حفل زفاف السيرجنت برايدجون*

محسن الخفاجي

قال سجين له هيأة سنجاب في مجاعة:
– هذه الليلة سنقيم حفلة زفاف كبيرة للسيرجنت برايدجون وما عليه إلا أن ينتصب مثل ديك وينشر ريشه كما يفعل في كل مرة.
– ربما يراك أحدهم ويشي بك و يأخذونك إلى المحجر.
– لن يراني أحد. سأغطي وجهي فلا تظهر ملامحي. هو الذي أراد ذلك، وأجبرنا على أن نقيم له هذا الزفاف1. هذا المغرور سيذكر هذه الحفلة طيلة حياته.
– أهو زفاف مخطط له؟
– لا. انه مجرد زفاف قصير سيعذرنا من يرانا في هذا المكان، ونحن نمسك بالنعال والأحذية. لقد شبعنا ديمقراطية وشفافية من الأسلاك الشائكة.

لم يكن السجين مفتول العضلات بل هو ضئيل في المواجهة مع برايدجون الطويل القامة الذي له جسم ملاكم عنيد لا تطيح به لكمة قوية. انه لم يكن إلا شاباً نحيفاً أقرب إلى قزم على وشك أن يؤدي نمرته في عرض سيرك.

لم تكن الخيمة المواجهة للمخيم خالية. كان هناك ثلاثة يجلسون على أرائك تطوى مصنوعة من شرائط برتقالية ونجوم زرقاء على خلفية بيضاء ويـأكلون من علب بيضاء اللون دجاجاً مشوياً وعصيدة ذرة وهم يصغون إلى أغاني الراب التي تذكرهم بوطنهم.

قال السيرجنت برايدجون وهو زنجي ضخم الجثة يشد على ركبتيه جرابين لمسدسين:
– غداً عيد الاستقلال وتحول التحرير هنا إلى حرب طويلة مع الإرهابيين.!
– سنقضي على الإرهاب أولاً وسنبني الديمقراطية.
قال جندي له وجه فتاة مراهقة:
– إذن ستطول المهمة.
علق جندي آخر:
– حين كنا في البوسنة كنا نفكر على هذا النحو. نحن بحاجة إلى صبر أكثر. سنفقد أرواحاً كثيرة وسننزف كثيراً من الدم.
قالت مجندة ساهمة لها طلعة قطة بيضاء ذات زغب:
– الفيلسوفة سونتاج3 عرضت مسرحية (في انتظار جودو) في البوسنة.
قال جندي صغير القامة:
– الفيلسوفة كيلر6 تصف النساء في الحرب كضحايا. هل هذا معقول؟
وعلق آخر:
– وهذه الهجمات بالعبوات الناسفة والآر بي جي سفن هل تميز بين الذكر والأنثى، بين الأميركيين والمتعاقدين من الأجانب.
ثم قال السيرجنت برايدجون:
– سننتهي في يوم ما قريب من هذه الحرب التافهة. ما تزال الحكومة ضعيفة وينتظرها وقت طويل لتقف على قدميها. ألم يكن الحال هكذا مع الصرب؟
اختلطت الأصوات:
– تلك الأيام مضحكة.
– إنها فكرة خيالية. اللعبة هربت من أيدينا. ليست القوة هي الحل الوحيد.
قال السيرجنت برايدجون:
– تحدثوا عن حالنا هنا. أنا تركت البحيرات الصافية في أوريغون وجئت إلى بلد العقارب والأفاعي.
قال جندي من أصل اسباني طموح في الحصول على الجنسية:
– نخشى أن يقوم السجناء بشغب مفاجئ ولا نستطيع السيطرة عليهم.
علقت المجندة:
– علمت إن كل مخيم سينقسم إلى أربعة أجزاء أفعى، دلتا.. وهكذا.
قال الشاب الصغير:
– الموت لديهم هين. لدينا ما يمنعنا من الموت بهذا الشكل المضحك. أعدادنا هنا لا تناسب أعداد السجناء المحتجزين.
– لهذا يجري التقليل من أعدادهم وإطلاق سراح الأبرياء منهم.
– سنرسل قسما منهم إلى أبي غريب وبروكر وسوسه وسنقوم بتقسيم كل مخيم إلى أربعة أماكن احتجاز صغيرة وسنراقب هؤلاء الذين يستعملون الدين كغطاء للانتقام منا. سنبني قلاعاً من الأسلاك الشائكة.
– الباكستانيون يفعلون ذلك بسهولة.
قال السيرجنت بعد تفكير طويل بصوت عميق أجش:
– أنا أراقب المخيم الذي بعهدتي وأنا كمسيحي بروتستانتي محافظ لم أرتكب خطيئة من الخطايا السبع. من يصفعني على خدي الأيمن أدير له فوهة مسدسي في هذه الحرب اللعينة.
وأجاب آخر موضحاً محنته:
– هؤلاء السجناء لا يعرفون لغتنا وليس بإمكاني العثور على مترجم منهم يساعدني في ترويض هؤلاء الأشرار الأغبياء المتخلفين، ولولا مجلات التسلية والفضائح لقتلني السأم.

بعد لحظات غادر الجنود الضيوف خيمة المراقب حين اقترب موعد صلاة الظهر. تجمع المصلون في الساحة الخلفية للمخيم كأنهم في حالة شغب أو تمرد لا يمكن السيطرة عليه، وفي أيديهم سجاد الصلاة المطوي كأنهم شفرات وسكاكين في تلافيفها منتظرين ساعة الصفر.

دخل برايدجون المخيم كالعادة ووقف قرب المصلين يراقب خطبة الإمام. المسدسان ينامان على فخذيه ويمتدان إلى تحت ركبتيه هما المتأهبان لتحدي أي شيء حي. لا أحد يقوى على تحديه ومنازلته. هو السلطان هنا ولا يشاركه أحد.

وقف برايدجون خلف أرتال المصلين يستمع إلى خطبة الإمام التي لا يفقه منها شيئاً، وتظاهر بأنه سيمنع أي تجاوز على سلطته، أو دعوة للشغب وسيفرق الجموع بقوة المسدسين النائمين على فخذيه والقنابل المسيلة للدموع التي ستطلق من الأبراج والرصاص الحي أيضاً.

انتهى المقرئ من دعواته بالخلاص من السجن وفك أسر المصلين المحتشدين بحثاً عن خلاص ما. ركع المصلون عدة مرات ونهضوا وكان دعاء أي منهم أن يشفع لهم الرب ويخلصهم من هذه المحنة كما أخرج نبيه يونس من بطن الحوت. واستعدوا للعودة إلى خيمهم واقترب قسم منهم في طريق عودتهم من السيرجنت برايدجون وأخذوا يتأملون كما لو كان طريدة تطاردها العيون.

كان أحدهم ملثماً فلم يتبين السيرجنت برايدجون أية علامات فارقة له وفي هذه الأثناء رفع الملثم نعلاً بيده اليمنى في مستوى رأس السيرجنت برايدجون وهوى به على رأسه في مكان خده الأيمن بأقصى ما استطاعت يده الشابة أن تمرر النعل في الهواء كسلاح. بعد ذلك توالت حزمة من النعال على كل جسمه وكاد يتهاوى على الرمل لكنه تمالك نفسه وأراد أن يطلق النار دفاعاً عن النفس لكنه تراجع عن الفكرة خوفاً من محاكمة بانتهاك حقوق السجين بحسب اتفاقيتي جنيف الأولى والثانية4 وبالتالي ستحتجزه محكمة عسكرية تجرده من رتبته وتعصف بكيانه إلى البطالة الدائمة بتهمة اهانة شرف الجندية، وأراد أن يركض فلم تسعفه قواه فزحف وهو يشهر مسدسه باتجاه البوابة التي صارت بعيدة جداً في هذا الوقت لكنه استطاع أن يصل ووجد الجنود الذين ودعوه قد عادوا لمساعدته ففتحوا البوابة ومددوه على فراش وثير ليستريح. كان وجهه قد امتلأ بخدوش متفرقة وقد تخثرت بعض الدماء على بشرته السوداء. صار كسجين أسود لدى عصابة كوكلس كلان على نهر المسيسيبي، ثم غرق في غيبوبة ألم كأنه ينتظر أن تبدأ أيدي عديدة بإشعال حزمة قش حول جسمه.

حين استفاق وجد نفسه في مستشفى المخيم، وقد أحاط به أطباء وممرضون ومحققون بحثاً عن إشارة قد تكون نافعة في الوصول للجاني.

مرت ساعات عصيبة تنذر بخطر محدق. جاء جنود بخوذات ودروع وطوقوا المخيم ثم اقتادوا المحتجزين إلى منطقة الحجز والتعداد اليومي وجيء ببرايدجون للتعرف على الجاني أو الجناة لكنه لم يستطع وحدث شغب هائل للسجناء الذين أوقفوا مهزلة البحث عن الجناة وأقدامهم وتفرق الجميع لكن الشغب عاد بقوة وطالب السجناء بإسقاط برايدجون الديكتاتوري لو كان رئيس حكومة فاسدة أو الإضراب عن الطعام لمخالفته اتفاقيتي جنيف واضطهاد للمصلين والتدخل في الطقوس الدينية والشعائر للسجناء.

جرت الأمور بعد ذلك بسرعة هائلة. أقصي برايدجون من منصبه بتهمة التراخي وجيء بحارسين شديدين وانتهى الأمر إلى أسوأ ما كان متوقعاً وعوقب كل السجناء بحرمان من تدخين السجائر وشرب الشاي لشهر كامل وإلغاء الزيارات العائلية لشهرين. لكن السجناء قاوموا ذلك بإخراج قناني الشاي التي دفنوها في الرمال وكذلك علب السجائر الماليزية والمكسيكية علامة مونتانا واحتفلوا كملوك متوجين يحتسون جرعات الشاي ويدخنون السجائر. حدث ذلك في الرابع من تموز.

لم نر برايدجون منذ ذلك اليوم. وقال سجين عاد من المستشفى انه رآه وقد غرق في الكحول وهده السكر في حفلة يوم الرابع من تموز ولكن على الأرجح انه نقل بعدها إلى خطوط القتال.

كانت ظهيرة زفاف غريبة افلت فيها برايدجون من قفص الزواج العجيب ومن قبر مهمل في مقبرة ارلنغتون5 حيث يرفع العلم ذي النجمات والشرائط2 وتصدح الأبواق وتطلق رصاصات احتفاء في الهواء.

قال برايدجون لنفسه:
يبدو إنني لن أموت في هذه الحرب اللعينة.

الهوامش:
1- الزفاف: استعارة لعملية اهانة بالضرب بالأحذية.
2- العلم ذو النجوم والشرائط: علم الولايات المتحدة.
3- سوزان سونتاج (1939- 2004): كاتبة أميركية وروائية. من كتبها (ضد التأويل) ومن رواياتها (العاشق البركاني). شغلت العام 2004 رئاسة منظمة (بين) الأدبية الثقافية.
4- اتفاقيتا جنيف الأولى والثانية عام 1949 لحماية الأسرى من الأطراف المتصارعة.
5- مقبرة ارلنغتون: مقبرة قتلى الحرب للأميركيين في ولاية واشنطن العاصمة من قتلى الحرب على العراق وتضم ما يزيد على 4300 قتيل ولا تضم القتلى من المرتزقة.
6- الفيلسوفة (كيلر) عارضت في كتبها مشاركة المجندات في الحرب وتركيز الإعلام عليهن كإناث.

*من بين نصوص القاص والروائي الراحل محسن الخفاجي الذي رحل عن عالمنا السبت الماضي.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة