الأخبار العاجلة

الضــوء الــذي يرســم سحــر الرقــص

عبد السادة جبار:
ما يثير الاستغراب في حياة المخرج الألماني فيم فيندرز، انه أراد أن يكون كاهناً؛ لأنه نشأ في بيت محافظ يدين أهله بالمسيحية الكاثوليكية، لكنه تراجع عن ذلك ورفض تلك الفكرة تحت تأثير موسيقى (الروك أند رول) التي استهوته. ثم أصبحت الموسيقى وسيلةً مهمة تميزت بها أفلامه مثل (قصة لشبونة) و(نادي بوينا فيستا الاجتماعي)، و(حدث الكثير)، و(الروك بلهجة كولن)، إذ لعبت الموسيقى الدور الرئيس فيها. رحل إلى باريس وتقدّم للدراسة في المعهد الفرنسي للدراسات السينمائية، ولأن أوراق اعتماده طالباً بالمعهد قد رُفضت، فقد استغل الفرصة ليعمل رسّاماً تخطيطياً في معرض الفنان الألماني (جوني فريدلاندر) في مونت بارناسي. إلا انه، كان يذهب إلى المعهد الفرنسي للسينما في باريس، ولولعه بالفن السابع كان يُشاهد خمسة أفلام في اليوم الواحد. حيث شاهد في عام تقريباً نحو 1000 فيلم. استغرق فيندرز لفترة من الزمن في التأمّل وتدبير أموره، لكن دعوة من المُخرج الأميركي (فرانسيس فورد كوبلا) أسعفته ليسافر إلى الولايات المتحدة الأميركية عام 1977، ليخرج فيلماً لصالح شركة الإنتاج السينمائي التي أسسها كوبولا، ثم ظهرت مواهبه ليقدم أفلاماً عديدة؛ حتى ظهر فيلمه (باريس – تكساس) في العام 1984، ليحصل في العام نفسه على جائزة السعفة الذهبية في مهرجان كان، ثم قدم العام 1991 فيلم (حتى نهاية العالم) وهو فيلم خيال علمي، ثم أفلامه: في القريب العاجل (1993)، وقصة لشبونة (1994)، وفندق المليون دولار (2000). في العام 2008، دخل فيندرز بفيلم (Palermo Shooting) وللمرة التاسعة في مسابقة مهرجان (كان)، إلا أن الفيلم خرج من المهرجان بلا جائزة، وكان الفيلم الاستعراضي (بينا)، هو أول أفلام فندرز بتقنية 3D ، إذ رُشّح لنيل جائزة الأوسكار العام 2012 كأفضل فيلمٍ وثائقيّ. في شباط من العام 2011، حصل الفيلم على موقع الصدارة ولم يكن له مُنافس في برنامج الأفلام المُتقدمة في المُسابقة. في العام نفسه، حصل فيلم (بينا) على جائزة الفيلم الألماني كأفضل فيلم وثائقيّ، في حين رُشّح فندرس لنيل جائزة أفضل مُخرج.

أجنحة الرقص
فيم فندرز صرح لأكثر من مرة لمواطنته الراقصة الساحرة «بينا باوش « كلما كان يصادفها قبل رحيلها إنّه «ما زال عاجزاً عن فكّ شيفرة رسومها الكيروغرافية»، وبينا باوش قد رحلت العام 2009 بعد أن أسست تجربة للرقص سلبت بها لب المعاصرين لهذا النوع المميز من الفن، كان فندرز رائد التعبيرية السينمائية يطمح لتحقيق حلمة بتصوير فيلم عن بينا، لكنه كان يخشى الفشل من اكتشاف المعادل الحقيقي لحركات تلك التصاميم المذهلة لهذا الرقص، «بينا» كانت تعمل تحت رعاية المصمم الألماني المبدع كورت غوس، وقد درست في نيويورك، وعملت مع مصممين كبار مثل؛ انطوني ثيودور وخوزيه ليموت، ورقصت مع فرقة مارثا غراهام للرقص، ثم امتلكت خبرة وإبداعاً مكنها من أن تقوم بنفسها بتصميم العديد من الرقصات على مسرح متروبوليتان، وتميزت بمزجها للأجواء الحالمة والصور الشعرية ولغة الحركة والجسد لتنقل المشاعر الإنسانية عبر حركات الجسد نفسه، والتعبيرات التي تصممها بكل ما فيها من إحساس متنوع بين خوف ورغبة وأمل وقلق وحب، والأمر يصبح غاية في الصعوبة حين تتحرك الكاميرا لترافق حركة الجسد. ولهذا كان متردداً إلا أن اطلاعه على تقنية (3D ) عام 2007 بعثت فيه الأمل للتجسيد وبدأ العمل، ولكن عندما خطف الموت بينا باوش العام 2009، أقلع فندرز عن الفكرة وكاد أن يطوي صفحات هذا الفيلم، إلا أنّ رفاق بينا، أصرّوا على إنجاز الشريط كنوع من رد الفضل إلى مبدعة علمتهم كيف يبدعون من دون أن ينطقوا بكلمة واحدة، علمتهم كيف يكونون مؤثرين بسحر الجسد الذي طوعته هذه الجنيّة الساحرة.

تجاوز حدود المسرح
سر اهتمام فندرز ببينا باوش هو ليس فقط قدرتها على الرقص أو التصميم فتلك تقنيات يمكن أن تجدها عند عدد من الراقصين، لكن ماكان يسحره هو نظرتها إلى الحياة والعالم من خلال تلك الحركات الساحرة، تظهر بينا بلقطات منفردة اختارها فندرز بعناية، وهي تلوح على خشبة المسرح منطلقة بعيداً، حيث تفتتح بموسيقى «سترافينسكي»، وتظهر لقطات مختلفة أيضاً لراقصين يرقصون كنمط اختاروه ليكون هواية وحياة، بسبب شغفهم الكبير بلغة الجسد، التي تعبر مع أنغام الموسيقى عن الرغبة، وكل ما تعنيه المشاعر التي تنتابهم ليرسموا لوحة حية من الجمال والرشاقة من دون كلمات، يفتتح فندرز فيلمه في عرض مسرحي مع «تطويب الربيع»، ثم ينتقل إلى عملها الشهير «مقهى مولر». وينتهي الفيلم في مساحة تشبه المقبرة، حيث للرمزيّة مكان واضح وخاص. إحدى الراقصات تتسلم الرفش وتعمل على دفن أو طمّ زميلتها التي تبقى تتحرّك برغم عمليّة الطمّ. دقائق معدودة بعدها، نرى في ساحة خارجيّة، امرأة تتمشى بردائها الأحمر، وقد نبتت شجرة في جسمها. تمكن فندرز من مزج تلك الرقصات مع إشارات بينا وكأنه يعيد الحياة لتلك الراقصة المذهلة، وحتى يكون الراقصون أقرب للمشاهد، استعمل كاميرتين الأولى تمثل العين اليمنى والثانية اليسرى، حيث وضع بينهما نصف مرآة شفافة، تتيح تقصير المسافة بين الكاميرتين، وهذا ما يطابق المسافة بين العينين، وأسهم في الفيلم الراقصون البارزون زملاء بينا الحقيقيون، أمثال دومينيك ميرسي، وجولي شاناهان، ونزاريث باناديرو، وغيرهم، لا يرتكز نجاح فندرز بالأساس على سيناريو تعوّدنا أن يتحفنا به، لكنّه يقوم في الدرجة الأولى على جعل رفاق درب بينا باوش مشاركين حقيقيين في إنجاز الفيلم، أكثر من كونهم مجرّد ممثلين، ثم يخرج بهم من رحبة المسرح للخارج في الحدائق وعلى الشارع والأرصفة والساحات ليكسر حدود ذلك الحجم الصغير للمسرح الذي يعتقده كعلبة صغيرة لاينبغي للراقص أن يسجن بين قضبانها. نظرة فندرز للوثائقية مختلفة، فهو لا يشترط فيها أن تستسلم لوثيقة المكان ذاته أو الزمان أو الشكل، بل في أن تكون في إحساس المكان نفسه لتجسيد إنسانيته فهو يقول:» أعتقد بأنه من المهم، وبالأخص، في عالم الفيلم الوثائقي انك تستطيع أن تأخذ جمهورك إلى أماكن في هذا الكوكب، فلا يتوجب عليك أن تذهب إلى كوكب أجنبي. تستطيع أن تغمرهم في عالمهم الخاص بطريقة مختلفة تماماً».

* PINA سيناريو واخراج : المخرج الالماني فيم فندرز

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة