التراخيص النفطية.. الطريق السهل لتعظيم الموارد

علي صابر محمد*

كان قانون تأسيس شركة النفط الوطنية قرارا سياسيا مهما بالإضافة الى كونه قرارا اقتصاديا لما له من أهمية في تطوير قدرات العراق في المجال النفطي ووضع الاقتصاد العراقي على السكة الصحيحة في طريق النهوض في كافة الميادين وكسب المزيد من المهارات للموارد البشرية العراقية من خلال زجها في المجال العملي وبناء قاعدة معرفية جيدة تغني البلد من الاعتماد على العمالة الاجنبية وتفتح فرص عمل كثيرة امام ابناء الشعب وتكون الخطوة الاولى لتطوير قطاع النفط والانتقال الى مراحل الصناعة النفطية المتشعبة ومشتقاتها لذا كانت السبب الرئيس لتآمر شركات النفط الاحتكارية على الحكومة الوطنية والاطاحة بها في ستينيات القرن الماضي.
أما وقد تبدلت الاحوال وتغيرت الظروف والمعايير فان مجال النفط لم يكن بمنأى من هذه المتغيرات ، فالعالم اليوم تحكمه العلاقات الاقتصادية وقوانين التجارة الدولية ومتطلبات التوسع بسياسة العولمة التي هي الوجه الجميل للإمبريالية وهيمنة الدول الكبرى على مرافق الانتاج في العالم والتحكم بسوق السلع ودور شركات النفط العالمية لم يعد يعتمد على نفس الآليات القديمة في التعامل مع الدول المنتجة للنفط ، وفرص دول العالم الثالث في التنمية يتضاءل تدريجيا مع سياسة الانفتاح التجاري وأطلاق العنان للسوق الحرة ، ولو تمعنا بنتائج المتغيرات في الوضع الاقتصادي العراقي لوجدنا بان الصناعة الوطنية قد توقفت بشكل كامل ليس في المجال النفطي فحسب بل وفي جميع القطاعات وخاصة صناعة القطاع الخاص أما القطاع الحكومي فان انتاجه لا يضاهي الصناعة المستوردة وليس مؤهلا للمنافسة أضف الى ذلك تخمة وترهل الايدي العاملة في مصانعها وتخلف المكائن المستخدمة في الانتاج وعدم تحديثها يقلص من جودة المنتوج ومن نتائج هذه المتغيرات هو تراجع دور شركة النفط الوطنية والعودة بالبلد الى المربع الاول مع بداية اكتشاف النفط ودخول الشركات العالمية لاستثماره مع أجراء بعض التعديلات على المعادلة وحسب مقتضيات المرحلة .
ينتج العراق حاليا ما مقداره 2،5 مليون برميل يوميا تقريبا وهذه تحكمها ظروف وتقلبات السوق والاجواء وهو ما زال دون السقف المحدد له من قبل منظمات أوبك وأوابك ويطمح الى زيادة هذه الصادرات لتصل الى عشرة ملايين برميل وعلى مدى عقد كامل علما بان موازنة الدولة حاليا تعتمد بنسبة 94% منها على مبيعات النفط وهو مؤشر خطير يضع مستقبل البلد الاقتصادي على حافة الانهيار ، وما زالت السياسة المتبعة هي المزيد من جولات التراخيص وفسح المجال للشركات العالمية للمنافسة في زيادة الانتاج النفطي بهدف زيادة موارد العراق اضافة الى تعويض ما فاته من فرص التصدير ابان حروب النظام البائد ولهذه السياسة تبعات مضرة ومفيدة في آن واحد ونؤشر بعضها كما يلي :
1. ان زيادة ايرادات النفط تسهم بشكل إيجابي في تحسين القدرات الاقتصادية العراقية وتمنح الدولة فرصة البناء والاعمار وانشاء العديد من المشاريع الاستثمارية وتطوير أحوال الناس المعاشية وتساهم بتقليص نسبة الفقر في البلاد وهذا ما لا نجده على أرض الواقع حيث معظم الموارد تبدد وتحرق في مجالات غير مجدية ونسبة الفقر في تزايد مستمر بل أضيف اليها قوافل المهجرين بفعل أعمال العنف والاعمال العسكرية والتي تستهلك الحصة الكبرى من الموارد وهذه الانشطة هي نتاج مغريات زيادة الموارد وبيد عقليات غير حكيمة لا تجيد توظيفها في المجالات النافعة.
2. النفط كطاقة آيلة للنفاذ والاسراف في استهلاكها دون تعقل يعرض مالكيها وهم الشعوب الى خسارة لا تعوض لذا فان التهافت على زيادة الانتاج دون توظيف مواردها في خلق مصادر بديلة يعد جريمة بحق الاجيال القادمة سيما في بلد مثل العراق يفتقر الى الكثير من سبل وركائز التنمية سواء في المجالات الصناعية او الزراعية او السياحية في الوقت الذي يمتلك العراق أرضا خصبة ومياه غزيرة وأرثا زراعيا محترما ويمتاز بسمعة سياحية عالية في مجال السياحة الدينية وله نواة الصناعة وجميعها قابلة للتطوير.
3. ان سوق النفط العالمي تحدد أسعاره قوانين العرض والطلب وان زيادة العرض سيقلل من سعر بيعه لذا لجأت منظمات أوبك وأوابك الى وضع سقوف للدول المنتجة حفاظا على الاسعار العالمية وان عدم الالتزام بالكميات المنتجة يعرض السعر العالمي الى الهبوط وهو في غير صالح الدول خاصة التي تعتمد موازنتها على مبيعات النفط فقط وهذا ما يفرض علينا الزيادة التدريجية للإنتاج والتسويق وايجاد حالة توازن مقبولة بين طموح البلد بزيادة المبيعات وعدم ضخ النفط بما يسبب بانهيار أسعاره علما بوجود بعض الدول والمنظمات تبيع النفط خارج الاسواق العالمية وبشكل غير قانوني تكون بمثابة عنصر ضغط على الدول المنتجة للتمسك بسقف الانتاج المنظم حفاظا على كمية الموارد المتأتية.
4. تعظيم الموارد من خلال زيادة الانتاج يتطلب قنوات لإيصالها الى مرافئ التصدير ومنفذ العراق الرئيسي هو رأس الخليج العربي وهذه لها طاقة استيعاب محدودة ومعرضة الى مؤثرات سياسية كما حصل أبان الحرب العراقية الايرانية عندما توقف التصدير منها لذا لجأ العراق في حينها الى فتح منافذ جديدة في ميناء جيهان التركي ومن خلال السعودية الى البحر الاحمر مع وجود انبوب معطل عبر سوريا الى البحر الابيض المتوسط وان هذه الانابيب قد استهلكت الكثير من التكاليف في مدها وصيانتها وحراستها ولعل عدم الاستقرار السياسي للبلد وتقاطعه مع جيرانه عبر عقود من الصراعات هو احد الاسباب في عدم نجاحه في انشاء قطاع نفطي متطور ومستقر وسلس.
5. رغم مساوئ النظام المباد الا انه يمتلك بعض الرؤية في تطوير القطاع النفطي لتمويل ماكنته الحربية كما يقول المثل أن في كل كذبة شيء من الحقيقة فإنشاء معمل البتروكيمياويات في البصرة يعتبر خطوة في الطريق الصحيح لبناء قاعدة نفطية جيدة ، وبعد أكثر من عقد على سقوط النظام نلاحظ عدم الاهتمام بهذا المشروع الحيوي المتوقف منذ نشوب الحروب العدمية التي خاضها النظام ولم نلمس أية جدية في العهد الجديد بإعادة تأهيله ليأخذ دوره في عجلة التنمية.
6. يمتلك العراق معاهد وكليات متخصصة بالنفط تخرج سنويا أعدادا جيدة من المؤهلين لرفد الصناعة النفطية بالطاقات الشبابية الوطنية فاذا كانت التراخيص تجيز للشركات استخدام العمالة الاجنبية وهذا ما نلمسه على الارض فأين سيكون مصير الشباب العراقي من عملية الانتاج والتسويق ؟ هل سيتم ألحاقهم ضمن جيش العاطلين أم سيضافون الى قائمة موظفي الدولة ليتقاضوا الرواتب وبلا أنتاج كبطالة مقنعة.
7. كنا نتمنى ان يكون الاهتمام بالصناعة النفطية لا يقتصر على زيادة انتاجه فقط وانما يمتد الى تطوير وتوسيع الصناعة النفطية ومشتقاتها من بنزين وزيوت ومشتقات أخرى تديم الصناعة المدنية من حبيبات بلاستيكية وتفرعاتها والاصباغ وجميع المنتجات التي صنعها العلم من النفط ولكن الملاحظ اننا لا زلنا نستورد البنزين والزيوت للاستهلاك المحلي والغاز لتشغيل محطاتنا الكهربائية ولم يتحقق الاكتفاء الذاتي لحد الآن رغم مرور أكثر من عقد على التغيير ورغم احتراق مليارات الامتار المكعبة من الغاز وأمام أنظار العالم دون الاستفادة منها.
8. مطلوب من العراق لا أن يسعى لتطوير القطاع النفطي في العراق فحسب بل أيجاد فرص التكامل في مجال الصناعة النفطية مع محيطه الاقليمي بغية عدم الدخول في المنافسة في المنطقة التي قد تقود الى هدر الموارد وضياع فرص كثيرة للتنمية في الوقت الذي يمكن التنسيق بين دول الجوار لأحداث وضع اقتصادي مستقر تكون بوابة لازدهار الصناعة النفطية.
لسنا مع فكرة الافراط في جولات التراخيص وزيادة حجم الصادرات النفطية لأنه مال سهل الحصول عليه وسيكون سهل تبديده خاصة وان موازنة الدولة رغم زيادة الايرادات فان معظمها يذهب للاستهلاك ولن تتوقف شراهة الساسة في الضغط بزيادة الاستهلاك طالما الموارد في تزايد مستمر واذا كانت الدولة لا تنفق أية مبالغ لهذه الشركات وانما تتقاضى حصتها من النفوط المستخرجة والمباعة كنوع من الاستثمار فأننا نشجع الاستثمار في مجال انشاء مشاريع للمشتقات النفطية وفسح المجال للشركات الاجنبية للدخول في هذا المضمار وحماية هذه الاستثمارات كونها تصب في تطوير القدرات العراقية وتفتح فرص لتشغيل الايدي العاملة العراقية وتضع لبنة حقيقية في البنية التحتية للصناعة النفطية ، نضع هذه الرؤية أمام أنظار الحكومة الجديدة علها تدرج ذلك في برنامجها خاصة وأن توجهات الحكومة الجديدة تختلف كليا عن سابقتها ونرى فيها ميلا أكثر للعقلانية والركون للحلول السياسية ومعالجة الاشكالات بروح منفتحة بلا تعصب وبنظرة أكثر واقعية آخذة بنظر الاعتبار رأي الشركاء في العملية السياسية مع توفر المناخ الدولي الداعم للتوجهات الجديدة ، فعندما يواجه المجتمع عدواً مشتركا يتوحد الخطاب وتتظافر الجهود لمواجهة الخطر .

*خبير مالي

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة