ذباب وشحاذون

صديق لي دعاني لمكان عام ، اعتذرت لانني اخشى الاماكن العامة لما فيها من امزجة وفلتان، لكنه اصر على هذه الدعوة بوصفها لن تاخذ اكثر من دقائق عشر، لاخيار لي امام الصحبة سوى الرضوخ والشكر، دخلنا محلا لشرب العصائر، تطلعت الى اثاث المحل واكسسواراته فوجدت العجب العجاب، حتى انني فكرت لوهلة ان صاحب المحل صرف دم قلبه ليصل الى تحطيم رقم من ارقام موسوعة غنيس للالوان والبهرجة، لكن يبدو حتى مع هذا الصرف الباذخ هناك علة في توزيع واختيار الالوان اولا، وثانيا لم يأخذ حذره جيدا من مشكلة (الذبان) ونحن على ابواب الشتاء، انه ذباب يرفض المغادرة حتى مع اعتى انواع التكنلوجيا في المكافحة، انه ذباب مستورد خصيصا من مزابل العتاكة والتي يبدو لامفر في التخلص منها، انهم يواصلون اعمالهم بنجاح ساحق (وعلى عينج ياحكومة)، وما الصغار الذين تراهم يجدون منذ الفجر الادهم وعلى ظهورهم اكياس يضعون فيها ماتلفظه مزابل بغداد من علب معدنية وقطع زجاج وبلاستك محطم لاعادة نشاطه وووالخ.. الا دليل قاطع على تهاون الحكومة، الامانة بالذات من جهة ونشاط تجار عتاكة الخردة من جهة ثانية.
ليس العتاكة موضوعي الاساس، بل شيء يشبه الى ذلك، تلك الدقائق العشر والتي قضيتها مع صديقي في محل العصائر كانت كافية لان اصرخ باعلى صوتي جزعا وافقد اعصابي وسط ذهول الزبائن الذين كانوا يتلذذون باقداحهم الملونة، الدقائق العشر هذه دخل فيها مايقارب من عشرين شحاذا ومكديا، ولكل واحد منهم طريقته في عرض حاجته الى المال، منهم من يتلوى واخر يبكي، واخرى لاترى منها سوى كف ممدودة، ورابعة تسحل خلفها طفلا على اوسخ مايرام، لذلك تجد ان بعض الناس يضطرون لمد ايديهم الى جيوبهم في محاولة للتخلص من هذه المناظر المؤذية واخراج ماتجود عواطفهم لمساعدة هؤولاء الذين (ياكل بيهم السبع عشرطعش شهر).
لقد اتخذ البعض هذه المهنة لسهولتها اولا وثانيا لفقدان ماء الوجه، اذكر ان والدي رحمه الله قص عليّ حكاية رجل قضى حياته في تنظيف الحمامات، وكان من عادته ان يكلم نفسه كثيرا، يبدو انه في احد الايام شعر بالتعب من مهنته هذه فصرخ باعلى صوته (تسكتين لو اوديج للاتعس)؟ صاحب البيت سمع صراخ المنظف، اقترب منه وسأله: هل توجد اتعس من هذه المهنة؟
اجابه بنعم، قال له ماهي؟ اجابه، ان امد يدي الى الناس مستجديا، هل احدثكم عن مهنة اخرى استحدثت؟ هؤلاء الاطفال الذين يحملون اباريق في ايديهم مملوءة بالماء والصابون وعند الاشارات الضوئية، يرغمونك على تنظيف زجاج سيارتك حتى وان كانت تلمع، وان رفضت عبثوا بها، عندها يشتعل الضوء الاخضر ان وجد، وان لا فشرطي المرور سيرفع يده بمواصلة السير، لا مناص في هذه الحالة من (الدردمة) ورفع راسك الى السماء، اللهم فاشهد..
مقداد عبدالرضا

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة