عالـم جديـد خَطِــر

خافير سولانا *

إن التحولات العالمية ليست بالشيء الجديد. ولكن في ظل العولمة والتقدم التكنولوجي، تسارعت وتيرة هذه التحولات وتعاظم حجمها إلى حد كبير. وفي العقود المقبلة، سوف يشتد هذا الميل ــ حاملاً معه قدراً هائلاً من احتمالات عدم الاستقرار.
أكثر من عشرين سنة مرت منذ غزو العراق للكويت في عهد صدّام حسين، والذي استحث حالة من شبه الإجماع على تبني قرارات مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة والتي قضت بانسحاب القوات العراقية. وعندما تحدى صدّام هذه القرارات، قام تحالف مكون من 34 دولة بدعم الهجوم الجوي الذي قادته أميركا، والذي عُرِف باسم عملية عاصفة الصحراء، لطرد قواته من الكويت.
كان هذا في عام 1991، عندما تحولت الولايات المتحدة بفضل انهيار الاتحاد السوفييتي إلى القوة العظمى الوحيدة في العالم. ولكن الحال تبدلت منذ ذلك الحين ــ وهو الواقع الذي ينعكس في استجابات المجتمع الدولية المشوشة المرتبكة لانتهاكات مماثلة للأراضي اليوم.
ولنتأمل هنا غزو روسيا لشبه جزيرة القرم وضمها إليها في وقت سابق من هذا العام. فfرغم أن ذلك التحرك انتهك بوضوح سلامة أراضي أوكرانيا، صوتت 11 دولة ضد قرار الأمم المتحدة بإدانة هذا العمل، وامتنعت 58 دولة ــ بما في ذلك كل القوى غير الغربية ــ عن التصويت. ومن الواضح أن توازن القوى العالمية قد تغير.
في السياسة الدولية، تشكل التصورات أهمية واضحة ــ حتى أنها قد تكون في بعض الأحيان أكثر أهمية من الواقع. والتصور السائد اليوم هو أن لحظة أميركا الأحادية القطبية بلغت منتهاها؛ وأن أوروبا في انحدار؛ وأن مجموعة جديدة من القوى آخذة في الصعود والارتفاع، حاملة معها وجهات نظرها الفريدة للشؤون العالمية.
وقد يبدو هذا تطوراً محموداً من بعض الجوانب. ذلك أن تنوع وجهات النظر من الممكن أن يثري العمليات المتعددة الأطراف ويولد المزيد من الحلول الشاملة للمشكلات العالمية.
ولكن هذه الديناميكية المتعددة الأقطاب تعمل أيضاً على توليد عدم الاستقرار. وبرغم أن العالم أصبح مترابطاً على نحو متزايد، ولم تعد التحديات محصورة داخل حدود وطنية أو حتى إقليمية، فإن القوى الكبرى أصحبت عازفة على نحو متزايد عن تحمل مسؤوليات عالمية. والأسوأ من هذا أن الانزلاق إلى الطرق المسدودة ــ بل وحتى الصدامات ــ بات أكثر احتمالا، نظراً لإحجام كل من القوى الكبرى بنحو متكرر عن استيعاب مصالح القوى الأخرى.
ومن الممكن أن تلعب المؤسسات المتعددة الأطراف القوية والفعّالة والشاملة دوراً بالغ الأهمية في مكافحة عدم الاستقرار وتعزيز التعاون. ولكن حتى أفضل الهياكل تصميماً قد يحقق أقل القليل في غياب الإرادة السياسية لحل الصراعات من خلال الحوار. ومن أجل إحراز تقدم على هذا المسار، فيتعين على البلدان أن تتعلم كيف تدافع عن مبادئها في حين تحترم مبادئ الآخرين ــ وكيف لا تغفل أبداً عن المصالح والأهداف المشتركة.
في غياب هذا النهج الموحد يتلاشى الاستقرار الجيوسياسي. على سبيل المثال، كانت أوكرانيا دولة مستقلة ومندمجة بشكل كامل في النظام الدولي منذ عام 1991، وقد تخلت عن أسلحتها النووية في عام 1994 وترأست ثلاث دورات للجمعية العامة للأمم المتحدة. ولكن في فشلها في صياغة استجابة مناسبة للغزو الروسي، دفع المجتمع الدولي أوكرانيا نحو ماض مظلم. ونأمل أن ينجح بروتوكول مينسك الذي اختتم مؤخراً ــ والذي يضم 12 بنداً، بما في ذلك وقف إطلاق النار وبرنامج للتعافي الاقتصادي ــ في حل هذا الصراع.
لقد تعرض الاستقرار الدولي لضرر كبير في كل الأحوال ــ وفي الأفق تلوح المزيد من التطورات العديدة المحتملة المزعزعة للاستقرار. ففي العالم المتقدم، سوف تنتهي ولاية الرئيس الأميركي باراك أوباما قريبا. وتخضع السياسة الأوروبية أيضاً لتحول كبير محتمل، حيث تبدأ المفوضية الأوروبية الجديدة عملياتها على خلفية مقلقة من صعود النزعة القومية في البلدان الأعضاء بالاتحاد الأوروبي.
وهناك زعيمان سوف يستمران في السلطة في المستقبل المنظور، وهما الرئيس الروسي فلاديمير بوتن والرئيس الصيني شي جين بينج ــ وكل منهما تسبب بلده في إحداث حالة من عدم الاستقرار في المنطقة المحيطة به. فقبل أن تغزو روسيا أوكرانيا بمدة طويلة، كانت الصين منخرطة في نزاعات حدودية مع العديد من جيرانها، وخاصة في بحري الصين الشرقي والجنوبي.
وعلاوة على ذلك، تحاول روسيا والصين صد الهيمنة الغربية التقليدية في المؤسسات المتعددة الأطراف. وقد أنشأ البلدان ــ مع البرازيل والهند وجنوب أفريقيا (مجموعة البريكس) ــ بنك تنمية خاص بالمجموعة، وهو التحرك الذي كان مدفوعاً جزئياً بفشل صندوق النقد الدولي في الوفاء بتعهداته في عام 2010 بتعديل حقوق التصويت بحيث تعكس التوازن العالمي للقوى الاقتصادية. (عندما بُذِل ذلك التعهد في إطار قمة مجموعة العشرين في عام 2010، كانت حقوق التصويت التي تتمتع بها الصين تعادل الحقوق نفسها التي تتمتع بها بلجيكا).
الواقع أن حالة عدم اليقين التي تلف القوى العالمية العظمى الناشئة والتقليدية كانت سبباً في عرقلة الجهود الرامية إلى معالجة التحديات الأمنية في الشرق الأوسط، من الصراع الإسرائيلي الفلسطيني الدائم وتداعيات الربيع العربي إلى التهديد الجديد القوي الذي يشكله تنظيم الدولة الإسلامية. والواقع أن تنظيم الدولة الإسلامية لا يتألف من شبكة مجزأة من الخلايا الصغيرة نسبياً؛ بل هو كيان إقليمي يعمل كدولة زائفة على الأرض السورية والعراقية. ولا يبدو أن بقية العالم تعرف كيف توقف تقدمه الحثيث.
وقد سارعت الولايات المتحدة إلى تشكيل تحالف مربك مع ما يقرب من ثلاثين دولة، بما في ذلك عشر دول عربية. ويتبقى لنا أن نرى كيف سيتم تنظيم هذا التحالف وما هي النتائج التي قد يحققها.
وهنا يستطيع الاتحاد الأوروبي أن يقدم المساعدة. فعندما بدأت الولايات المتحدة تطبيق استراتيجية «القيادة من الخلف» المزعومة خلال التدخل في ليبيا في عام 2011، اضطرت الدول الأوروبية إلى تولي قدر أعظم من المسؤولية.
وبدلاً من النظر إلى هذا التدخل بعدّه حالة شاذة، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يدرك الحاجة إلى تعزيز دوره في الدفاع عن الأمن العالمي ــ وخاصة لدعم مصلحته الخاصة المتمثلة في استقرار وازدهار الدول المجاورة. وبهذا المعنى، فإن القرار الذي اتخذه الاتحاد الأوروبي بتأخير تنفيذ اتفاق الشراكة مع أوكرانيا من أجل خلق الحيز المطلوب لملاحقة هدف الإجماع مع روسيا كان بمنزلة مؤشر إيجابي.
في عالم متعدد الأقطاب، يتعين على القوى الفاعلة التي تحمل وجهات نظر عالمية متباينة إلى حد كبير أن تعمل بشكل تعاوني من أجل تحقيق مصلحتها المشتركة في الأمن والاستقرار والرخاء. والآن حان الوقت لكي تدرك كل قوى العالم مسؤوليتها عن تحويل حلم التعاون البنّاء إلى حقيقة.

* الممثل السامي للسياسة والأمن الأوروبي بين 1999 – 2009.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة