الأخبار العاجلة

حَمْلٌ كاذب

بعد انتظار طويل ومرير، وعبر مصادفة عابرة للمحيطات، وجد سكان هذا الوطن المنكوب بأبشع أشكال القهر والاستبداد، أنفسهم وهم يصطفون بطوابير طويلة أمام ارقى ما ابدعته سلالات بني آدم من منظومة وتقنية لفك الاشتباكات بين البشر (الصناديق). مثل هذه الدقلات التأريخية، ومع حشد من القبائل والملل السياسية والآيديولوجية المثقلة بهموم عصر ما قبل النهضة والدول الحديثة، وضع العراقيون أمام حالات واعراض لم يتعرفوا عليها من قبل. وبالرغم من اشتراكهم في جولات عديدة من الانتخابات والاستفتاءات، وتدوينهم لغير القليل من التشريعات، وعلى رأسها الدستور العراقي، الذي تحول الى ما يشبه الجودلية الفقهية من شدة استجابته للميول المتنافرة لممثلي الكتل والجماعات والمكونات المتدافعة عند اطراف الوليمة الوطنية؛ الا انهم اخفقوا لا في وضع اسس ما يعرف بالمرحلة الانتقالية وعدالتها المفترضة وحسب بل ولجوا أغوار ضياع وتشتت لم يعرفه تأريخهم الحديث من قبل.
إن ما افرزته الاحداث، طوال أكثر من عقد على ما يفترض انه «تحول ديمقراطي»، قد كشف عن حمل كاذب، لا علاقة له بمثل هذه التحولات التي تعيشها المجتمعات بعد مخاض محلي عسير، تحولات تقتضي نضج مستلزمات وشروط مثل هذه التحولات البنيوية في حياة البشر.
بذور الديمقراطية لا تنمو ولا تخصب في حقول تعتاش على فتات الرزق الريعي والخرافة والهلوسات والاحقاد وغير ذلك من سلع الغيبوبة والسبات المقدس. فسلسلة الهزائم والخيبات الحضارية، ستتواصل وتعيد انتاج أحمال كاذبة واشد فتكاً مما سبق، ان لم نجد سبيلاً لتجفيف منابع وكهوف هذه الغزوات المتواصلة لقوى العتمة والتخلف والهمجية في مضاربنا المنكوبة بالهيمنة المطلقة لسلطة الزيف والاوهام والاكاذيب المبجلة.
إن مشهد اعادة انتاج الخلافة، وخطوات الخليفة بعمامته وملابسه السودا وديباجته المحتفية بمناخات القرون السالفة، وما رافق ذلك الحدث من تداعيات مأساوية، يكشف عن حقيقة لا يطيق مواجهتها من امتطى سنام المسؤوليات السياسية والثقافية والروحية في هذه المضارب المنكوبة، الا وهي ان فرسان حقبة الانحطاط هذه قد اوصلونا الى حالة لا يمكن ان تحسدنا عليها آخر القبائل التي هجرت الادغال.
مثل هذه الهموم والاهتمامات التي تشغل الكتل والقوى المتصارعة على مسرح الاحداث في العراق بنحو خاص والمنطقة بنحو عام، لا يمكن ان تنتج غير ما نشاهده اليوم من حروب اهلية وكوارث مدمرة. وما يزيد الموقف عسراً، هو ترافق عجز هذه المجتمعات عن تقديم قوى وبدائل قادرة على انتشالها من محنتها الاخيرة مع اصطفافات دولية تعد بؤر التوتر هذه، حقولاً محببة لاستثماراتها.
جمال الجصاني

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة