خطاب اليأس..وجذوة الجواهري

ما يزيدني يأسا من خرابنا الحالي وفوضى السياسة والاجتماع والاخلاق ، ان اقرأ لاساتذة لي تعلمت منهم الشيء الكثير في عالم الصحافة والسياسة ايضا ، ان مستوى يأسهم واحباطهم قد تاخم حدود العدم ، من منظر عبثي الى اقصى الحدود ، تلطخه الدماء ويطرش الاذن فيه الصراخ والعويل وتمتلء المقابر فيه بالشهداء بالارادة الواعية ومن دونها ، بالمواجهات وبالمفخخات والكواتم والصواريخ الصديقة وبغيرها ..
الى وقت قريب انتقدني احد الزملاء والاصدقاء على نبرة اليأس في صوتي وكلماتي ، وقلت له انها «عادة قديمة» .. واتذكر انها ربما ابتدأت في اوائل عام 1979 في بغداد ، عندما كنّا ،انا ومجموعة من الرفاق في الحزب الشيوعي العراقي مختبئين في وكر حزبي بمنطقة البلديات هربا من بطش البعث وعيون المخابرات ، تحت مظلة نساء مناضلات مازلن على ما اظن يتذكرن تلك الايام السود… كان معنا في الوكر الحزبي عضو لجنة محلية من محافظة كربلاء ، لا اتذكر اسمه الحركي الآن، وكان الرفيق يبعث فينا الامل كلما خبا ، مذكر ايانا ببيتين للراحل الجواهري من ديوانه «مرحبا ايها الارق» :
أنا عندي من الاسى جبل.. يتمشى معي وينتقل
أنا عندي وان خبا أمل.. جذوة في الفؤاد تشتعل
في احدى الليالي نقل تلفزيون العراق مباشرة استقبالا حافلا لصدام حسين الذي كان وقتها «السيد النائب» من قبل فيديل كاسترو في العاصمة الكوبية هافانا ، وكانا يجولان بسيارة الجيب المكشوفة بين جماهير تصفق وتهتف وترفع الاعلام، ومنح كاسترو حلم الشيوعيين العراقيين، في تلك الزيارة الى صدام حسين، الذي كان يذبح الشيوعيين في العراق ويطاردهم في احلامهم، وسام خوزيه مارتيه من الدرجة الاولى ، وهو اعلى تقدييم يقدم للضيف المهم في كوبا ، وخوزيه مارتيه هو رمز النضال الوطني من اجل الحرية والانعتاق في قارة اميركا اللاتينية .. صدمتنا الوقائع والصور ، نحن الذين كنا نجازف بارواحنا مختارين من اجل مباديء الشيوعية ، كنّا نرى في كاسترو رمزا للثورة واملا في المستقبل ..صدمتنا وهدّت من عزيمتنا وادرنا عيوننا نحو رفيقنا من كربلاء نبحث عن اجابة، أشعل الرفيق سيجارة وعب منها نفسا عميقا ولخص لنا المشهد تفسيرا بكلمة واحدة « هذا تكتيك» ليقنعنا ان ماشاهدناه هو تكتيك من اجلنا لانقاذنا من بطش صدام ودمويته ( الشيء نفسه حصل مع الحزب الشيوعي المصري عندما استقبل رئيس يوغسلافيا ورمز المقاومة الشيوعية في يوغسلافيا ضد الفاشية جوزيف تيتو الرئيس المصري جمال عبد الناصر وفي ذلك اليوم استشهد سكرتير الحزب الشيوعي شهدي عطية على يد جلادي الامن المصريين في احد المعتقلات)..
على كل حال بعضنا صدق تكتيكا وبعضنا الآخر كتم في قلبه غصة ووجعا ، الا ان الأمل عند الجميع انحدر الى ادنى المستويات… كان الرفيق الكربلائي من عادته ان يستمع كل ليلة من المذياع الى صوت موسكو ، في تلك الليلة استمع جيدا الى تقرير موسع عن زيارة صدام من صوت موسكو وفي لحظة خاطفة ومفاجئة ، حمل الرفيق المذياع بيديه وقربه من فمه وصاح « الو موسكو احتركنه» !!
وكانت صرخته تلك اقسى علينا من مشاهدة صدام وهو يتلقى وسام الشرف الكوبي من الزعيم الشيوعي كاسترو .. اقتنعنا في تلك الليلة ان رفيقنا الكربلائي قد وصل الى مرحلة اليأس التي وصلنا اليها والتي كان يشعل الجذوة فينا لنبقى صامدين امام بلدوزر السلطة البعثية الدموي..
اليوم اشهد منظرا مكررا باختلاف الحيثيات .. اليأس يبطش بنا والخيبة تأكل من جروفنا والذين رأينا ونرى فيهم أملا ، سحقهم اليأس ايضا على ايقاعات دمار واقعي للبلاد على ايدي الجميع .. سلطة ومعارضة .. اشقاءا واصدقاء..حاضرا ومستقبلا ..في فوضى الصراع المرير والدموي على السلطة والكراسي وتنفيذ غايات الآخرين !!
بعض من الامل يحفزنا على الكتابة والقول والانتظار مرديين قول الجواهري « انا عندي وان خبا امل.. جذوة في الفؤاد تشتعل» !!
عامر القيسي

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة