متى يشعر المواطن بجولات التراخيص؟

سلام مكي*

لم يكد القطاع النفطي العراقي ان يخرج من نفق البدائية والتخلف في البنى التحتية والفوقية حتى داخل في دوامة العشوائية والتخبط التي تبدو اشد فداحة وسوءا من الاولى. فهي استخدمت ذات الاساليب والوسائل البدائية في ادارة وزارة النفط، اضافة الى متطلبات المرحلة الجديدة، ثم جعلت من النفط المصدر الوحيد لمد الموازنة العامة للدولة بالنقد، فالإنتاج لم يزد كثيرا رغم تحرر القطاع النفطي من الوصاية الدولية والحصار حيث اصبح بالإمكان تطوير الصناعة النفطية عبر جلب الخبرات والكفاءات سواء العراقية المغتربة او غير العراقية، واستيراد وسائل الانتاج والتعاقد بحرية مع الشركات النفطية العالمية المتخصصة بتطوير واكتشاف الحقول النفطية. سياسة الدولة العراقية بعد التغيير في مجال النفط بقيت على حالها منذ سقوط النظام ولحد اليوم رغم تغير اكثر من حكومة. هذه السياسة الغت كل منافذ مد الموازنة بالنقد من زراعة وصناعة وتجارة وجعلت نافذة النفط هي الوحيدة، وللأسف لم تطور هذه النافذة، فكل الذي عملته هو محاولات ترقيع الشقوق وطلاء الجدران بحلول وقتية لا جدوى منها سوى اطالة امد المحنة. وانتظر القطاع النفطي 6 سنوات حتى ظهرت رغبة الحكومة بتطويره الى التنفيذ عبر طرح ما سمي بجولات التراخيص في عام 2009 التي كانت تهدف في وقتها الى زيادة الانتاج بالتدريج حتى يصل في عام 2015 الى اربعة ملايين برميل يوميا. واليوم ونحن على اعتاب العام 2015 نتساءل: هل وصل الانتاج النفطي الى اربعة ملايين برميل؟ شركة سومو المسؤولة عن تصدير النفط بينت في موقعها الالكتروني ان معدل التصدير لم يتجاوز 3 مليون خلال هذه السنة. كذلك تصريحات وزير النفط السابق عبد الكريم لعيبي الذي صرح قبل انتهاء مدة ولايته بأن وزارته تطمح الى ان يصل انتاج النفط الى 3،5 مليون برميل يوميا! المشكلة في جولة التراخيص الاولى ان الحقول المطروحة للتطوير لم تحض جميعها بالإحالة الى شركات عالمية حيث اكتفت تلك الشركات بحقول الرميلة الشمالية والجنوبية وغرب القرنة مرحلة 1 والزبير، بينما بقيت الحقول الاخرى تحت ادارة الشركات العراقية. السؤال هو: هل ان عدم احالة جميع الحقول هو السبب الحقيقي في عدم تحقيق جولة التراخيص الاولى اهدافها؟ فلو تم وضع باقي الحقول المطروحة للإحالة، فهل كانت انتاجنا النفطي قد وصل الى الحد المطلوب وهو اربعة ملايين؟ هل ادت الشركات الاجنبية ما عليها من التزامات بينما شركاتنا المحلية ليست كذلك؟ لو اطلعنا على واقع الصناعة النفطية في كل من الحقول التي بقيت تحت ادارة الشركات العراقية وتلك التي احيلت الى شركات عالمية، فهل سنجد فرقا كبيرا بينهما؟ مؤكد ان الزيادة الكبيرة في موازنة الاعوام التي تلت المباشرة بتنفيذ عقود التراخيص كان مرده الى تلك العقود وقيام الشركات بتطوير الحقول النفطية مما ادى الى زيادة انتاجها وبالتالي زيادة الايرادات لصالح الخزينة، ولكن: هل الزيادة الحالية بالإنتاج خصوصا وان العراق قد شهد اربع جولات تراخيص فيما بعد، هي النتيجة التي بمستوى الطموح؟ اين اثار باقي جولات التراخيص؟ ثم علينا ان نسأل عن سبب امتناع الشركات عن المنافسة في حقول معينة دون غيرها. هذا يعتمد على نوعية النفط الموجود فيها وموقعها وكمية الاحتياطي الموجود فيها، وهذا ما يستدعي من الوزارة ان تراعي التبيان في اماكن ونوعية الحقول، لا ان تعمم شروطها على جميع الحقول وكأنها تتملك مواصفات واحدة؟ ولا ننسى دور الروتين الحكومي والتعقيدات الادارية التي تجعل الشركات تأخذ من الشركات وقتا طويلا اضافة الى ضياع وقت الدولة وجهدها في الاسراع بتطوير الصناعة النفطية بأسرع وقت، ناهيك عن الفساد الاداري والوظيفي الذي يتسبب بنفور الشركات من التعاقد مع الوزارة. ويفترض ان من نتائج الجولتين الاولى والثانية وصول الانتاج الكلي للنفط بحدود تسعة مليون برميل يوميا في العام 2017، هذا لو فازت جميع الحقول المطروحة بالتطوير، ولما كانت هناك حقول بقيت تحت الادارة المحلية، فيمكن ان تقل هذه الكمية بضعة ملايين لتصل على الاقل الى 6 مليون مثلا اضافة الى الجهد المحلي الذي يساند الجهد الاجنبي، قد نصل الى رقم اعلى من هذا. ولكن: هل سيشهد العام 2017 وصول الانتاج الى الرقم المطلوب؟ ثم لماذا لم تقم الوزارة بتطوير شركاتها ليكون انتاجها من النفط في الحقول التي تديرها الى مستوى انتاج الحقول الاخرى؟ لا شك ان قيام الشركات الاجنبية بتطوير حقولنا لقاء ثمن باهض، لماذا لا تدفع الدولة هذا الثمن في تطوير ودعم الصناعة النفطية لتدير بنفسها تطوير وحفر الحقول النفطية؟

ما مصير الغاز المصاحب للنفط؟
كلنا يعرف ان كميات كبيرة من الغاز تستخرج مع النفط، هذا الغاز مع الاسف يحرق في الهواء، لأسباب تتعلق بعدم وجود وسيلة للاستفادة منه او منع حرقه، وهو لا يقل اهمية عن النفط ويمكن لو استثمر ان يكون مصدرا ثانية اضافة الى النفط. هذا الغاز كان ولا زال طاقة مهدورة لم تستفد الدولة منها على مدى تاريخ الصناعة النفطية، الجولة الثانية من التراخيص اوجبت على المقاول او الشركة معالجة وتصنيع الغاز المصاحب كأحد التزاماته التعاقدية… لكننا لم نسمع يوما ومنذ مباشرة الشركات بالحفر والتطوير انها قامت بتصنيع الغاز المصاحب للنفط او ان الدولة او الوزارة اعلنت عن بيعها للغاز. فإلى متى سيهدر هذا المصدر؟ لماذا لا تطالب الوزارة وهي الطرف في العقد بتنفيذ هذا الشرط على اعتبار ان لها الحق في فسخ العقد او معاقبة المقاول في حالة مخالفته للاتفاق.

ماذا حققت جولات
التراخيص حتى الان؟
يفترض ان مرور عدة سنوات على بدء التنفيذ في عقود التطوير والحفر تحقق الكثير من النتائج على كافة المستويات الاقتصادية والخدمية والمعيشية للمواطن العراقي وعلى مستوى الصناعة النفطية، على اعتبار ان زيادة الانتاج يؤدي الى زيادة الوفرة المالية المتحصلة من التصدير، ولكن: هل هناك نتائج تذكر عليها؟ يفترض ان عمل الشركات النفطية في عدة محافظات سيؤدي الى تقليل نسبة البطالة بشكل كبير على اعتبار ان حجم تلك الشركات والعمل التي ستضطلع به، يحتاج الى خبرات وايدي عاملة كثيرة ولكن، لحد اليوم، لم تساهم تلك الشركات ولو بجزء صغير من القضاء على البطالة. وهذا يعود : اما الى عدم تضمين العقود لبند يجبر تلك الشركات على وضع نسبة معينة من عمالها من العراقيين او امتناع تلك الشركات عن التوظيف رغم تضمين نصوص العقد لحق العراقيين في العمل لديها وعدم قيام الطرف الاول وهو الوزارة بالمطالبة بحقوقهم في التوظيف. الامر الاخر هو بقاء الصناعة النفطية العراقية في ظروف عملية لا تضاهي مثيلاتها من دول الجوار التي لا تملك امكانيات وقدرات العراق سواء في كمية الاحتياطي او الانتاج، حيث ان العراق لازال لحد اللحظة يستورد ملايين اللترات من المشتقات النفطية من دول الجوار، في وقت يصدر ملايين البراميل من النفط الخام، فلا يعقل ان مرور اكثر من عقد على التغيير والبلد يستورد ما يصدره! الا يمكن للحكومة العراقية ان تبذل في صناعة النفط جهدا استثنائيا يمكنها من تصنيع ما تستهلكه من مشتقات نفطية دون ان تضطر الى استيراده وانفاق الملايين من الدولارات؟ الم تتمكن الحكومات المتعاقبة من التعاقد مع شركات متخصصة في تكرير النفط لتتخلص من استيراد المشتقات؟

مشكلة الموازنة
شهدت موازنات الدولة العراقية على مدى السنوات الماضية تصاعدا كبيرا حتى تجاوزت هذا العام 100 مليار ونصف دولار ، معتمدة بالدرجة الاولى على بيع النفط، على وفق سعر تحدده في بداية كل عام. السعر الذي حددته الحكومة للموازنة الاخيرة هو 100 دولار للبرميل الواحد. وعليه، لابد من بقاء هذا السعر ثابتا، وظروف التصدير طبيعية على مدار السنة، لان اي تغيير في السعر او حدوث ظرف طارئ كتغير الاحوال الجوية او تعرض انابيب النقل الى اعمال تخريبية يعني ان خلالا سيؤدي الى حصول عجز مالي في الموازنة وبالتالي ارباك الدولة بأكملها. فهل ان الحكومة بكوادرها وامكانياتها عاجزة عن وضع خطط كفيلة بمعالجة هذه المشكلة؟ الا يمكن وضع خطط بديلة يمكنها مواجهة الظروف الطارئة؟ لماذا تشهد موازنة الدولة تصاعدا مضطردا في كل عام بينما نرى موازنات دول كبرى ثابتة على مدى عدة سنوات؟ ان النتيجة المنطقية لزيادة حجم موازنة سنة عن اخرى، يعني ان السنة التي حصلت بها زيادة في موازنتها ستشهد اعمارا اوسع من سابقتها كما سيزداد دخل المواطن وستطور مجالات التعليم والصحة وسيتسع سوق الوظائف ليشمل القطاع الخاص بدلا من الاتكاء على القطاع العام. ولكن، ايا من هذا لم يحدث، فلم يلمس المواطن العراقي تغيرا ولو طفيفا في الواقع، فالخدمات على حالها والخريجون بلا وظائف والتلاميذ بلا مدارس والشوارع غير مبلطة، كما ان دخله ثابت على مدار العام وما يتغير هو الاسعار فقط. ولكنه لم يسأل حكومته يوما: اين تذهب الموازنة؟ على الشعب العراقي ان يحاسب وزارة النفط او الحكومة ككل، عن النتائج التي تحققت بعد اعوام من احالة حقول النفط الى الشركات الاجنبية! عليه ان يسألها عن اجراءاتها في تغيير الواقع السيء للصناعة النفطية وخططها في تطوير تلك الصناعة! عليه ان يسألها عن سبب استيرادها لملايين اللترات من النفط الابيض وغيره من دولة مجاورة دون ان تفكر يوما بصناعته بنفسها! النفط والغاز هو ملك للشعب العراقي وليس للحكومات كما ينص الدستور على ذلك، فعلى اصحاب الملك ان يسألوا عن مصير ملكهم الذي وضع بيد طبقة سياسية قد لا تصلح لإدارة مشروع صغير لا ان تدير مؤسسة بيدها مقدرات ومصير الشعب!

*كاتب عراقي

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة