الأخبار العاجلة

أزمة الدين كما يُفهم ويُطبق في المجتمع السعودي

علي الشدوي*

1
لا بد من أن يثير العنوان “أزمة الدين كما يُفهم ويُطبق في المجتمع السعودي” ردود فعل متعارضة لاسيما أن بعض الوعاظ والمذكّرين يعتقدون أن فهم المجتمع السعودي وتطبيقه الإسلام ليس ذا دلالة بالنسبة لللمجتمع السعودي فحسب، إنما ذو دلالة لكل المجتمعات العربية والإسلامية؛ فمن وجهة نظرهم أن المجتمع السعودي في تديّنه لا يتحمل مسؤوليته إزاء وجوده كمجتمع سعودي يحمل رسالة فحسب، إنما أيضا في انطواء رسالته على مسؤولية أعظم تجاه مجتمعات أخرى تراقب ما يفعل لتفعل، بوصف المجتمع السعودي قدوة في فهم وتطبيق الإسلام بشكله النقي.
لماذا يجب أن نقبل فكرة أن هناك أزمة يعيشها المجتمع السعودي؟ ولماذا على القارئ أن يتقبل أن سببها هو الدين كما يُفهم ويُطبق؟ يكمن الجواب فيما يُعرف بالحجة القائمة على الانتقاء. أي أنني انتقيت الدين كما يُفهم ويُطبق في المجتمع السعودي سببا للأزمة لأنني لا أعرف سببا آخر.إنه سبب مؤقت إلى أن يحين تجميع الأدلة التي تدحضه. يمكن لأحد القراء أن يُقدم سببا يعلل الأزمة أفضل من السبب الذي اقترحته. وإلى أن يُعرف ذلك السبب سأحتفظ بسببي؛ اعني أن سبب أزمة المجتمع السعودي في علاقته مع العصر الحديث هو الدين كما يُفهم ويُطبق.
إذا حددت النقاش مؤقتا في الدين وعلاقته بالمجتمع فأنا من حيث المبدأ لا أعترض على أي دين كان في أي مجتمع كان مهما كان حال الدين، مادام الدين لا يدفع المجتمع إلى أن يتخذ موقفا من المجتمعات الآخرى لأنها لا تشاركه دينه. لكن حين يصبح الدين مصدر قلق لأصحابه وللآخرين يحين الوقت لكي نقول إن هناك أزمة دين في المجتمع. ذلك أن أزمة دينٍ ما في مجتمع ما تعني أن “دينيّته”؛ أعني الكيفية التي يحدد بها الدين حياة الناس الاجتماعية والثقافية، وما يجعل منه شرعة ومنهاجا ينجز بها الإنسان مهامه الدنيوية قد أصبحت موضع سؤال من الناس.
قد يتساءل أحد القراء هل هناك فعلا أزمة دين في المجتمع السعودي ؟ قد تكون الأزمة مقبولة عند المجتمع السعودي بالنسبة إلى مجتمعات أخرى تعيش في الوقت الحاضر تحت تأثير ممارسات يعتبرها المجتمع السعودي لا عقلانية؛ كالإيمان بشخص غائب، وتُنتظر عودته، أو بأن يعذب الناس أجسادهم ويحرقوها حزنا على شخص مات ( الشيعة ) قد يكون هذا مقبولا عند المجتمع السعودي بالنسبة إلى مجتمعات تقدس أشخاصا ( الصوفية ) وتنسب إليهم الكرامات والمعجزات.
يضيف القارئ المعترض كيف لك أن تتحدث بكل جدية عن أزمة دين في المجتمع السعودي؟ أي أن تتحدث عن أزمة دين في مجتمع يطبق الحدود الشرعية، ويمارس أفراده العبادات. مجتمع تتوقف حياته الاقتصادية أثناء الصلاة، وتمتلئ المساجد بالمصلين. أليس ما حدث في المجتمع السعودي، وما يحدث فيه على مستوى صفاء العقيدة مقنعا لك وأنت تتحدث عن أزمة دين في المجتمع السعودي بعدم وجود أزمة؟ ألا يقنعك أن يكون الإسلام مرجعا أعلى لنظام الحكم في المجتمع السعودي بعدم وجود أزمة دين؟ ألا يكفيك أن يحكم الإسلام حياة السعوديين الاجتماعية والثقافية والاقتصادية لدحض أن يكون هناك أزمة دين في المجتمع السعودي؟
يضيف هذا المعترض قائلا : يمكن أن تكون أزمة الدين مقبولة عند المجتمع السعودي بالنسبة لمجتمعات أخرى تحل التجريب والعقل محل النصوص الدينية، وتحل العلم محل الإيمان ( العالم الغربي ) كيف تصح أزمة الدين في المجتمع السعودي والمعرفة تتأتى بقراءة النصوص الدينية، وأن الانشغال بالمعاش زمن ضائع بالنسبة للمعرفة بالنصوص، وأن ثقافة المجتمع السعودي تخضع لمبدأ هيبة النصوص الدينية، وأن البرهان على أي شيء يلزم أن يستند إلى الاستشهاد بالنصوص؟. كيف يصح أن تقول إن هناك أزمة دين في المجتمع السعودي ونمط المجتمع السعودي الثقافي والاجتماعي والاقتصادي يخضع للإسلام ؟ وتتحدد حياته بالإسلام، وأن الإسلام في جوهره هو العقيدة، وأن العقيدة يلزم أن تكون صافية ونقية. أين الأزمة التي تتحدث عنها حيث الالتزام بالكتاب والسنة، و حيث الأمراء والمشايخ والمؤسسات تتبنّي الإسلام وتنشره؟
إن طبيعة إدارة الحياة التي تنتهجها السلطة الحاكمة في المللكة العربية السعودية هي الحكم بالشريعة الإسلامية. وأن الإستراتيجية الثقافية المتعلقة بالوضع الحياتي العام للمجتمع السعودي قد حُسم وكان من أدوات الحسم الكبرى التمييز بين ما هو إسلامي وغير إسلامي. أين الأزمة إذن؟. كيف يصح لك أن تقول : هناك أزمة دين والإسلام هو الشكل الثقافي الأكثر دلالة على المجتمع السعودي؟ وهو مستودع ثقافته وتاريخه يبلغ مرتبة تمجيد المجتمع، وهو حقل ممارسة ووعي جماعي و فردي. واستبقاء لهذه الصلة بين المجتمع السعودي وبين هذا الشكل الثقافي، واستنادا إليها فإني أعترف مقدما أن الاحتجاج والتعجب له نوع من المشروعية.
سأجيب هذا المعترض بأن هناك زاوية أخرى للنظر؛ أي انطلاقا من الأزمة التي يعيشها المجتمع السعودي في كونه ينتمي أو لا ينتمي إلى العصر الحديث، ومن الدور الذي يعزو فيه أجيال الشباب السبب إلى الدين كما يُفهم ويُقدم في المجتمع السعودي. يتعلق الأمر بتصرفات المجتمع السعودي إزاء مفهومات العصر الحديث كالاتصال؛ أعني مشاركة الفرد السعودي في الحياة الحديثة، وتبادل الأفكار مع الآخرين حتى لو اختلفوا معه في الدين. والوعي بأهمية الزمن وتقبل الفرد السعودي التغيير، وعدم تحكم الماضي في تشكيل حاضره أو الحد من تطوير مستقبله، والتنمية البدنية للأفراد السعوديين، وارتباطها الوثيق ببناء الشخصية للإناث والذكور وهو ما يُعبر عنه بالجسم السليم، وتنمية وعي الفرد السعودي بالمكان المحسوس والثقافي والحضاري، وإدراك الفرد السعودي للفن وتذوق الفنون الجميلة المرئية والمسموعة والأدائية، والقدرة على التخييل والتصور وتقدير القيم الجمالية وأساليب التعبير التي تعكسها الفنون المختلفة و المواطن والمواطنة؛ أي فهم الفرد السعودي لدوره في المجتمع وتنمية سلوكياته الإيجابية كمواطن وتنمية مشاعره وتفكيره تجاه وطنه، واحترام الرموز التي تمثله. والتنمية الأخلاقية والقيمية لكي يؤمن الفرد السعودي بالعقلانية والإنسانية واحترام الآخر. ثم الروح العلمية؛ أي أن يحل التفكير العلمي محل التفكير الخرافي. يقول الشباب ان الدين كما يفهم ويطبق في المجتمع السعودي يتخذ موقفا رافضا من هذه القيم الحديثة، أو أنه يستحضر لها أجوبة ربما كانت مقنعة في زمنها، لكنها وبحكم تغير الأزمان لم تعد مقنعه ولا مبررة في العصر البشري الحديث.
2
سأعرض هنا ما أفكر فيه بصفتي أنتمي إلى جيل يشعر بأزمة الدين كما يُفهم ويُطبق في المجتمع السعودي الذي انتميت إليه متعلما ومعلما وما زلت. ثم بصفتي قريبا جدا من الجيل الذي أتى بعدي، والجيل الجديد الذي تسلح بالشك إلى أقصى حد، وبالفضول إلى أقصى من ذلك. وهو الجيل الذي تعلم من وسائل الاتصال الحديثة أن الشك والفضول ( حب الاستطلاع ) هما أهم قيمتين من قيم المعرفة التي تنتمي إلى العصر الحديث. سأُظهِر وأصف –فقط-ما شعرت به وأنا أناقش جيلي، والجيل الذي تلاه، ولن أخفي شيئا مما سمعته أو قرأته أو ناقشته.
يقول هؤلاء لقد ترتب على الدين كما يفهم ويطبق في المجتمع السعودي نزعة التمركز حول الذات، واللجوء إلى التبرير الذاتي، وإلى تزكية الذات. وقد قادته نزعة التمركز حول الذات، إلى أن يتعامل الفرد في المجتمع السعودي مع ما يقوله الآخرون بطريقة الذم، وإلى أن ينتقي من أقوال الآخرين وأفعالهم وممارساتهم غير اللائق وغير المهذب، وأن يهمل منها ما هو عكس ذلك. في الواقع إن عدم فهم الذات هو مصدر هام لعدم فهم الآخر ( إدغار مورام ) فنحن نخفي عيوبنا، ونقاط ضعفنا، الشيء الذي يجعلنا غير متسامحين مع عيوب، أو نقاط ضعف ( الآخر).
أدت نزعة التمركز حول المجتمع إلى كره المجتمع السعودي الأجانب إلى حد يصل فيه الكره إلى نزع الصفة الإنسانية عنهم وإقصائهم بمبررات قيمية وأخلاقية. ترتب على هذا أن الفرد في المجتمع السعودي لا يأخذ الآخر بعقلانية، إنما يأخذه بحكم أخلاقي بدون تحليل وتفكير. ونحن نعرف الآن بفضل الفلسفة الحديثة أن الإقصاء المبرر بدوافع أخلاقية، يسمح بتجنب أي مجهود عقلي، إلى درجة أن حكما أخلاقيا يعبر دائما عن رفض لكل تحليل أو حتى تفكير.
اختزلت نزعة الفكر الاختزالي الآخر إلى صفات مجردة من كل إنسانية، ونحن نعرف أن الإنسان كائن ذو طابع مركب، واختزاله إلى فكرة واحدة، أو إلى جزء منه، أو إلى صفة واحدة مجردة يؤدي إلى نتائج وخيمة في تصوراتنا عن الآخر. كتب الفيلسوف ( هيجل ) “إن التفكير المجرد لا يرى في المجرم سوى هذه الصفة المجردة ( والتي يتم عزلها عن طبيعته المركبة ) واعتمادا على هذه الصفة الأحادية يتم القضاء على ما تبقى من إنسانيته.
3
سهلت فكرة تقديس الدين ؛ أعني تقديس زمانِه، ومكانِه، ومدنِه، ورجالِه، ومؤسساته من توظيف الدين في إعطاء رجال الدين أفرادا ومؤسسات شرعية وقداسة تخولهم أن يتدخلوا في حياة الناس الاجتماعية بذريعة تمثيل الدين، وقد ترتب على ذلك أن برزت مفاهيم العصيان والعقاب والجزاء، والتمرد، والتكفير، مما يجعل من فكرة تقديس الدين ورموزه موضع سؤال.
أكثر من هذا يتخذ الدين كما يُفهم ويُطبق في المجتمع السعودي موقفا متحفّظا من الزمن؛ فهو يقدس الماضي على حساب الزمن الحاضر والمستقبل. وقد ترتب على ذلك تجاهل مفهوم التقدّم الفاعل في تعديل الشرط الإنساني. إن مفهوم التقدم هو” الفكرة القائلة بأن لتحسين الشرط الإنساني معنى، وأننا جميعا مسؤولون عنه كواجب تجاه الإنسان “. وحينما يُقدس الزمن الماضي فإن ذلك يجعل من الدين كما يُفهم ويُطبق في المجتمع السعودي موضع سؤال.
فيما أنا أعدد ما أفضى إليه الدين كما يفهم ويطبق في المجتمع السعودي من أزمات ينتعش الكثير من التنظير الديني المتعلق بحدوث الكوارث الطبيعية، وشح المطر وإعادة سببه إلى أعمال الناس. وأكثر من هذا ما ذكره بعض الدعاة المشهورين من أن الملائكة تقاتل جنبا إلى جنب مع الثوار السوريين. وقد ترتب على هذا أن يُفهم الدين على أنه يتخذ موقفا متحفّظا من الروح العلمية؛ أي في إدراك الصلة بين العلة والمعلول الأساس في فهم الظاهر الطبيعية والإنسانية.
إن الأزمة قد تكون أكثر تعقيدا مما ذكرته إلى الآن حين يجعل الدين كما يُفهم ويطبق في المجتمع مفهوم الحرية مضادا لمفهوم الطاعة؛ فحيث” تحكم الطاعة لا توجد حرية “، وقد ترتب على فهم الحرية مضادا للطاعة أن تُفهم الحرية على أنها عصيان وتمرّد، وهو المعنى الذي لا يفهم من كون الحرية مضادة للعبودية مما جعلها محركا من أكبر محركات التاريخ البشري.
إن أهم ما شغل تفكيري هو ان الدين كما يُفهم ويُطبق في المجتمع السعودي ينظر إلى أن المعنى يُعطى، ولا يُبنى. يؤمن بأن المعنى كـامل ونهائي، ولا يعترف بأن المعنى مؤقـت ولا يعــدو أن يكون تأويلا، ونتــاج عقــل تعــامل مع ما يقرأ في ضـوء معارفـه وتجــــاربــه. يمكن أن يكون للمعرفة اتجاهات وقيما للمعرفة كالشك الذي يعارض قبول التفسيرات التقليدية، ويقود الفرد إلى أن ينفر من قبول الأشياء كما هي مقررة من قبل. يقتضي الشك الفضول ( حب الاستطلاع ) الذي يدفع الفرد إلى أن يعرف أكثر وأحسن عن الأشياء. إن احترام استخدام المنطق، واحترام الأدلة كاختبار للدقة، والموضوعية، والرغبة في تأجيل الحكم، وكون الدين كما يُفهم ويُطبّق في المجتمع السعودي يتحفّظ على هذه القيم وهي قيم أساس في المعرفة الحديثة يضعه موضع سؤال.
4
بعد أن قلت ما قلته عن المعنى من الطبيعي أن ينصب اهتمامي على المعرفة؛ ذلك أن الدين كما يُفهم ويُطبّق في المجتمع السعودي ينظر إلى المعرفة على أنها اعتقاد ويقين، وليست فهما وتحليلا وتأويلا. تساعد صياغة الأزمة على هذا النحو على أن نفهم الاحتفال بالوصف الحماسي للعنف الجسماني في الخطب والمواعظ، فالحكايات والمعارك التي توردها تلك الخطب تحتوي على تفاصيل عنف وعلى مناظر دامية وموصوفة، والجانب الإنساني في هذه الحكايات والمعارك يتناسى تماما ليحل محله العنف، و هذا شكل من أشكال لهجة المخاصمة. وأكثر من ذلك تجعلنا نفهم كيف ينقلب الحماس لتوضيح الدين إلى شهوة في الظهور، والاستحواذ على أكبر قدر من البشر إلى حد تحولت المساجد إلى مسارح لم نعد نستمع فيها إلى متدينين؛ إنما وعاظ لا يعلمون الناس دينهم، بل يتحدثون لكي يثيروا إعجابهم، وهو ما يسيء إلى الدين ويجعل منه موضع سؤال.
لقد ترتب على تصور الدين كما يُفهم ويُطبّق في المجتمع السعودي للمعرفة أن يكون عمل المثقف اليومي في المجتمع السعودي متركزا على القراءة والتحدث، وليس الاستماع إلى الموسيقى، أو مشاهدة مسرحية، أو فيلم أو ممارسة الرقص ؛ و بهذه الكيفية تنشغل العقول بما يعتبره” نافعا “.
وأكثر من ذلك يتحفّظ الدين كما يُفهم ويُطبّق في المجتمع السعودي على قراءة النصوص الحديثة كالقصة، والرواية، ومشاهدة الفنون كالمسرح، والفنون التشكيلية والسينما، والاستماع إلى الموسيقى، وممارسة الفنون الأدائية كالرقص، والتمثيل والعزف لأنها من باب تضييع الوقت ؛ تضعف روح الأمة وتذبل الهوية. ولأن هذه الفنون تنتمي إلى العصر الحديث ينتج عنه عدم قابلية الدين لتفهّم ما هو حديث وهو ما يضع الدين كما يفهم ويطبّق موضع سؤال.
لا بد لي من أضيف إلى ما ذكرته من مظاهر الأزمة أن الدين كما يُفهم ويُطبق في المجتمع السعودي يتحفّظ على الفلسفة، وهي تتعلق بأولى المعارف الضرورية بماهية المعرفة الإنسانية وبآلياتها وحدودها ونزوعها الطبيعي إلى الخطأ والوهم (نظرية المعرفة ) وقد أدى هذا إلى أن يعتبر مجتمعنا المعرفة أداة جاهزة يمكن أن يستعملها من غير أن يفحص طبيعتها. لقد ترتب على عدم تدريس الفلسفة الإعراض عن الأسئلة لأن المجتمع اعتاد على الإجابة، والدين كما يُفهم ويُطبّق هو الذي يوفر تلك الإجابات، وهو وحده الذي يوفر اليقين، وهو الذي يرشد إلى طريق السعادة. إننا نعرف من التاريخ أن بعض الإجابات حتى لو كانت إجابات دينية هي إجابات مؤقتة، وأنها تفقد أهميتها مع مرور الزمن؛ لأن الواقع متغير، ولأن معرفة البشر به تتسع. من هذا المنظور يجب أن يُفهم معنى الاجتهاد : أي أن يفهم المجتمع السعودي الاجتهاد على أنه اقتراح إجابات جديدة بعد أن فقدت الإجابات الدينية القديمة أهميتها، وكون الدين كما يُفهم ويُطبق في المجتمع السعودي يتحفظ على تعريف الاجتهاد هذا يجعله موضع سؤال.
5
وإذ كنت أريد أن أتابع هذا التّعداد لمظاهر الأزمة فلا بد أن أذكر أن الدين كما يُفهم ويُطبّق في المجتمع السعودي لا يتخذ موقفا من ظاهرة الاستبعاد الاجتماعي. من دون شك سيكون هناك قلق في استخدامي هذا المفهوم لكونه أصلا محل خلاف، ومع ذلك سيكون استخدامي له بمثابة إطار يوصف لي سلسلة من الحقوق المدنية والاجتماعية كالحق في الرعاية الصحية، والتعليم الأساسي، والرفاهية المادية، وهو إطار يقترب من مفهوم الاستبعاد الاجتماعي كما يفهمه برنامج الأمم المتحدة للتنمية ؛ حيث يعتبره” صورة من صور عدم الاعتراف بالحقوق الأساسية.
في وسعي أن أدرج مظهرا مثيرا للاهتمام وهو أن الدين كما يُفهم ويُطبق في المجتمع السعودي يتبنّى إسلامية المعرفة؛ أي أن الإسلام يحتكر المعرفة العلمية الحقيقية عن الإنسان والطبيعة، وأنه يملك طريقا ملكيا للمعرفة تخوّله أن يعرف العالم معرفة مختلفة عن معرفة المجتمعات الأخرى. إن الفكرة القائلة بكفاية النصوص الأساسية للإسلام لتقديم معرفة علمية عن العالم والإنسان تجعل الدين كما يُفهم ويُطبق في المجتمع السعودي متحفّظا على النظريات العلمية.
لقد دفعت أسلمة المعرفة أحد الدعاة المؤثرين إلى أن يقترح الزكاة أو صبر الفقير على فقره لكي تتغلب المجتمعات المسلمة على فقرها. يشرح هذا الداعية أن الإسلام عالج الفقر بمسارين اثنين: يهمني منها ما يسميه هذا الداعية العلاج لشرعي الإيماني. يتمثل هذا العلاج فيما للفقير الصابر عند الله من أجر ومثوبة، فربما كان فقره خيرا له في الدنيا والآخرة يمنعه من المحرمات ويحجبه عن الشهوات، فصار كثير من الفقراء في الإسلام يفرحون بالفقر، ويعدونه هدية، ويحسبونه عطية ويحمدون الله عليه؛ لأن الإيمان ملأ قلوبهم غنى وقناعة واحتسابا، فصاروا يرون في الغنى عبئا ثقيلا وحملا كبيرا أراحهم الله منه.

*عن موقع الأوان

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة