فن الشرذمة

بالرغم من فداحة المصائب التي لم تنقطع عن التدافع لنهش ما تبقى من هذا الوطن المنكوب، الا انها لم تتحول الى دروس وعبر لسكانه من مختلف الرطانات والأزياء. والسبب الاساس الذي يقبع خلف ذلك العجز العضال، يكمن في نوع القوى والكتل والجماعات والشخصيات التي تلقفت زمام امور عيال الله بعد وقبل حقبة الفتح الديمقراطي المبين. كتل وزعامات لا تجيد غير ما يمكن ان نطلق عليه بـ (فن الشرذمة) حيث تضع كل استثماراتها ومواهبها في هذه الحقول والعلوم المتخصصة بتفكيك المجتمعات على اساس «الهويات القاتلة» ومعاييرها الاثنية والطائفية. ومع مثل هذه القوى والتوازنات الشاذة، لا يمكن انتظار ما يمكن ان ينفع الوطن والناس، لا شيء الا المزيد من النزاعات والنكبات الانسانية والامنية والسياسية، وما الانتصارات التي يحرزها هذا الخندق على ذاك المقابل الا تمهيد لرسم هزائم اشد فتكاً للأطراف جميعها، حيث لا يمكن ان يلوح من مثل هذه الصراعات غير المزيد من البؤس والانحطاط، على حساب ما انتظرناه طويلاً من آمال بالأمن والتضامن الوطني والاستقرار.
ومن يتابع المشهد الراهن، لن يحتاج لجهد كبير كي يكتشف حجم الصلافة والغطرسة لممثلي وواجهات فلول النظام المباد، من جلادي المقابر الجماعية والمعتقلات السرية السابقة، من الذين اتاحت لهم ممارسات كتل وقوى التشرذم المهيمنة حالياً على مفاصل ما تبقى من الدولة والمجتمع، كل اشكال الفرص كي يبرزوا مجدداً وبشكل سافر بعد مرور عقد على ما يفترض انه مرحلة للعدالة الانتقالية. لقد قدم اولي الامر الجدد كل المبررات والذرائع لفلول أحد ابشع الانظمة المنحطة في تاريخ البشر؛ عبر فسادهم وشراهتهم ومنظوماتهم القيمية المتخلفة خلال الاعوام المنصرمة. ان عقائد التشرذم هي ما كانت تحتاجه هذه القطعان الضالة كي تعيد الروح لحلمها في العودة لفردوسها المفقود في بستان قريش، وهذه المرة عبر العباءة الفضفاضة والمجربة للبيارغ الاسلاموية والعزف على اوتار ذلك الارث الذي هجرته غالبية شعوب العالم أي الطائفية والشوفينية. مع مثل هذه العلوم والفنون المتخصصة في شرذمة البشر على اساس اللون والرطانة والزي والدين وغير ذلك من الموروثات التي تحولت عند الامم الحرة الى احتياطي هائل للتعددية والغنى والتراص والجمال، لا يمكن ان ننتظر حلولاً تعيد لسكان هذه المضارب المنسية شيئاً من حقوقهم في العيش كباقي الامم التي اكرمتها الاقدار بشرائع لا تبيح لمعتنقيها استباحة البشر..
جمال الجصاني

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة