الأخبار العاجلة

حول برنامج الحكومة الجديدة

سلام مكي *

يمثل البرنامج الذي اطلقته الحكومة الجديدة على لسان رئيسها امام البرلمان والشعب ادانة ضمنية لجميع الحكومات السابقة، فشمولها جميع قطاعات الدولة واعلانها لحاجة تلك القطاعات الى سياسة جديدة وبناء جديد وسليم يعطي دلالة بأن السياسات التي اتبعتها الحكومات كلها خاطئة والا فكيف نفسر تضمين الحكومة الجديدة في برنامجها اعادة بناء الاقتصاد والامن والصحة والتعليم والخدمات والاصلاح الاداري والسياسي والارتقاء بالمستوى المعيشي وغيرها الكثير من المحاور. فهنا نسأل: ماذا كانت تفعل الحكومات السابقة؟ ماذا تحقق في عهدها؟ اين ذهبت الموازنات الانفجارية التي يعلن عنها؟ كيف نفسر رصد مبالغ مالية ضخمة لقطاع معين منذ عشر سنوات ولحد الان، ولكننا لا نلمس اي تغيير في ذلك القطاع؟ اضافة الى ان البرنامج هذا لم يعالج كثيراً من المشكلات الجوهرية ولم يضع حلولا حقيقية وخارطة طريق يمكن من خلالها وضع برنامج زمني لتنفيذ فقرات البرنامج. هناك الكثير من الاسباب والاسس التي يجب على الحكومة الجديدة الالتفات اليها في سبيل ضمان تحقيق اهدافها وبرنامجها واول هذه الاسس هو الاعتماد على الكفاءات والخبرات في ادارة مؤسساتها وان يكون معيار اختيار الموظف شهادته وخبرته الوظيفية ومؤهلاته، لا ان يكون معيار الانتماء الى الحزب او الطائفة هو المعيار الوحيد لعضو الحكومة. فتعزيز القدرات العسكرية والامنية وبناء جيش قوي ومهني وعلى اسس حديثة، هو من مسؤولية وزير الدفاع بالدرجة الاساس اضافة الى القائد العام للقوات المسلحة. ووزير الدفاع هذا لا يمكنه تحقيق هذا الجزء من البرنامج او مسؤوليته الا اذا كان مختصاً في الجانب العسكري وان يكون ملما بالقواعد العسكرية والفنية واللوجستية، والا فلا يمكنه ان يدير مؤسسة لها مسؤوليات جسيمة اضافة الى ما هو مطلوب منها مستقبلا. وان اختيار الشخصية التي تتولى مسؤولية هذه الوزارة يجب ان يكون على اساس ان الوزير عراقي اولا وليس على اعتبار الانتماء المذهبي، فلا يوجد نص في الدستور ينص على ان هذه الوزارة او غيرها من حصة طائفة معينة! لكن للأسف، ما حصل هو ان وزير الدفاع رشح لا على اساس عراقيته بل على اساس انتمائه لطائفة معينة. والأدهى، ان هذه الشخصية، ليس لها علاقة بالجانب العسكري لا من قريب ولا من بعيد، فالرجل حاصل على شهادة البكالوريوس في الطب والجراحة العامة من جامعة بغداد ومارس مهنته في عدة مستشفيات. حسناً: كيف يمكن لطبيب ان يكون على رأس وزارة الدفاع؟ وان يتولى اعداد جيش مهني وقوي يتجاوز اخطاء الماضي، ويؤسس لجيش عراقي جديد؟ من اين يملك الطبيب هذه الامكانية؟ هل ان السيد رئيس الوزراء مقتنع بأن طبيباً يصلح لأن يكون وزيراً للدفاع؟ هل هو مقتنع بأنه الطبيب_ وزير الدفاع_ سيحقق لحكومته برنامجها؟ ان هذه المشكلة سببها بالتأكيد المحاصصة، والكتل السياسية، فكتلة المرشح هددت بالانسحاب من الحكومة برمتها اذا لم تمنح لها وزارة الدفاع، ولما منحت لها رشحت لها طبيباً! الم يكن بمقدور تلك الكتلة ان ترشح شخصية كفؤءة متخصصة بالجانب العسكري؟ ام انها تتعمد ترشيح شخصيات من غير ذوي الاختصاص حتى تفشل الحكومة؟ ولكن ما حدث في اثناء جلسة التصويت على مرشحي الوزارات الامنية، من عدم الموافقة على الاسماء التي سبق ان اتفق رؤساء الكتل على اسمائهم اعطى انطباعا بأن اعضاء مجلس النواب لم يعودوا منقادين بنحو كامل الى رؤساء كتلهم والا لكانوا وافقوا على من وافق عليه رؤساؤهم. لكن المشكلة ان يعاد التصويت مرة اخرى على الاسماء ذاتها فيحصلون على ثقة النواب! بالنسبة لوزارة الداخلية التي تشترك مع الدفاع في ذات الهدف وهو فرض الامن في البلد وتأمين متطلبات مديرية طيران الشرطة وغيرها من الامور، فالأمر ذاته ينطبق على وزير الداخلية، حيث لا يمكن ان تتحقق تلك الاهداف من دون ان يتولى الوزارة وزير مختص بالجانب الامني ولديه خبرة في مكافحة الارهاب، ولديه مؤهلات استثنائية خصوصاً وان الاوضاع الامنية المضطربة التي يعيشها العراق تتطلب امكانيات خاصة لدى المسؤول حتى يتمكن من مواجهة المشكلات الكبيرة التي تواجهه، ولكن ما حصل ايضا، هو طرح مرشح، كل مؤهلاته انه ينتمي الى طائفة قررت ان تكون الداخلية من ممتلكاتها وحدها، فاختارت شخصا حاضر في الجامعة التكنلوجية وكتب العديد من المقالات العلمية والثقافية و اعتقل من قبل النظام السابق والتحق بالمعارضة العراقية السابقة ثم اصبح بفضل القائمة المغلقة ممثلا عن العراقيين في البرلمان. هذه الشخصية، هل تصلح لأن تقود وزارة مهمة تتولى مسؤولية حماية ارواح العراقيين؟ هل يمكن لكاتب مقال ان يكون وزيراً للداخلية؟ الا يدل هذا على قصور كبير في عقلية الكتل السياسية وعدم اعترافها بشيء اسمه الاختصاص! هل ان الكتلة التي تقرر لها الظفر بهذه الوزارة لا تملك من هو اهل لتولي وزارة الداخلية حتى تمنحها لكاتب مقال ثقافي وسياسي؟ اليس الفشل في ادارة الملف الامني في حال اعادة التصويت على هذه الشخصية ومنحها ثقة بالإكراه يتحمله من له القرار؟ الامر الاخر، هو ان البرنامج الانتخابي تضمن فقرات تتحدث عن الاصلاح في المؤسسة القضائية ووزارة العدل المنفذة لأحكام السلطة القضائية. لو نأتي على وزير العدل لنرى ما هو اختصاص وزير العدل العراقي الجديد، لوجدنا انه مختص بالحاسبات والالكترونيات! هل يمكن لهذا الوزير ان يحقق للحكومة برنامجها في اصلاح النظام القضائي وتنفيذ الاحكام وتجاوز اخطاء سلفه وهو لا يعرف شيئا عن القانون؟ كيف سيتعامل مع ملاكات وزارته وهو في اختصاص وهم في اختصاص أخر؟ وهناك وزير صرح في الاعلام بأنه لم يعرف بأنه اصبح وزيرا الا عندما نال ثقة النواب! حيث تم الاتصال به لتهنئته. وأخر اصبح وزيراً للرياضة وهو وقدماه ويداه لم تلمسا اي كرة في حياته. المشكلة الكبرى ان هذه الحكومة وباعترافها بفشل الحكومات السابقة في كل المجالات، عادت لتضم اسماءً في تلك الحكومات مع تغيير المواقع، فمن فشل طوال ثماني سنوات في قطاع الطاقة لا يمكنه ان ينجح في قطاع التعليم العالي، ومن فشل في المحافظة على حقوق الانسان لا يمكنه ان ينجح في تحقيق الضمان الاجتماعي للعراقيين، ومن فشل في قطاع الخدمات، طوال اربع سنوات، قطعاً سيفشل في الاربع الاخرى. نحن لا نعطي صورة قاتمة عن شكل الحكومة الجديدة ولا نتنبأ بفشلها، لكن القراءة الواقعية لها تقول بأنها سوف لن تختلف كثيراً عن سابقاتها، خصوصاً وانها ولدت من الرحم ذاته.

* كاتب عراقي

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة