غريزة القراءة

نعرف ان القراءة تقدم لنا فضاء مفتوحاً من الأفكار، ومساحات تضج بالحياة، لكننا لا نعرف أحياناً ان القراءة تخادعنا، وتضلل بنا الطرق، ليس لأنها تجعلنا أكثر انغماراً بافكار الآخرين وغرائزهم، بل لأننا نكتشف من ذلك انّ هناك الكثير من العوالم السرية، والكثير من الخيانات والخطايا والأوهام، تلك التي تلقي بنا الى طرق شتى..
الكتب عالم آخر، والحكايات قد تكون خديعتها الكبرى، لكنها تدفع بنا اضطراراً أو قهراً أو تلذذاً للتصديق، والقبول، وحتى التماهي معها؛ لأن أبطالها ومواقيتها يضعون القارئ الذي يشبهني أمام مصائر مثيرة للجدل، وربما أمام حكايات مضادة. ولم يخطر ببالي أن أكون أحد أبطال هذه الحكايات، لكنني مع ذلك أعيش أوهام سردياتها، وأحياناً أستحضرهم لنتبادل الضحك المر، والضياع على طريقة كولن ولسن، أو ربما اللاجدوى والعبث على طريقة كامو..
القراءة تتحول مثل أي لعبة الى قيد بعد النزق الأول، برغم ان جرعة الوعي والاكتشاف تقود بالضرورة الى الانفلات، لكن ما يتبدى من الأفكار سيكون هو الحارس العنيد على الوعي اللص، وعلى نزق التمرد الذي يساكنه دائماً..
قراءة التاريخ والمقدس في طفولتنا أوحت لنا بالكثير من القيود والفخاخ، وأظنها المسؤولة عن ورطتنا في قراءات أخرى، إذ بتنا نصدّق كثيراً ما نقرأ، برغم هواجسنا الصغيرة والقلقة بالتلصص على ما بعد النص المقروء.. وأحسب ان هذه الهواجس هي الأكثر تحريضاً على تمردنا الكبير في السنوات اللاحقة، تلك التي خرجنا فيها حاملي الفؤوس لنصارع ثيران المصاديق، وجنرالات ماركيز، ولصوص موريس لبلان، وشحاذي نجيب محفوظ، وسرديات المثيولوجيا، وأوهام فقهاء الظلام..
الشك هو لعبة القراءة الفائقة، إذ هو المغامرة الأكثر تدفقاً في مواجهة المتخيل العتيق الذي ساكن طفولتنا، والذي تحول الى ما يشبه (اللوثة) الجانحة، التي ظلت تدفعنا الى الغور عميقاً في مناطق غير مألوفة وفي البحث عن نهايات لا اطمئنان فيها، برغم ان العقل الحكواتي الذي ورثنا جيناته كان يعلمنا طرائق متعددة للاطمئنان وللخواتيم السعيدة لكي ننام دونما كوابيس بعد كل حكاية نسمعها أو نقرؤها..
بعض الكتب دفعتنا الى الجحيم، جحيم الأسئلة، والتلصص، والخيانة، أقصد خيانة العقل الحكواتي للعائلة والمقدس، العقل الاستعمالي عند كانت، وشكوك ديكارت، وغرائبية نيتشه، وجحيم باربوس، وعبث كامو، ووجودية سارتر، وحرية سيمون دي بوفوار وساغان، وحتى الى أسئلة الوعي العالية عند علي شريعتي وسروش وغيرهم..
هؤلاء غيروا مجرى القراءة من الاطمئنان الحكواتي الى رعب الذهاب الى أقصى الأسئلة، تلك التي تتعلق بلعبة (الوعي الشقي) هذا الوعي المارق، الوعي التساؤلي، والباحث عن وظيفة أكثر تمرداً للقارئ المثقف، القارئ الباحث عن الألغام..
القراءة الآن تقدم لي درساً بكل هذا العصف الذي غيّر خارطة العمر والطاولة والسرير والمكتبة والارث ويوميات العائلة.. درساً في مواجهة عالم لم يعد يطمئن للحكايات والحكواتيين. وربما أظنه الدرس الذي يجعلني أكثر تمرداً على ذاكرة المتحف التي ورثنا جيناتها المهيمنة.
علي حسن الفواز

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة