مخلد راسم: أحلمُ بمدينةٍ تخلو من الفقدان والألم

أعماله العالمية قُدمت بـ “روحية عراقية”
الكثير من التغيرات حصلت في حياته، ليست فقط على المستوى الفني، بل على المستوى الفكري والاجتماعي. يقول: “ان تتعرف على ثقافات وجنسيات متنوعة هو بحد ذاته تغير وإلهام وجمال كوني لايوصف”.
فيما يصف المجتمع الأوروبي الذي يعيش به بأنه مجتمع بسيط، عقلاني، لا يهتم في الشكليات. إنما الانسانية والقانون فوق الجميع.
إنه الفنان مخلد راسم، نجل الفنان الراحل راسم الجميلي، والذي حل ضيفاً علينا وكان لنا معه هذا الحوار:
لم خرجت من العراق؟
خرجت من العراق سنه 2005 الى المانيا، للمشاركة في عمل مع المخرج المسرحي د.عوني كرومي (رحمه الله) في مشروع بغداد – برلين، وعرض مسرحية “اعتذر أستاذي لم اقصد ذلك” للمخرج هيثم عبدالرزاق، وبعدها قررت البقاء في أوروبا لأسباب كثيرة تتعلق بالجانب الإنساني والفني ولسبب رئيسي أيضاً وهو وضع العراق في تلك الفترة السوداء والعنف السائد في المدينة التي مازالت تعيش في مخيلتي (بغداد)، وايضاً البحث عن ذاتي كإنسان حالم بسيط بعيدا عن الفوضى، بعيدا عن الموت المجاني، وقريباً جداً من ممارسة الحرية التي فقدناها لسنوات من الخراب اليومي.
حاولت الخروج من واقعٍ الى واقعٍ اخر افتراضي، الى وطنٍ افتراضي، كي أدرك أيضاً معالم وجودي في هذا العالم وأحلم بمدينة تخلو من الفقدان والألم والأيديولوجيا المبهمة.
من “كاليكولا” الى آخر عمل مسرحي، ما الذي تغير عند مهند؟
الكثير من التغيرات حصلت، ليست فقط على المستوى الفني، بل على المستوى الفكري والاجتماعي. ان تتعرف على ثقافات جنسيات مختلفة بحد ذاته تغير وإلهام وجمال كوني لايوصف. المجتمع الأوروبي مجتمع بسيط، عقلاني، لا يهتم في الشكليات. الانسانية والقانون فوق الجميع. ذاكرتي الان مكتظة بالرموز. هناك رؤية جديدة لتجسيد الواقع بعيدا عن الغموض والعروض المسرحية التي تنتمي فقط (للنخبة).
هناك مراقبة وتحدي ومجازفة خارج نطاق المألوف، وحرية في التفكير على كل المستويات. تعلمت الكثير ومازالت أتعلم. تعلمت كيفية وضع استراتيجية لتقديم مشروع وكيفية وضع منهج وأسلوب في مشروعي وتحديد وقت منظم للتمارين وبرمجة كل العروض المسرحية خلال السنة او السنوات المقبلة. كل هذا نتيجة الاحتكاك والحوار والاستماع الى ثقافة الاخر والانفتاح على العالم ومشاهدة عروض مسرحية وزيارة متاحف عالمية ومشاهدة اوبرا ومتابعة سينما وسماع أغان، “أنا من اگولن اه واذكر أيامي روحي ترف وتغيب” واستحضار ذكريات المدينة، الأصدقاء، كل هذه الاشياء تخلق إيقاعاً متغيراً، صورة متغيرة، جسداً متغيراً، فضاءً متغيراً أيضاً، ولغة متغيرة.
“ارواح عراقية”، هل كانت عراقية ام تأثرا باوروبا؟
كل اعمالي المسرحية فيها نفس وروح ولون عراقي، لكن منظومة الاشتغال وفكرة العمل عالمية وليست محلية. هذا هو الفرق بين ان تقدم عملا فنيا ينتمي فقط لفئة معينة او لمجتمع معين، وبين ان تقدم عملا فنيا ينتمي الى كل العصور والأزمان، على سبيل المثال “أرواح عراقية” عمل بسيط يتحدث عن يوم قبل الحرب ويوم في الحرب ويوم بعد الحرب، قدمت العمل بصورة سريالية لا تنتمي الى الواقع وحاولت السخرية من الحرب بعيدا عن الدم والقتل والبكائيات والانتقال من زمن الى زمن اخر في العرض عن طريق البساط السحري. كل هذه الرؤية نتيجة الواقع. أنا انتمي الى ذاكرتي، الى بيئتي، وأحاول الهرب من واقع الى واقع اخر دائما ابحث في أعمالي المسرحية بين الحقيقة والخيال، الحقيقة اقصد بها ذاكرتي والخيال اقصد به كيفية صناعة الجمال من كل هذا الخراب، هذا أسلوبي الذي انتمي اليه.
هل انت من مجموعة اخرج وامثل مثلما يفعل البعض عندنا؟
لا ارغب في التمثيل في عروضي المسرحية الا لضرورة ما، ارغب ان اكون “كمبارس” في عروضي المسرحية او تقني حاضر على المسرح لاني احاول رسم الصورة وتكوينها بنفسي، لان هناك قياسات وأبعاد في تشكيل الصورة فقط المخرج ينتمي اليها. الممثل احيانا هو البطل في تشكيل الصورة.
ما الذي يعنيه لك راسم الجميلي؟
راسم والدي، بالنسبة لي بغداد القديمة، تعلمت منه الحب. علاقتي بوالدي كعلاقة “هملت” بأبيه، كالطيف احلم به باستمرا. ترك اثراً كبيراً عند رحيله، لكن لم يمت في داخلي.عند وفاته في سوريا كنت أنا في بلجيكا، لم أستطع الحضور بسبب ظروف خاصة، شاهدت مراسيم دفنه في التلفاز على القنوات العراقية، المسافة بيني وبينه كانت خمسة سينتمرات، جلست أمام التلفاز كطفل كأنه اول مرة في حياته يشاهد التلفاز، شعرت كأني بروح من دون جسد، وجسدي بدأ يصرخ كآلة موسيقية خربة، لم يكن الوداع تقليدياً، كأنه حلم، احتضنت التلفاز كطفل يحتضن والديه عند الاشتياق. ذلك الموت في وطنٍ مجهول. أتذكر اخر لحظة كانت بيننا قبل ان اغادر بغداد، كان ابي نائم، استيقظ من نومه، ووضعني على صدرهِ. قال لي ستذهب الى المانيا، بدأ يضحك وقال لي سلامي الحار الى “بريشت” ليس هناك كلمات، فقط بكاء وصمت لم أكن اعرف هذه اخر لحظه بيننا، ذاكرتي حينها أصبحت كشريط سينمائي قديم، بعد موته أضعت البيت الذي ولدت فيه، بعد موته أضعت مدينتي القديمة التي عشت فيها بعد، موته أضعت طفولتي، لحظاتنا الجميلة. والدي ذاكرة تسكن مخيلتي.
ما الذي تفعله الآن؟
الان أنا مخرج في اهم مؤسسة خاصه بالمسرح في بلجيكا، يوجد في هذه المؤسسة خمسة مخرجين بلجيك، وانا فقط مخرج من الشرق الأوسط، كل مخرج له أسلوب خاص في العمل وهذا احد الأسباب في اختياري. في كل سنة لدي عمل، قدمت روميو وجوليت وسيمفونية هاملت. الان أقوم بتحضير مشروع مسرحية (عطيل) يقدم في سنة 2015 ومشروع اخر (ثوره الجسد) سيعرض في شهر نوفمبر ومشروع اخر (ستارة مغلقة) يعرض في نهاية الشهر التاسع ومشروع للأطفال (جني) يعرض في منتصف الشهر التاسع عرضت فيه اكثر من 23 دمية تم صنعها للعرض، وايضاً عرض مسرحية (انتظار) الذي ستعرض في برطانيا وإسبانيا في بدايه شهر العاشر. وعرض مشترك مع المخرجين في المسرح نفسه، لان هناك نظاما في المسرح، جميع المخرجين يقدمون عملا مشتركا كل سنة اسمه (العميان)، يعرض في بداية الشهر التاسع.
هل تنجز للشباب العراقيين أعمالا، طالما انت مقبول من المسرح البلجيكي؟
نعم هناك مجموعة من الشباب الرائعين اشتغلت معهم ودائماً في أعمالي تجد هناك ممثلين من جنسيات مختلفة لخلق عوالم جديدة لبنية العرض المسرحي. التعامل مع ممثلين من جنسيات مختلفة له إيقاع مختلف تماماً عن الممثل العراقي وهذا رائع ان تجد وتبحث عن إيقاعات مختلفة في تكوين العرض، أعدّه آمنا تلاقح ثقافات وتبادل خبرات بين الثقافات.
الانتقالة الى العالمية، هل جاء من عراقيتك ام من المكان؟
بالطبع جاء من الخلفية الثقافية التي امتلكتها من ذاكرتي، من البيئة التي عشت طوال حياتي بها، انه خزين من المأساة التي عشناها من سنوات الخراب الذي سيطر على ذاكرتنا، كل هذه الاشياء تساعد على الإلهام، لكن السؤال هو كيف نحاول أعادة بناء وتركيب هذه الذاكرة بصورة عالمية؟، هناك آلية في اختيار الموضوع وتقديمه، يجب ان يكون فيه عامل مشترك حتى يستطيع الجميع فك شفراته، لهذا السبب يصبح العمل عالميا، على سبيل المثال موضوعة الحرب عالمية في مسرحية أرواح عراقيه، ومسرحية روميو وجوليت موضوعة الحب عالمية، ومسرحية سمفونية هاملت موضوعة الشك والموت والقتل والبحث عن الحقيقة موضوعة عالمية، ومسرحية انتظار موضوعة ما معنى الانتظار موضوعة عالمية، لكن الرؤية تختلف في تقديم الموضوع، الإيقاع يختلف، اللون يختلف. ان تكون عالمياً يجب عليك ان تتعرف على ثقافات المجتمع وان تعيد صياغة ثقافتك الاصلية بصورة غير تقليدية او تراثية او حضارية، ان تنتمي الى الواقع وتخلق عالما خاصا بك.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة