غياب المعارضة من أول أسباب الفشل الحكومي

صادق الازرقي *

من خلال تتبع مسار العمليات الانتخابية، وما تسفر عنه من نتائج في معظم انحاء العالم؛ نجد ان نتيجتها تعد حلا فيما يتعلق بالمدة التي تليها، التي تتطلب تشكيل الحكومة كوسيلة تحقق الهدف اللاحق؛ أي تلبية مطالب الناس، وليس مثلما يجري لدينا، حين تكون الحكومة وكراسيها الوزارية، هدفاً بذاته ينتفي دوره بمجرد حسم المناصب المتعلقة به.
لذلك فان ظهور نتائج الانتخابات في بلد مثل بريطانيا مثلا، يؤدي الى المباشرة الفورية بتشكيل الحكومة، بمجرد تحقق ذلك، بل اذا تتبعنا السرعة التي تشكل بها الحكومة، لأدركنا ان اتفاقات ضمنية لتشكيلها، كانت تجري قبل الشروع في الانتخابات وظهور نتائجها؛ اما المعترضون على تشكيلها او أعضاء الحكومة السابقة، الذين انهزموا في تلك الانتخابات، فانهم يقرون بهزيمتهم، و يلتئمون لتشكيل ما يسمى «حكومة ظل»، وهذا اجراء معمول به في كل من بريطانيا وكندا وأستراليا واليابان وبولندا، و إسرائيل ورومانيا واسكتلندا وجنوب إفريقيا وفرنسا وإيطاليا و دول أخرى؛ وحكومات الظل توجه النقد الى الحكومة القائمة وتكشف مواقع اخفاقها، وتطرح نفسها كبديل لها.
ويقول المهتمون بالشؤون السياسية، ان ذلك الأسلوب «يدفع الحياة السياسية إلى الأمام , كما يدفع جميع الأطراف إلى العمل من أجل خير أوطانهم».
وكمثال للفشل وللدول الفاشلة، ما يجري الآن في أفغانستان؛ اذ توصل المرشحان المتنازعان في انتخابات الرئاسة الأفغانية، أشرف عبد الغني، وعبد الله عبد الله، إلى اتفاق لتقاسم السلطة بعد توتر دام أكثر من شهرين بشأن نتيجة الانتخابات، التي اتهم كل منهما الآخر بتزويرها؛ ويقول كلا المرشحين أنهما فازا في الانتخابات!
ومثل العراق وأفغانستان، توجد دول قليلة تشكل فيها الحكومات على أساس التراضي والتوافق، ويرفض فيها السياسيون أخذ دور المعارضة البرلمانية، ما يتسبب في النتيجة ومع الأداء الحكومي الفاشل، في نمو المعارضة المسلحة والفوضى وعدم الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي؛ بل ان الحكومات التي تشكل على ذلك الأساس غير السليم تبقى ناقصة وغير مكتملة الحقائب، ما يضيف أزمات أخرى الى الازمات التي تنبثق في كل يوم.
قلنا مراراً، وحذرنا، من ان بناء التشكيلة الحكومية وتأليف الوزارات لاعتبارات هي غير اعتبارات الكفاءة والاختصاص، وباسلوب مشاركة الجميع في الحكم، يؤدي بالضرورة الى انشاء تشكيلة وزارية هشة، تغيب عنها مصادر القرار، وينعدم فيها التوافق الحقيقي، على أساس الولاء لمشتركات وطنية، اما الإخفاقات المتحققة فيجري «طمطمتها»؛ لأن معظم الوزراء المسهمين في التشكيلة عليهم مؤاخذات كثيرة، تتعلق بأدائهم غير السديد؛ الذي ينجم عنه الاخفاق في تحقيق التحول المطلوب لأوضاع البلد والناس، وبالنتيجة تبقى الانتقادات الموجهة لهم تدور في حلقة مفرغة، لأنها مقصورة على وسائل الاعلام، في ظل غياب معارضة برلمانية قوية، تطالب بكشف التقصير ومحاسبة المقصرين.
كما ان مشاركة الجميع في الحكومة، يؤدي الى التداخل الحتمي بين أدوار الوزارات وواجباتها، فإن انشاء وزارتين للأمن، احداهما باسم الداخلية والأخرى باسم وزارة الامن الوطني، تنفيذا لنهج المحاصصة؛ يؤدي الى حرف مسارات مكافحة النشاط المسلح المعادي وتحقيق أمن السكان، اذ ان كل واحد من الوزراء وكذلك منتسبي الوزارتين يهدفون الى غايات قد تكون مختلفة، بل ومتناقضة، وتؤدي الى التعارض وانتفاء الغرض من انشاء تلك المرافق الأمنية، وعدم تركيز العمل الاستخباري والأمني في مؤسسات محددة لا تعارض فيما بين مرافقها؛ ما يمنع تحقيق امن السكان ويؤدي الى التفريط بأرواح الناس واستقرارهم.
ولن نقول شيئا عن منصبي وزيري الدفاع والداخلية، اللذين يؤدي الصراع لنيلهما الى تأخير حسمهما وزيادة في توتير الأجواء في البلد.
بل نشير الى أنموذج يدل على الإخفاق الكبير الذي تذهب ضحية له أرواح الناس وممتلكاتهم، فقد صرح مسؤول في حكومة كربلاء المحلية يوم الخميس الماضي من ان «مجلس المحافظة لمس ان هناك خرقاً أمنياً واضحاً في كربلاء، أدى الى تداعيات امنية وتكرر تفجير العبوات الصوتية والمفخخات بمركز المدينة خلال الفترة القليلة الماضية»،عازياً اسباب التفجيرات والخروق الامنية الى «عدم التنسيق بين الاجهزة الأمنية».
فلماذا نصر على انشاء حكومات مشاركة واسعة لن نعرف «راسها من رجليها» كما يقال؛ يظل فيها التنافس قائما بين وزاراتها، ويجري فيها التداخل بين خطط واهداف تلك الوزارات؛ ما يتسبب في اعاقة برامجها التي تعلن عنها، والتسبب في عرقلة مشاريعها وفشل معظمها اذا لم نقل جميعها؛ اذ لم يلمس الناس من الكلام الكثير الذي قيل عن المشاريع طيلة العشر سنوات الماضية أي منجز حقيقي يعينهم على مواصلة حياتهم الاعتيادية، كما ان السبب الذي يصر معظم السياسيين بموجبه على الاشتراك في الحكم ، ونعني به نيل المغانم المتحققة من الاشتراك في الحكومة، الذي لا تجهله عامة الناس، لم يعد مقنعاً إزاء الإخفاق في تحقيق أمن العراق و رخاء سكانه، الهدف الذي يدعي السياسيون تمثله والسعي الى ضمانه.

* من اسرة تحرير الصباح الجديد

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة