجسور… و غيرها.
إجراءات التعاقد وإدارة التنفيذ: ألأنفاق على المشروع من الموازنة يتضمن الكلفة المباشرة مضافا عليها نفقات الأشراف الميداني للمقاول وهامش لتغطية نفقاته العامة و الربح الذي يعوض المخاطرة و ربما تكاليف التمويل كما سيتضح. و كشف الخلل و مواطن القصور يتطلب دراسة دقيقة لدورة حياة المشروع من لحظة اقتراحه و تعيين مكانه إلى تصميمه ومواصفات المواد و منظوماته الجزئية و تقدير التكاليف … و بعد ذلك مطابقة المنجز على الأرض مع المشروع المتعاقد عليه، والالتزام بالتوقيتات التعاقدية.
وتقدم العطاءات من المقاولين إما على اساس السعر الكلي او سعر المفردة، و يستخدم الأخير عندما لا تكون كميات المواد والعمل معروفة على وجه الدقة واحتياطا لعدم التأكد توضع أسعار للمفردات إزاء الكميات ثم يقدر المبلغ الكلي للمشروع من هذه المعلومات، و يجري التنافس او التفاوض على اساسه. والسعر النهائي للمشروع حسب الأسلوب الثاني تحدده الكميات الفعلية للمفردات و أسعارها، والتي قد تكون ثابتة كما وردت في العطاء او يتفق على تعديلها بالرقم القياسي لأسعار المجموعة التي تنتمي إليها، و الذي يسمى التقييس و هو مستخدم في دول أخرى ومنها بريطانيا، او ربما مقتبسات سعرية متعارف عليها في الأسواق وقت تنفيذ الفقرات. و تميل التعاقدات العراقية إلى السعر الكلي، اما عند إتباع اسلوب تسعير المفردات، في العراق، فتعتمد الأسعار الثابتة كما وردت في وثائق المشروع التي تم التعاقد عليها. وطالما تكون الأسعار ثابتة، حسب الأسلوب الأول او الثاني، تكون مخاطر تغير الأسعار على عاتق المقاول. و لذا من المتوقع ان يضع هامشا مرتفعا فوق الكلفة المباشرة لتغطية تلك المخاطر، مع التحسب للتنافس السعري مع الآخرين، ما يؤدي إلى رفع الأسعار المقدمة في العطاءات تحسبا للتضخم. و عندما يكون الهامش مضغوطا لمنافسة الباقين فإن التقدير المنخفض للتكاليف، او حدوث زيادات كبيرة في الاسعار بفعل التضخم، تضع المتعاقد في حرج. و قد يكون التنفيذ بالنتيجة على حساب الالتزام الدقيق بالمواصفات و تدني نوعية المنج ( المشروع المنجز)، و ذلك خاصة في بيئة اعمال اعتادت على التساهل مع الانحراف عن قواعد حسن السلوك المهني و الأمانة. و لو فرضنا ان فترة تنفيذ المشروع ثلاث سنوات بالمتوسط ، و استعدنا سنوات التضخم الجامح، فمعنى ذلك ان المبالغة بالأسعار كانت فاحشة او حدثت اشكال مختلفة من الغش عندما لا يشهر المقاول إفلاسه.
وهناك اسلوب آخر حيث يتم التعاقد على الكلفة الفعلية مضافا إليها هامش، و من الممكن ان يكون الهامش، حسب هذا الأسلوب، مبلغا مقطوعا او نسبة من الكلفة، وبهذه الطريقة يتخلص المتعاقد من المخاطر وأيضا ينتفع المالك من فرصة ضمان النوعية. لكن الهامش قد يتضمن زيادة او خفضا عند انخفاض او زيادة التكاليف، على التوالي، عن مستوياتها المقدرة، و مثل ذلك في حالة تقصير او إطالة مدة التنفيذ. و يناسب أسلوب الكلفة زائد المشاريع المعقدة و التي لا قد لا تعرف مكوناتها و متطلباتها على وجه الدقة مسبقا. فيجري التصميم و تقدير المهمات و تكاليفها على مراحل، بيد ان هذا الأسلوب يقتضي توفر كادر خبير لدى رب العمل يستطيع تدقيق المهمات ومفرداتها التقنية و المجريات المتوقعة للتنفيذ والتكاليف. و يتلافى هذا الأسلوب مشكلات تغير الأسعار بفعل الضغوط التضخمية او عندما يشتد الطلب على صنف معين من الأبنية والإنشاءات فتظهر اختناقات من شأنها حصول قفزات في اسعار مدخلات تلك الأصناف من المشاريع على وجه الخصوص.
ومن الناحية النظرية، على الأقل، لا بد ان يختلف الهامش حسب ترتيبات الدفع للمقاول : مدفوعات مسبقة لكل مرحلة؛ مدفوعات لاحقة لإنجاز المرحلة ( الذرعة)؛ أو الدفع عند الاستلام النهائي. بموجب الطريقة الأولى لا يتحمل المقاول تكاليف تمويل اي لا يحتاج إلى توظيف رأس مال فيكون الهامش ثمنا للمخاطرة و لا يتضمن عائدا على رأس المال. و بموجب الطريقة الثانية يتحمل المقاول تكاليف التمويل للفترة التي تستغرقها المرحلة، أي المدة بين ذرعة و أخرى تليها، و مع الطريقة الثالثة يحتاج إلى رأس مال ينفق كي يستعاد عند استلام رب العمل للمشروع وفي هذه الحالة يتضمن الهامش تكاليف الفائدة التقديرية لمتراكم الأنفاق من بدء التنفيذ حتى الاستلام، او الفائدة الفعلية عندما تتوسط مصارف للتمويل. وهذه الفروقات التي يرتبها اسلوب الدفع في تقدير الهامش يمكن مراعاتها، ايضا، مع اسلوب الكلفة زائد الهامش. و يعني التعاقد على اساس الدفع عند الاستلام إن الشركة المنفذة مليئة ماليا ورصينة في سوق المال. أما الدفع المسبق فلا يضمن الرصانة المالية فضلا عن تزايد مخاطر الفساد على أكثر من وجه، وهي الطريقة الشائعة في العراق.
و سواء كانت الدعوة لتقديم العطاءات عامة أم محدودة، و بطريقة تسعير المفردات ام السعر الشامل ( الكلي)، مع الالتزام بأدنى الأسعار للإحالة أو غير ذلك، في كل الأحوال لا توجد ضمانات للنزاهة والكفاءة في إدارة عمليات البناء و التشييد الحكومية حسب معطيات الممارسة الجارية. وليس من المنطقي البقاء مكتوفي الأيدي و العراق يحتاج إلى حركة سريعة في سباق اللحاق الاقتصادي والانتفاع المقنع من موارده في نهضة عمرانية شاملة.
لتسهيل إعادة التنظيم نميز بين صنفين من المشاريع: المتماثلة و المتكررة عبر الزمن، و منها ،على سبيل المثال لا الحصر، المدارس ومراكز الشرطة و ابنية الوحدات الصحية و غيرها؛ و المشاريع الفريدة و التي لها تصميمها الخاص وسعتها و وظيفتها. واول خطوة في طريق إعادة التنظيم ان تتخذ إجراءات تضمن المعايير الموحدة في التصاميم والمواصفات و تقديرات التكاليف للمشاريع المتماثلة، ويعدها خبراء مستقلون عن مجريات إدارة المشاريع في الوزارات المعنية والمحافظات. وتعدل التكاليف سنويا حسب تغير الأسعار والأجور. و تستحدث وحدات جديدة للرقابة على تنفيذ تلك المشاريع. اما المشاريع الفريدة فتقتضي المصلحة تشكيل فريق عمل للأشراف على إدارتها من البداية إلى الاستلام. ومن المعلوم ان المشاريع المعقدة و الكبيرة تتولى إعداد دراساتها و تصاميمها شركات استشارية اجنبية، و تحتاج الدائرة الحكومية المعنية إلى كوادر متخصصة وخبيرة للتعامل مع الاستشاري من الانطلاق و حتى إحالة المشروع و ما بعد الإحالة، وهنا تستدعي الحاجة إلى التعود على فرق العمل المتحركة و ليس الملاك الثابت، إذ يصعب على اية دائرة الاحتفاظ بكادر متكامل الاختصاصات و الخبرات و لجميع المهمات المتغيرة .

القدرة المحدودة على البناء والتشييد
تلك المشاكل بمجموعها تعني ان العراق يفتقر، وعلى نحو حاد ، إلى القدرة على الأعمار، أي ان مجموع الطاقات المتاحة في البناء و الأنشاء محدودة مقارنة مع الحجم السنوي للنشاط الاستثماري المطلوب في الحكومة و القطاع الخاص. بتعبير آخر ان الإمكانات الفعلية للقطاع الذي ينتج الأصول العينية الجديدة، و الأنشطة المغذية له، واطئة لا تتناسب مع دولة نفطية و طموحاتها التنموية. و لا يمكنها مع هذه الحال الاستجابة لتطلعات شعبها نحو مستويات من الرفاه لا يمكن الاقتراب منها مع ضآلة الإنجاز في البناء التحتي.
مشكلتنا في الإدارة الاقتصادية ان التفكير و السياسات تنصرف إلى جانب الطلب و الأنفاق، فعندما تدرج هذه المشاريع في الموازنة العامة لا يجري حساب لمتطلباتها نسبة إلى الطاقة الإنتاجية الكلية للبناء و الأنشاء في العراق. ولا أدري لماذا يفترض المعنيون ان قطاع البناء و الأنشاء سوف يستجيب تلقائيا و تنمو طاقاته الكلية بما ينسجم تماما مع حجوم الاستثمار المطلوبة. وهناك التباس في فهمنا للمسألة، فعندما تتعاقد دوائر الحكومة مع مقاولين لبناء مدارس او شبكات صرف صحي فهذا يعني أن الاقتصاد العراقي سوف يعرض منتجات من هذا النوع وهذه المنتجات تسمى سلعا رأسمالية فهي سلع من نوع آخر. فالأبنية و الطرق والجسور … ينتجها الاقتصاد الوطني ولا بد من حساب الطاقة المتاحة في الاقتصاد لهذا الإنتاج. ومن هذه الزاوية لا يوجد تفسير لعجزنا في الإنجاز سوى القول بالالتباس الذي قاد إلى إهمال الإدارة الاقتصادية لمتطلبات تطوير قطاع البناء و الأنشاء الذي يظهر امامهم في صورة المقاول و يسمى القطاع « مقاولات» و المفترض ان الإدارة الاقتصادية لا تحجبها هذه التسمية القانونية عن العملية الاقتصادية التي تكتنف المسار من التصميم إلى الأسس … و صولا إلى اكتمال المنتج المطلوب.
من الإحصاءات الدولية يشكل تكوين رأس المال الثابت، أي الاستثمار لزيادة الأصول العينية ، نسبة إلى الناتج المحلي الإجمالي في العالم حوالي 23 بالمائة. لكن الدول التي سجلت نجاحا في مضمار اللحاق بالدول المتقدمة تجاوزت 30 بالمائة كما في تجربة كوريا الجنوبية، و اليابان من قبل ، والصين زادت على 40 بالمائة. و لو فرضنا ان العراق يستثمر 30 بالمائة من ناتجه المحلي فهو يحتاج ، تقريبا، إلى 80 ترليون دينار لعام 2014 قياسا على بيانات العام السابق و تتزايد بمعدلات تتناسب مع وتائر النمو المستهدفة او الممكنة. ومن المعلوم ايضا ان ما لا يقل عن 65 بالمائة من ذلك الاستثمار ابنية وإنشاءات جديدة بمعنى ان الإنتاج السنوي لقطاع البناء و الإنشاء في العراق حوالي 52 ترليون دينار لتلبية طلب الحكومة و الأنشطة الخاصة بما فيها ابنية التجارة و السكن و الصناعة و الزراعة .

نحو إعادة تنظيم شاملة
ونتساءل هل يستطيع العراق إنتاج ابنية و إنشاءات بقيمة 52 ترليون دينار في السنة الآن ، و المقصود بالكلفة المعيارية لتلك الأبنية و الإنشاءات التي لها قيمة اقتصادية بهذا المبلغ و ليس مجرد مدفوعات من الموازنة. بالتأكيد لا تتوفر لدينا هذه الإمكانية و السؤال الثاني لماذا لا يشكل فريق وزاري، يدعمه النواب بحماس، للمباشرة فورا بتطوير جذري لقطاع البناء و الأنشاء. و في سياق هذا المسعى تأسيس شركات كبرى بالتعاون بين القطاع الخاص و وحدات من القطاع العام و جهات أجنبية معروفة بالقدرات التكنولوجية و التنظيمية العالية. أي شركات برؤوس اموال كبيرة و ارصدة نقدية كافية و ملاكات متكاملة في الخبرة و الاختصاص و مختلف عناصر العدة التقنية المطلوبة و ابنية و مخازن و ربما صناعات ترتبط بها. و يعتنى جيدا بتصميم تلك الشركات لضمان الكفاءة العالية في العمل و التوثيق الأصولي لدقائق النشاط والشفافية وسهولة الرقابة والحساب الدقيق للتكاليف و اعتماد المواصفات العالية. لينتفع العراق جيدا من موارد النفط ، وتتعزز ثقة المواطن بالجهاز الحكومي. ان الشركات الجديدة ستكون متخصصة و أكثر من شركة لكل ميدان: ابنية التعليم و الصحة ؛ المياه ؛ الصرف الصحي ؛ طرق و جسور… و هكذا. و في نفس الوقت تعاد هيكلة الدوائر و الأقسام المسؤولة حاليا عن إدارة المشاريع بالمعنى الاصطلاحي للكلمة، واستحداث وحدات رقابة من نوع جديد و خاصة للرقابة على المواصفات و التكاليف عند التنفيذ. وعند نجاح التجربة الأولى و اكتمال برنامج الإصلاح يمكن العمل مع الشركات الجديدة على قاعدة الكلفة زائد بصيغها الملائمة. و يتطلب التطوير مراجعة اوضاع الأنشطة المرتبطة بعمليات البناء و التشييد لكافة مراحلها بما فيها الاستيراد و الانتاج الداخلي للمواد و النقل و خدمات التصميم و الاستشارة و سواها. ان مثل هذا التطوير لا تنتهي آثاره الطيبة عند حدود البناء التحتي و الخدمات العامة، بل يسهم في تنشيط الاستثمار لتطوير الإنتاج السلعي، الزراعة والنفط والصناعة التحويلية، و الجهد التنموي عموما. ويساعد في ازدهار العراق طالما يؤدي إلى خفض مستمر في التكاليف بالانتفاع من التقدم التقني و ما يرتبط به من أدارة وتنظيم و مهارات عالية. هذا إضافة على النتائج المباشرة في التشغيل وتوليد الدخل في مختلف انشطة البناء و التشييد.
إن ضآلة الإنجاز و التكاليف المالية الباهظة للمشاريع الحكومية، من الرصيف و المدرسة إلى محطات الكهرباء، تستدعي إعادة تنظيم جذرية. و طالما أن أكثر المشاريع متماثلة كما سلف فلماذا تنتشر مهام تحضيرها وإدارتها بين العشرات من الجهات، وهنا يستحسن تجميع الاقسام المعنية في عدد قليل من الوحدات الجديدة نسميها شركات الخدمات الإدارية للمشاريع. فعندما تحتاج هذه المحافظة او تلكم الوزارة إلى مشروع تعهد إلى الشركة تولي إدارته، و تستلمه الجهة المنتفعة في النهاية. ان برنامج الإصلاح هذا هدفه الارتقاء التقني و التنظيمي بكافة عمليات البناء و التشييد الحكومية. وذلك لخفض مستمر في كلفة الوحدة من المنجز النهائي ورفع مستوى النوعية وإنهاء الفساد المالي و ربما هذا هو الأهم. و لذلك يتطلب برنامج إصلاح من هذا الطراز دعما من نواب الشعب كافة و المجتمع بأفراده و المؤسسات المعبرة عن رأيه.

*نائب محافظ البنك المركزي العراقي سابقاً.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة