جازون وميديا أسطورة يونانية ـ عربية؟

أدونيس

ـ 1 ـ
جاء في أسطورة ميديا ( Médée ) اليونانية أنّ جازون ( Jason ) أُرسِل، بعد تنحِيَة أبيه عن الحكم، للحصول على « الجُزّة الذهبيّة »في كولشيد( Colchide )، في أقصى البحر الأسود. كان يحرس هذه الجُزّة تنّينٌ يقتل كلّ من يقترب منه. ولهذا أُرسِلَ أملاً في أن يقتله التنّين.
ركب جازون السفينة آرغو ( Argo ) وأبحر إلى كولشيدا. وعندما رأته ميديا ( Médée ) ابنة الحاكم، ينزل من السفينة، وقعَت في حبّه على نحوٍ جنونيّ، ولم تعُدْ قادرةً على أن ترفع بصرها عن وجهه.
يصف الشاعر أوفيد ( Ovide ) ميديا عندما رأت جازون، قائلاً : « حدّقت في وجهه. ركّزت عليه عينيها. بدا لها، في هذيانها العشقيّ، أنّ قسمات هذا الوجه تدلّ على أنّ صاحبه ليس من البشر الفانين. هكذا لم تعد قادرةً على تحويل نظرها عنه.»
يُشارُ هنا إلى أنّ كوكبَ الشمس، كما تقول الأسطورة، هو جدّ ميديا. وأنّ سيرسي ( Circé ) عمّتها. وهذه هي نفسها الساحرة في ملحمة الأوديسّيه التي وصفها هوميروس، بأنها تحوّل الرجال إلى خنازير وأسود وذئاب. ورُوِيَ أنّ بطل الملحمة أوليس ( Ulysse ) أحبّها وتزوّج منها، وعاش معها شهراً كاملاً وأنجبت له ولداً.
فرض حاكمُ كولشيدا على جازون القيامَ بأعمالٍ صعبةٍ ومستحيلة، كانت ميديا تنقذه منها دائماً. وتنقذُه كذلك من الموت في مواجهة الثيران التي تنفُث الدُّخانَ واللّهب.
وبفضل ميديا أيضاً ظفر جازون بالجُزَّة الذهبيّة. وقد هيمن عليها حبُّه، فقتلت أخاها قبل أن يتمكّن من قتلهما معاً، واستسلمت بهيامٍ شبه جنونيّ إلى جازون وتزوّجت منه.
تتطوّر أحداثُ الأسطورة على نحوٍ غريب ومُرعِب، فتثور ميديا على جازون الذي تخلّى عنها، هي الأجنبيّة، لكي يتزوّج يونانيةً هي ابنةُ الحاكم. وتُتَوِّجُ ثورتَها هذه بذَبح ابنيها اللذَين أنجبَتْهما منه. وتنتهي الأسطورة بهذا الذّبح.
تتعدّد وتتباين وجهات النّظر في تفسير هذه الأسطورة . أهمُّها اثنتان:
ترى الأولى أنّ ميديا قتلت ولَديها انتقاماً من جازون أبيهما وحبيبها،
وترى الثانية أنّها قتلتهما، على العكس، رحمةً بهما وشفقةً عليهما.
وهما نظرتان تكشفان عن التمازج في الإنسان والعالم، بين الأبعاد النفسيّة في تصرّفات البشر، والأبعاد التراجيديّة.
في كلّ حـــال ترمز هذه الأسطورة إلى جانب معقّدٍ من طبـــيعة الحروب والصراعات في العالم اليونانيّ القـــديم، فهل ترمز كذلك بعد آلاف الســنين، إلى جــانب من طبيعة الصراعات والحروب في العالم العربيّ ـ قديماً وحديثاً؟
لكن مَن « جازون » العربيّ؟ مَن « سيرسي » العربية؟ مَن « ميديا » الأجنبية ـ العربيّة؟ وما تكون « الجُزَّةُ الذّهبيّة » العربيّة؟
في هذا الإطار ينهض هذا السؤال:
ما الذي يدفع الشعوبَ في بعض لحظات التاريخ إلى القيام بتصرّفاتٍ غير إنسانيّة تؤدّي إلى السقوط في جحيمٍ من المجازر والكوارث، الفرديّة والجماعيّة؟
ـ 2 ـ
كيف يظهر التوحُّش بين أحضان الإنسان، وفي كَنَف الآلهة؟ السؤال تطرحه هذه الأسطورة. وهو سؤالٌ يستدعي التبسيط في أسئلةٍ أخرى. مثلاً من أين للتوحّش هذه القدرة على الحضور حيث لا مكانَ له، مبدئيّاً؟ ما الغاية من هذا الحضور؟ هل يتمّ بإرادةٍ من التوحُّش نفسه، أم يتمّ بإرادةٍ إنسيّة؟ أو بإرادةٍ ثالثة أخرى؟ ولماذا ينتصر ـ متنكِّراً؟
وأين المؤرِّخون الذين يؤرِّخون لولادة التوحّش الحديث، أو على الأقلّ المعاصر، بدءاً من 11 أيلول 2001 ؟ ولماذا تمّ اختيار هذه السنة؟
ولماذا اهتمّ الغربُ المتقدِّم بعولمة هذا التوحُّش، وهي شكلٌ آخر لعولمة الإسلام والعرب، خصوصاً، على صعيد هذا التوحُّش؟
ولماذا لم يهتمّ هذا الغربُ، على الأقلّ، بأصدقائه العرب المسلمين، ويتبارى قادتُه في عولمتهم على صعيد العلم والتقنية والتقدّم؟ صعيد الجامعات الأنموذجيّة، ومراكز البحوث العلميّة والفنّية والاجتماعيّة، وعلوم الفضاء وتقنياتها، ومؤسّسات حقوق الإنسان وحرّياته. ولماذا لم يفكّر إلا بتسليحهم وتحريض بعضهم ضدّ بعض، واختراع حروبٍ متواصلة فيما بينهم؟
لا وجـهَ لهذا الغرب السـياسيّ «الصــّديق».
إنه هو الآخر تقوده المَعِدة. والغذاءُ كلُّه في الإنسان، نيّئاً أو مطبوخاً. مذبوحاً أو مقتولاً. شيخاً أو طفلاً. امرأةً ورجلاً.
والمجد، طبعاً ودائماً، لحقوق الإنسان وحريّاته، وللإنــسان نفسه، طبعاً، الذي هو الغذاء الأسمى، والمائدة الأسطوريّة الأكثر بذخاً.

ـ 3 ـ
تطوَّرَ مفهومُ الجمال، وتغيّر كثيراً:
صار ضروريّاً أن تقترنَ الكتبُ التي تدرسُ القُبحَ في الجمال، بتلك التي تدرس الجمالَ في القُبْح.

ـ 4 ـ
الذاكرةُ عندنا، نحن العرب، عملٌ آخر. بل هي العملُ الأوّل، منذ عشرين قرناً.
وهذه الذاكرة هي نفسها التي «تُنسينا» أن نطرح أيَّ سؤالٍ جذريّ على أنفسنا.
كأنّنا نظراً وعملاً، مجرّدُ ظلالٍ لها.
ما السرُّ في ذلك؟
أهو دينيّ؟ أهو نفسيّ؟ أهو ثقافيّ؟
ولماذا نخاف من التساؤلات والأسئلة؟ والخوفُ ليس فرديّاً فقط بل هو جماعيّ أيضاً.
سأعيد هنا، «هرباً» من هذا الخوف، صياغة بعض الأسئلة: مثلاً،
1 ـ لماذا لا يزال كلُّ بلدٍ عربيّ، منذ خمسة عشرَ قرناً، ركاماً من مجموعاتٍ قبليّةٍ ومذهبيّة، تتعايش في أفق الماضي، أفق الغلَبَة والعصبيّة و«الأكثريّة» و«الأقلّيّة»، لا في أفق المستقبل، أفق المواطنيّة، والقانون والحرّيّة والمساواة والانتماء للمجتمع بوصفه وحدةً إنسانيّة مدنيّة؟
2 ـ لماذا لا نزال نفكّر ونخطِّط ونتفاعل كأنّنا مجرّد ذكريات وقبائل؟ أو كأنّنا نعيش في الذاكرة ـ في أوهامها وتخيّلاتها؟
3 ـ لماذا في هـذا كلِّه يبدو كلٌّ منّا، في أعماله وأقواله وصراعاته، كأنّ له قوّة الرمل الذي لا يعرف العطش ولا الجوع، وكأنّ له إرادةَ ماكرٍ عنيد يطـــبخ التراب والحَصى، فيما يمارس هــبوطَه العــميق المـــتواصل نحو الجَذر، موَشـــْوِشاً ذاكـرته: أنتِ خزانةُ الماضي، خزانةُ العلم، خزانة الحقيقة، باب المستقبل.
ـ 5 ـ
الطّغيان محوٌ للذاتيّة.
فردٌ مُحِيَت ذاتيّتُه ليس إلاّ آلةً. ليس إلاّ شيئاً بين الأشياء. لا يعودُ يشعر بمعنى الحرّيّة أو الإرادة أو معنى الاستقلال.
ويتيح الطّغيانُ للطبيعة الوحشيّة أن تنمو، وأن تتغلّب على الطبيعة الإنسانيّة.

ـ 6 ـ
كلُّ شيءٍ عندنا، نحن العرب، لغة. وليس الإنسان، في الممارسة، وفي النظريّة، مَن يملك اللغة، بل اللغةُ هي التي تملكه.
الإنسانُ العربيُّ المــسلم يحيا عمليّاً، مملوكاً للّغة وللواقع الذي تتحدّث عنه، وليس هو من يفكّر. اللغة هي التي تفكّر عنه والتي تقوده، لا على الأرض وحدَها، وإنّما في السماء أيضاً.

ـ 7 ـ
كلاّ لا أكره الشيخوخة،
مع أنّني أكادُ أن أتحرّك في ظلِّ الموت.
ـ 8 ـ
هذا الصباح، الخميس، الثامن عشر من أيلول (سبتمبر) 2014 ، سيزول ولن يعودَ غداً. لن يعودَ أبداً.
يعني ذلك أنّ صباحاً آخر لا عهدَ لنا به سيأتي بعده، ثمّ يجيء بعد ذلك صباحٌ آخر. هكذا إلى ما لا نهاية.
العالمُ في حركةٍ دائمةٍ من التجدُّد والتغيُّر.
أنتَ لستَ أمسَكَ أو حاضرَك أو ما أنتَ الآن.
أنتَ أبعدُ من ذلك.
أنتَ الصباحُ الآتي.
أنتَ الفجرُ أبداً.
لا يتكرّرُ الصباح هذا الكائنُ غيرُ العاقل،
فبأيّ حقٍّ يتكرّر الإنسانُ الكائنُ العاقل؟
وما بالُ الإيديولوجيات لا تعلِّم إلاّ التكرار؟
ما أشقى التاريخ !

* عن «الحياة»

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة