المشروب الروحي المحلي لبعشيقة يختفي من الأسواق العراقية

نينوى ـ خدر خلات:

لا احد يمكنه ان يجزم متى بدأت صناعة العرق المصنوع محليا ببلدة بعشيقة والشهير بالعرق البعشيقي، ولا الى اية فترة زمنية تمتد، لكن هناك من يرى ان عمر هذه الصناعة تمتد لمئات السنين وربما اكثر.
منذ شهرين تقريبا، شهدت الاسواق العراقية اختفاء كامل لهذا المنتج، ورغم انحسار انتاجه في السنوات الاخيرة، لأسباب عديدة سنأتي على ذكرها في سياق هذا التقرير، لكن اختفاء هذا المنتج المحلي بالكامل يرتبط بسقوط بلدة بعشيقة بيد تنظيم الدولة الاسلامية «داعش» في السادس من شهر آب الماضي.
يقول فارس الياس مطو، احد صناع العرق البعشيقي في حديثه الـى «الصباح الجديد» ان «صناعة العرق البعشيقي تدهورت وانحسرت بشكل لافت منذ عقد من السنين لأسباب عديدة، يأتي في مقدمتها الاستيراد غير المنضبط للعرق التركي واللبناني واليوناني وغيرها، كما ان اسعار العرق المستورد تنافس العرق البعشيقي بل انها تباع باسعار اقل منه احيانا، لكن الجودة التي يتميز بها البعشيقي لا يمكن ان تجدها بالعرق المستورد وهذا ما يعرفه من يتعاطى هذا المشروب الشهير».
واضاف «بامكاني القول انه في ايام الحصار المفروض على العراق كان هناك اكثر من الف معمل منزلي تنتج العرق البعشيقي، و كان هذا يوفر فرص عمل لا تحصى والتي ترتبط بعملية صناعته».
ولفت مطو الى ان «الكل يعلم ان العرق البعشيقي يعتمد على مادتين اساستين، وهي التمر والرزنايج (الحبة الحلوة) وكان يتم استهلاك نحو الف طن شهريا من التمر العراق ومن الرزنايج، والاخير ايضا انحسرت زراعته بشكل لافت في العقد الاخير بسبب انحسار صناعة العرق البعشيقي، وهذا ايضا يعني انقاص فرص العمل».
وتابع بالقول «هناك سلسلة من فرص العمل التي انقرضت مع انحسار صناعة العرق والتي تربط بهذه الصناعة، مثل صناعة القدور والانابيب النحاسية الكبيرة، ماطور الموقد، و امور كثيرة غير ذلك».
وشدد مطو على ان «قبل سقوط بعشيقة بيد داعش، كان هناك بضعة معامل تستمر بصناعة العرق، لان هناك زبائن لا يتعاطون غير هذا المشروب، وكان يتم صناعته كعرق خاص وفاخر، اما سعر القنينة الواحدة منه فهي 4 الاف دينار، بينما هناك عرق مستورد تباع القنينة الواحدة منه بـ 2500 دينار».
معتبرا ان «عدم حماية المنتج المحلي ادى لضياع الاف فرص العمل، وبضمنها فرص العمل في انتاج العرق البعشيقي».
وتدخل في صناعة العرق البعشيقي التمور وبذور الحبة الحلوة (رزنايج) والمياه العذبة، فضلا عن بعض النكهات الطبيعية كالتفاح.
ويتم تخمير التمور ببراميل بلاستيكية لمدة اسبوعين في الشتاء، وأسبوع واحد في الصيف حتى يتم تهيئته للتقطير، وتوضع التمور بعد اختمارها في قدر نحاسي ضخم وتغطى بغطاء محكم بلبخة من الطين المعجون مع التبن لمنع تسرب الكحول.
ويسخن بعد ذلك القدر بدرجة حرارة عالية نسبيا، حيث تتبخر التمور وتمر خلال إنبوب نحاسي (2 انج) يخرج من القدر ويمر عبر حوض يبلغ ثلاثة أمتار مملوء بالماء لغرض تبريد الغازات الكحولية الحارة فتتكثف وتتحول الى قطرات من العرق البعشيقي الخام.
وبعد الانتهاء من عملية التقطير الاولى، يعاد العرق الخام إلى القدر مع بضعة غرامات من الماء ومادة الحبة الحلوة (ما يعرف محليا باسم رزنايج) التي تعطي البياض الحليبي للعرق عند إضافة الماء له، لتتم عملية التقطير الثانية وإنتاج العرق البعشيقي.
وينتج الطن الواحد من التمر 450 لترا من العرق النقي، ويستهلك 80 كغم من الحبة الحلوة، و 20 كغم من التفاح، بالإضافة الى مئات اللترات من المياه العذبة وبعض المطيبات.
من جانبه، قال تاجر العرق البعشيقي، والذي طلب الاشارة اليه بلقب ابو نبراس، لـ «الصباح الجديد» ان «مسالة تسويق العرق البعشيقي باتت مهمة شاقة وعسيرة بسبب العرق المستورد والرخيص».
واضاف «بطبيعة الحال هناك زبائن يطلبون العرق البعشيقي الاصلي والفاخر، وعدد هؤلاء لا يستهان به، لكن المشكلة انهم يتاقصون يوما بعد يوم».
ولفت ابو نبراس الى ان «غالبية العرق المستورد هو عبارة عن كحول ومادة اليانسون، وانا هنا استثني بعض الانواع الفاخرة منه، بينما العرق البعشيقي هو مستخلص من التمر العراقي بعد تخميره وتقطيره لمرتين بمياه عذبة ونقية، واضافة مادة الرزنايج، التي تعطيه البياض والنكهة اللاذعة التي تميزه، فضلا عن مطيبات اخرى».
ومضى بالقول «الان لم يعد هناك عرق بعشيقي بعد سقوط بعشيقة بيد تنظيم داعش الارهابي».
منوها الى انه «حالما يتم تحرير بعشيقة، وتعود الحياة لطبيعتها، سيتم البدء بانتاج هذا العرق مجددا، لانه لا يجوز ان تختفي صناعة محلية عمرها ربما مئات السنوات او اكثر، وثانيا لان هناك زبائن في عموم انحاء العراق لا يمكن ان يتخلوا عن مشروبهم المفضل».
واشتهر العرق المنتج بناحية بعشيقة الواقعة على بعد 17 كلم شمال شرق الموصل مركز محافظة نينوى باسم «عرق بعشيقة» في تسعينيات القرن المنصرم، بسبب رخص سعره وطعمه المميز عن باقي المشروبات الكحولية.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة