جمهورية الاقلام..؟!

للكلمة وقع الرصاصة , ومداد الاقلام كما هو الدم في العروق .. تراه حينا ساخنا , وباردا في احيان , ودافىء تارة اخرى .. وبه تتواصل المشاعر فترسم خطوطها حين يعز اللقاء .. وقد مر زمن طويل على اختراع الكتابة على ارض الرافدين , فكان لنا السبق في هذا , وتعلم منا الاخرون مالم قد تعلموا من قبل .
وفي بلادنا , حيث الخصب والنماء , انتشرت المعالم الحضارية , فكرا وروحا وثقافة وسياسة , ودين , علم الله فيه انسانا مالم يعلم بالقلم ودعاه للقراءة .. فتولد في النفس التواقة للعلم سلوكا جميعا كامنا في بعض المواقف وظاهرا في اخرى , تمت ترجمته الى مؤلفات ادبية وعلمية وفنية , ومطبوعات تراوحت بين الموسوعة والمقتضبة .
وتعد الاحداث المهمة كالاحتراب الداخلي وشيوع الازمات الاقتصادية وما يتبعها من بطالة ونقص الخدمات , كلها تجارب اجتماعية محرضة , تدخل فيها الجماعة كوحدة عضوية متجاوزة فيها الخصوصيات والذاتية وردود الفعل الفردية ..
ومن هنا يبرز دور الرأي العام بوصفه عنصرا فعالا في العملية الاعلامية لتحقيق الهدف المقصود منها .. في الوقت ذاته الذي يوضح فيه مدى هذا التأثير , في وقت يبدو مستحيلا التعتيم على مجريات الامور , لتلعب وسائل الاعلام المختلفة ( مقروءة ومسموعة ومرئية ) دور المنبه والمحرض بالاستفادة من الاوضاع السائدة , لا سيما في ظل موجة التلفاز والستلايت والفيديو والانترنت , كخطوة ملحمية نحو نوع جديد من الفهم المشترك للمشكلات واقتراح بعض الحلول لمعالجتها عبر المجال المعنوي المتعلق بالصورة الذهنية والاراء والاتجاهات .
لقد حمل القلم اشخاص اختلفوا في ميولهم واتجاهاتهم ونزاعاتهم النفسية والمصلحية والسياسية فكان سجل التاريخ عبارة عن شبكة عنكبوتية من الحوادث والاخبار التي لا تخلو من صدام مع السلطة الجائرة .
فقلم الشاعر كان كوخز الابر يقض مضاجع الحاكمين المتسلطين , وراحت روايات وقصص الادباء وكتابات الصحفيين رماحا وقذائف ملتهبة موجهة صوب تيجان وقلاع الظالمين المنتهكين للحقوق .
ومن جانب اخر , وعلى ساحات الرواة والشعراء والاعلاميين نفسها نجد من باع قلمه بثمن بخس , دراهم معدودات , وهو يبجل من لا يستحق التبجيل , ويثني على من يقتل شعبه وينتهك عرضه ويسلب ماله وكرامته .
انها معركة حقيقية يخوض فيها الخائضون في يومنا الحاضر ولا تجد لهم اذنا صاغية من احد , وهذا الرفض المستكن وغير الفاعل اصبح يمثل عرفا او اعرافا اجمع المجتمع عليها وارتضاها مكرها , فكل حزب بما لديه فرح , له صحافته المقدسة لشخصيته المعنوية , وله قناته التلفازية الفضائية التي تظهر تحركاته ( الوطنية ) وخطبه السمجة التي لا نفع منها بل وربما هي عصا في عجلة التقدم الذي ينشده الشعب على جميع الصعد والمستويات .
وتبقى الاقلام , يتيمة , ومحاربة من قبل الفاسدين المفسدين , وهم الاكثر عرضة للتدمير والاهانة , وفي احيان المساءلة القانونية , حيث تنتصر في كل زمن ارادة المسؤول على شخص المواطن البسيط .. مما يدفع بتلك الاقلام الشريفة الى الانزواء ويبقى ذلك الصحفي سادلا اليدين على الركبتين ويكتفي بالنظر من بعيد , ويصطف مع مواطنيه المغلوبين على امرهم ولا يحرك ساكنا , ليحتفظ برأسه على كتفيه .
هي جمهورية الاقلام , وهي ليست , حتما , جمهورية افلاطون ومدينته الفاضلة , اقلام لم تعد تسمع لها صدرا ولا نسيما دافقا بالمسك والرياحين , صارت اقلام رصاص لا رصاص فيها , وهجرت , كما يهجر القاطنون بيوتهم الآيلة للسقوط ..!!
ماجد عبد الرحيم الجامعي

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة