المخطوطة المصورة

ثمة حيف تاريخي كبير لحق بالمخطوطة العربية المصورة. وهو الأمر الذي حصل جراء تدمير المكتبات في القرون الوسطى التي ازدهرت خلالها الحضارة العربية الاسلامية. من أهم تلك المكتبات، تلك التي كانت في بغداد وقرطبة وطرابلس والقاهرة ودمشق. والتي ضمّت مئات الآلاف من تلك المخطوطات. الا انها لاقت مصيراً سيئاً تمثل غالباً بالحرق والتدمير، حيناً من قبل الصليبيين أو محاكم التفتيش في أوروبا، أو المغول، كما الحال في غزوات ومعارك تلك العصور. لاشك ان الأمر قد شكل خسارة تاريخية وحضارية فادحة بغياب نتاج جمالي، كان شديد الخصوصية والأصالة لجهة منجز الفن العربي الاسلامي. اذ باتت جراء ذلك أغلب الكتب والمخطوطات المصّورة مفقودة تماماً.
أطلق القاموس العربي على المخطوطة المصورة تسميات وتوصيفات عدة، فهي المنمنمة، والمزخرفة، والمرقشة، والمنقوشة، والموشاة، والمزينة، أي تلك الصورة الصغيرة المرسومة باليد داخل صفحات كتاب مخطوط.
ارتبط فن صناعة المخطوطة المصورة، بفن صناعة الكتاب، وهي الصناعة العربية بامتياز، والتي بدأت مع تجميع القرآن الكريم، ومنذ القرن الخامس الميلادي. لم تكن ثمة كتب قبل ذلك التاريخ تتألف من صفحات متقابلة، وانما مخطوطات على شكل ملفوف.
صناعة الكتاب كانت قد تطورت باطراد، خاصة مابعد منتصف القرن السابع الميلادي وفي عهد الخليفة العباسي هارون الرشيد. وبعد تعرّف بغداد على الورق الذي كان يأتي من الصين، وبات بديلاً عن الرق والبردي. وتطورت خلال ذلك طرز الخطوط وتصاوير المخطوطات والتجليد والتذهيب. حتى كان هناك حي يسمى بحي الوراقين بات أساسياً في خطط المدينة العربية الاسلامية.
يذكر أحد الباحثين « ان رسوم المخطوطات كفن المنمنمات يتوازى ليس فقط مع تطور هذه الحليات وصناعة الكتب وإنما أيضاً مع تطور أدوات الكتابة والنسخ وطرز الخط والأقلام، ففي أغلب الحالات نجد ان الخطاط هو نفسه الرسام».
تعددت منذ القرن الثامن المخطوطة المصورة الى تيارات واتجاهات ارتبطت بمكان وجودها، مثل مدرسة بغداد للتصوير، والمدرسة المغولية، ومدرسة هرات، وغيرها في مدن العالم الاسلامي. لكن يبقى نتاج مدرسة بغداد للتصوير هو الأقدم مما نعرفه من فن المخطوطة المصورة. خاصة، مقامات الحريري، للمصور محمود بن سعيد بن يحيى الواسطي في القرن الثالث عشر للميلاد، والتي كرست رؤية متكاملة من خلال تصويرها للتكامل القائم مابين الانسان ومجتمعه في القرون الوسطى.
حيث أظهرت حياة المجتمع البغدادي في اطار تشكيل وتصوير شديد الخصوصية، في تمثيلها لأساليب العمارة، والطبقات الاجتماعية، والأزياء بألوانها ونقوشها، الأثاث ولوازم العيش، ومشاهد زاخرة بالحياة، من مجالس الوعظ حتى أسرار الولادة وقوافل السفر. وعبر أشكال ذات طبيعة مبتكرة، محورة، ومتخيلة على وفق رؤية الفنان وتصوره لموضوعة المخطوطة أو حكاياها .
عدا عديد الآراء التي افترضت إن مدرسة بغداد للتصوير ومخطوطاتها المصورة جاءت بتأثير ثقافات وممارسات فنية وافدة. لكن ثمة رأي واحد متفق عليه، من أن فناني هذه المدرسة قد اكتسبوا تقاليد فنية موغلة في القدم، كانت قد تحدرت من خصائص المنجز الجمالي والحضاري لأرض مابين النهرين. المخطوطة المصورة ابتكار تاريخي عراقي بحق.
سعد القصاب

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة