البحث عن الذات وأزمة «داعش»

توماس ال فريدمان *

يبدو التوتر واضحا في قلب حملة الرئيس اوباما لمواجهة الدولة الاسلامية, الامر الذي يفسر الصعوبات و التعقيدات التي تواجهه اثناء محاولته تطبيق استراتيجيته بهذا الخصوص. ولو اردنا تبسيط الموضوع, فأن هذا التوتر يتوزع ما بين حالة الترويج لما تعرف بـ»البحث عن الذات» التي تسبب ظهور تنظيم داعش ببروزها في العالم العربي-الاسلامي من جهة, و بين البحث عن هذا التنظيم و تدميره في معاقله داخل سوريا و العراق من جهة اخرى.
لذلك, لابد لنا من الاعتياد على هذا التوتر الذي لن يتلاشى. ولابد لأوباما من الاستمرار بنهج قيادته من خلاله كذلك.
اما الاخبار الجيدة, فتتمثل في ان صعود تنظيم داعش تسبب في حالة اشبه بالبحث عن الذات, و ان كانت متأخرة ووحشية في صدقيتها, ما بين العرب و المسلمين بخصوص الكيفية التي امكن لمجموعة سنية متطرفة من القتلة المتبجحين ان تظهر فيما بينهم بهذا الشكل. و لننظر الى بعض الامثلة البسيطة التي تبدأ بعناوين مثل «البرابرة على ابوابنا» التي كتبها هشام ملحم في جريدة بوليتيكو حيث قال «بموجب قراراه استخدام القوة ضد متطرفي تنظيم داعش, فأن الرئيس اوباما يخطو من جديد, و ان كان على مضض شديد و مفهوم, نحو فوضى الحضارة بأكملها التي انهارت الان. ان الحضارة العربية كما نعرفها قد انتهت و حسب. و بات العالم العربي اليوم اكثر عنفا و انقساما و اقل استقرارا فضلا عن كونه مدفوعا بالتطرف, سواء تطرف الحكام او تطرف هؤلاء الذين يعارضونهم, و بطريقة لم نشهد لها مثيلا منذ انهيار الامبراطورية العثمانية قبل قرن من الزمان.»
ضمن ما كتبه ملحم في مقاله انه قال «لقد انهارت كل الامال المعقودة على التاريخ العربي المعاصر.» و اضاف كذلك «ان الوعود بالتقدم والمشاركة السياسية واستعادة الكرامة الانسانية التي ههل لها موسم الربيع العربي في ذروة ايامه الاول, انما لم يتمخض عنها سوى الحروب الاهلية والطائفية والعرقية ومعها الانقسامات الاقليمية مع اعادة تأكيد الاستبداد من العسكري والاصولي. و بعبارة اخرى, فأن جهاديي الدولة الاسلامية لم يظهروا من العدم وحسب. لقد قفز هؤلاء من صميم ذلك الفراغ و التفسخ الذي خلفه ذلك الانهيار الحضاري في المنطقة.»
اما المحلل السياسي السعودي تركي الحمد, فقد رد على دعوة العاهل السعودي الملك عبد لرجال الدين ان يواجهوا ايديولوجية داعش قائلا من خلال جريدة العرب اللندنية «كيف لهم ان يستطيعوا ذلك؟ وهم جميعا يعتنقون ذات الفكر المتشدد المناهض للتعددية و المنغمس بعمق بايديولوجية المذهب السني الوهابي المنتشر في المملكة السعودية, انطلاقا من الداخل و الى الخارج, وصولا الى المساجد التي يرعاها و يؤمها تنظيم داعش.»
و قد كتب الحمد قائلا «انهم عاجزون عن مواجهة عنف هذه الجماعات و معها التطرف و قطع الرؤوس, ليس بسبب كسلهم او مماطلتهم, بل بسبب انهم يشاركون هذه الجماعات المتطرفة الايديولوجية ذاتها.» و اضاف الحمد «كيف لهم ان يواجهوا ايديولوجية يحملونها بين جنباتهم و يؤمنون بها و يبشرون بها كذلك؟»
اما الكاتبة الشيعية اللبنانية حنين غدار, فقد كتبت في موقع لبنان الان الالكتروني تقول «كي نحارب تنظيم داعش و باقي الجماعات الاخرى, وكي نتمكن من منع صعود الحكام الاوتقراطيين, فأنه يتوجب علينا ان نتحمل المسؤولية عن الاخطاء الجماعية التي انتجها هؤلاء الطغاة المرعبون و المتطرفون الاشداء. ان وسائل اعلامنا و مناهج تعليمنا مسؤولة عن ذلك الوحش الذي ساعدنا نحن في خلقه, ولابد لنا من ان نعلم ابنائنا كيف يستفيدون من اخطائنا و يتجنبونها عوضا عن احتراف منهج الانكار والقاء اللوم على الاخرين. و حينما يبدأ معلمونا وصحفيونا بفهم مغزى ودلالة حقوق الفرد, ويقرون بأننا فشلنا في ان نكون مواطنين, عندها سيكون بمقدورنا ان نأمل بالحرية حتى لو انها تحققت ببطئ.»
ان رعاية منهج البحث عن الذات الذي تكرس بكلمات هؤلاء الناس وغيرهم, انما يمثل جزءا حيويا من استراتيجية اوباما. و عبر اعلانه التزام اميركا الحصري بحملة جوية ضد اهداف داعش في العراق وسوريا, فأن اوباما اعلن صراحة ان على العرب والمسلمين خوض حربهم البرية ليس لمجرد ان هذه حربهم وان لابد لهم من تحمل خسائرها البشرية وحسب, بل لأن تنظيم هؤلاء حسب خطوطهم الشيعية والسنية والكردية بتناسق مع التصدي لخلافاتهم وانقساماتهم السياسية انما يمثل الوسيلة الفاعلة لهزيمة داعش على الارض, الامر الذي يمثل المكون الاساس المطلوب لخلق اي نوع من الحكم التوافقي اللائق الذي يمكن ان يكون مستداما فعلا لو حل محل حكم داعش.
لقد تصاعدت حدة التوتر بسبب ان داعش تقتل الناس كماكنة للقتل, الامر الذي سيتطلب ماكنة قتل اخرى للبحث عن هذا التنظيم والتصدي له على الارض. و لي ان اقول ان لا سبيل امام من نسميهم السوريين المعتدلين الذين ندربهم كي يتمكنوا من محاربة تنظيم داعش و النظام السوري في الوقت ذاته. كما لابد للعراق و تركيا و دول الجوار العربية من ان تدلو بدلوها عبر قوات برية كذلك.
و بصرف النظر عن كل شيء, تبقى هذه الحرب الاهلية حرب المستقبل بالنسبة للاسلام السني و العالم العربي. اننا قادرون على اضعاف تنظيم داعش من الجو, و انا سعيد لاننا هاجمنا هؤلاء الداعشيين المختلين عقليا في سوريا, الا ان احدا غير العرب و الاتراك لن يكون بمقدوره هزيمتهم على الارض. و في الوقت الراهن, فأن الرئيس التركي رجب طيب اردوغان لا يزال واقفا الى جانب الشمولية و التضييق على حرية الصحافة و الاعتماد على الاتباع و الموالين فضلا عن دعم الاسلاميين, بمن فيهم تنظيم داعش. و حتى ان اردوغان لم يسمح لنا باستخدام قاعدتنا في تركيا بغية ضرب داعش, وبرغم اعلانه الاخير تغييرا على مواقف تركيا من التحالف الدولي المناهض للتنظيم بعد انتهاء ازمة الرهائن الاتراك. فما الذي يجول في خاطره يا ترى؟ و ما الذي يجول في خاطر الانظمة العربية التي شاركتنا قصف مواقع داعش في سوريا من دون ان تفكر في مستقل الحرب البرية على الارض يا ترى؟
ان هذه الحضارة تواجه امتحانا كبيرا, و ما لم تعمد فيه الى مواجهة اسباب التشوه الخطير الذي انجب وحش داعش, فأن اي انتصار نحققه على الارض او من الجو انما سيكون مؤقتا وحسب.

* عن «نيويورك تايمز»
ترجمة الهادر المعموري

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة