الأخبار العاجلة

«ياسين يغني» في المركز الثقافي العراقي بلندن

لندن – ابتسام يوسف الطاهر:

قدم المخرج جمال أمين، في أمسية نظمت مؤخراً بلندن، فيلمه الوثائقي (ياسين يغني) عن الفنان ياسين عطية الذي عاد لوطنه العراق العام 2013 ليلتحق بمواكب الشهداء المقتولين غدراً بالسيارات المفخخة التي انتشرت في العراق كسلاح جبان لإيقاف الحياة في العراق.

جمال أمين في تقديمه للفيلم وسط حزمة من العواطف المشحونة بالحزن والدموع، ذكر: “ياسين عطية من الفنانين النادرين والشخصيات الفريدة.. ربطتني به علاقة حميمية وصداقة، فشكل فراقه صدمة ووجعاً حاولت التعبير عنه في هذا الفيلم الذي ركبت فيه اللقطات القليلة التي سجلتها للراحل مع شهادات لأصدقائه في المهجر”.

يبدأ الفيلم بمشهد لياسين عطية يغني أبوذية ومواويل وهو يرسم إحدى لوحاته، وبصوته الشجي الجميل أخذنا لعراق داخل حسن ومطربي الجنوب وأصواتهم المفعمة بالحزن وحب الحياة.

في مشهد آخر كان ياسين بمعطف أسود ثقيل في جو أوروبي بامتياز من برد وغيم وضباب. يتحدث عن الغربة التي لم يعد يطيقها ولا يحتملها..»أرى وجه أمي يناديني لأعود ما الذي أفعله هنا! كيف سأحتمل العيش بعيداً عن العراق». لنعرف في مداخلة الفنان يوسف الناصر الذي تعرف عليه عن طريق الفيسبوك: «كان يقول لي أنا مريض.. مريض بحبي وشوقي للعراق..لم أعد أطيق العيش بعيداً عنه».

فيؤكد جمال أمين الذي كان رفيقه في الزمان والمكان:»رافقته حين أصر أن يلغي جواز سفره الدنماركي وطلب منهم أن يجعلوا الاقامة على جواز سفره العراقي»، وعاد إلى العراق ليحتضن ترابه وهو في ربيع العمر..

في مشهد المقهى الذي بدا بين ياسين ورفيقه في السجن جلال علوان.. نجح المخرج بتوليفة ذكية في أن يجعله كما لو انه حوار بين الرفيقين في استعادة ذكرياتهم هناك. تحدث ياسين عن تجربته في السجن الذي زج في متاهاته العام 1985وهو صغير بلا سبب سوى محاولته للهروب من جحيم تلك الحروب البعثية. ودفع آلاف الدولارات لتهريبه عن طريق الشمال.. وإذا بالمهرب ينزع القناع عن وجهه ليكتشف انه أحد ضباط جيش صدام الذين دربهم على السرقة والرشوة والغدر.. فيسرق الأموال ويلقي القبض عليه بتهمة الشيوعية ومحاولته الالتحاق بالأنصار! «تعرفت على الشيوعيين في السجن.. كانوا رائعين ويتمتعون بطيبة نادرة تفهموا حالتي واحتضنوني بل وساعدوني على الرسم والتخطيط في السجن.. سجنت سنة وثلاثة أشهر كلها تحقيق وتعذيب عن جريمة اختلقها الضابط حيث كان كل منهم يبتدع أرخص الوسائل وأبشعها للمكسب المادي ولكسب رضا القائد!.. كنا نمد السجانين بالسجائر ليوفروا لنا أوراقاً وأقلاماً..أبو غريب عالم كامل فيه جميع أطياف الشعب العراقي.. في السجن الانفرادي الذي بقيت فيه لما يقارب الشهر.. تطلعت لسجين انفرادي آخر، وهالني منظر التعذيب وقد قلعت أظافره..فكبر السؤال مع صرختي لماذا؟ هل قدنا انقلاباً على صدام لنستحق كل هذا التعذيب!!؟».

كان يتحدث عن تلك المرحلة ضاحكاً «لن أنساها». يسرد الذكريات بطلاقة ولم يستعمل أي تعبير حسي أو كلام يوحي بالغضب أو الحقد ليصور عذاباته.

تخلل الفيلم لقطات قصيرة لفنانين تحدثوا عن معرفتهم بياسين عطية، منهم فيصل لعيبي الذي قال:»تعرفت عليه عن طريق الفيسبوك كان خلوقاً وخجولاً وفناناً مميزاً فقد رأيت صوراً لبعض أعماله».

ثم تحدث يوسف الناصر عن معرفته بياسين عطية عن طريق الفيسبوك أيضاً ومراسلاتهم «بالرغم من صغر سنه، كنت سعيداً بتقييمه لعملي ورسمي لاسيما الأبيض والأسود.. لوحاته فيها طلاقة وحرية طفولية بكم الألوان الزاهية.. كان يقول لي «أنا أرسم أفكاري وآلامي أحياناً»..

اختتم الأمسية الفنان جلال علوان بالقول:»تعرفت عليه في سجن أمن بغداد.. كان أكثرنا نكراناً لذاته.. أحياناً نراه بلا قميص لأنه بكل بساطة أعطى قميصه لمن يحتاجه أكثر». لم يقدر علوان التغلب على دموعه لكنه وسط تصفيق الحضور واصل حديثه عن الراحل.

نجح الفيلم بسبر أغوار شخصية الفنان الصوفي والوجودي، المغني والعازف والرسام بجميع ألوان الحياة. الشخصية التي ترجمت سنوات اعتقالها وضياع حياتها إلى إصرار على استكشاف الجمال في العوالم حولها حتى في ذكريات السجن! عن طريق الغناء والرسم والتأمل في الطبيعية، فجعل المخرج الخلفية في معظم مشاهد الفيلم وراءه لتدلل على روح الفنان كالطيور المحلقة والبحيرة والأرض الخالية التي تغطيها الثلوج.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة