التحالف الدولي .. نوايا وأفعال

ميثم الحربي*

ذكرنا في مقالنا السابق (تقويض داعش) ما يأتي: هناك تقويض فني لعناصر التنظيمات الجهادية المنتشرة في مناطق عديدة من العالم، ومنها العراق. ويتم هذا التقويض عبر ضرب المخابيء والأفراد بأسلحة الطيران أو بنيران الاشتباكات المباشرة في التخوم الملتهبة بين العراق وسوريا. فهل يكفي ذلك لتحقيق الخلاص؟
اليوم تعمل الولايات المتحدة الأميركية على جمع تحالف دولي (10 دول) لمكافحة الإرهاب الذي بات خطره عالميا. وعلى إيقاع جهود هذه المواجهة تم وضع استراتيجية تدمير لشطب الرايات القاتلة من معادلات الحاضر والمستقبل. هذا التحرك يجري حاليا خلال شهر أيلول الجاري الذي يجلب معه ذكرى حدث (11 سبتمبر) إلى طاولة النقاشات. فماذا سيعمل الغرب؟ وماذا سيصنع العرب؟ وكيف سيتخلص العراق من المقبرة التي تزحف بظلامها على جسده طولا وعرضا؟
في عملية (الجيرونيمو) ألقت أميركا، بن لادن في البحر، وقالت: لقد أصبح العالم اليوم أكثر أمنا. لكنّ العاصفة والطواعين مازالتا تغمران منطقة الشرق الأوسط، والعراق يحتل مكان العين منها.
وبالعودة إلى جهود المواجهة، نرى أنه قد وُضِعَت استراتيجية تضمنت قائمة تدمير فنية يبدو أمر تنفيذها سيكون مُناطا بحلف الناتو. ولكن هناك فقرة تحدثت عن ضرورة نزع الشرعية عن أيديولوجية تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام وما يماثله من جيوب مسلحة تنشط في مناطق متناثرة. في المقابل نجد أن مايدور في رأس القاعدة ويُدير أجيالها المتعاقبة من التنظيمات الحالية هي مجموعة نفايات عقائدية تنضح من أكثر أنواع المُضمرات القصصية ذهانية وفوضوية في تاريخ المنطقة المشترك، إذا ما قيست بالمبررات العصرية التي نعيش راهنا متنها المحتدم.
حاليا تعني الحرب الدولية على الإرهاب مطاردة وتوهين «الأصولية العالمية» في الشرق والغرب معا؛ لكون الانخراط في صفوف الجماعات المسلحة قام بتنويعه أوربيون، وأميركيون، وصينيون وغير ذلك من الجنسيات المتعددة. وهذا يعني أن الاستراتيجية المعدة لابد لها أن تراجع نسيجها وتلقي نظرة إلى الداخل لمراجعة مقولات شائكة تتحدد بالإسلام، وأوروبا، والغرب…
فيما مضى، قال (كارل ماركس) عن الصراع الذي كان مقتصرا على انكلترا وإيرلندا إنّ (وزن الأموات يُلقي بكلّ ثقله على أدمغة الأحياء). وعند نقل الصورة إلى العراق نجد أنّ كل صراعات العالم والمنطقة تلتهب على أرضه وتدكّ هيكله الزمني والمكاني وتقود بوصلته إلى جهة المحو. تُرى، كم يبلغ اليوم وزن الأموات فيه؟ وإلى أي حد وصلت فيه درجة انحناء الأحياء؟
إذن سيكون التحالف الدولي ضد داعش على غرار التحالف الدولي الذي اطاح بنظام صدام بعد غزو الأخير للكويت عام 1990. لكن جورج بوش الأب يعلق في لقاء قريب بمعلومة منزلية: أنا وزوجتي طالما أحببنا الكلاب. لقد اشترينا الكثير منها.
واستطرادا نقول: هل من الممكن أنْ يستقرّ العراق لوحده؟ مُستحيل. هذه الحقيقة المهمة التي يعكسها موضوع التحالف الدولي المُقام – بغياب إيران – من أجل القضاء على داعش. وفي خضم هذا النشاط الداعم، وغير المسبوق للعراق تبرز مجموعة من الملاحظات:
أولا: إن الأزمات التي تجوب العالم العربي، بعد موجة الربيع، وصولا إلى موضوع إسقاط النظام في سوريا، ولعبة كسر المحاور في المنطقة باتت تدفع بالخيارات العسكرية إلى الأمام على حساب تقهقر الدبلوماسية أو تعطّل مُشغّلاتها السياسية. فلقد حلّت أسراب الطائرات المقاتلة، ونغمة معالجة الأهداف، وانتهاج ضربات – تأديبية- هنا وهناك لتحجيم نفوذ نظام سوري مارق، أو تقويض جماعات مسلحة محلّ البنود ذات الطابع السياسي غير المسلح.
ثانيا: في التحالف الدولي الذي ينتظم من أجل هدف واحد هو التخلص من داعش وترددات الإرهاب بشكله الدولي تمّ عدّ «إيران» في قائمة «الغائب الأكبر»؛ الأمر الذي فجّر تكهنات عديدة تشكّك بنوايا هذا التحالف بشأن إيجاد رؤى مشتركة لمواجهة خطر الارهاب وتجفيف منابعه. ولكن الأمر بالنسبة لهذا الغياب من قبل دول حضرت مؤتمر باريس ليس بهذا التوتر مادام ظل يعتقد أنّ إيران قد تكون حضرت فعلا ليس على شكل «ذكر طيب» فقط بل كان حضورها بالوكالة، مادامت بقيت دولة مثل السعودية تنظر للعراق إبان فترة رئيس الوزراء المالكي أنه «مخطوف» من قبل إيران.. وفي هذا التحالف الذي يُحيّد هذه الدولة المؤرقة للمنطقة قد سيتم استرداد/ انتزاع العراق من براثن الدولة الصاعدة نوويا، ولكن هل ستسقط في مخالب دولة هي مسقط رأس أكثر الجهاديين فتكا في العالم منذ مقاتلي «القاعدة» وصولا إلى مقاتلي «داعش».
ثالثا: تطرح السعودية أن يمتد زمن التخلص من إرهاب داعش وتفريعاته إلى «10» سنوات على الأقل، وتقول «إنّ التهديد الذي يمثله هذا التنظيم تجاوز في جغرافيته العراق والشام»، وحول معلومة التجاوز الجغرافي يمكننا القول إنّ هذا التنظيم الإرهابي مُنح مدينة الموصل كهدية مادية بسبب شبكة الأموال وبقية المنابع الرطبة التي تغذيه بحيث بات خطر التجاوز الجغرافي تتخوف منه دولة مثل بريطانيا وتذكر لشعبها أنّ الإرهاب قد يضرب بريطانيا في الصميم مالم يتم تفاديه في الأماكن التي ينشط فيها.. وهناك تجاوز تاريخي يتعلق بذلك العفن المنظومي القابع تحت أشد شحنات الغلو جنونا يقوم تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام «داعش» بسحب كل مياهه الثقيلة وإلقائه دفعة واحدة على الأراضي العراقية. ويمكننا بجمع التجاوزين الجغرافي والتاريخي أنْ نتحدث عن خطر أكبر على التحالف الدولي أن يستأصله ماديا وروحيا الأفق.
رابعا: لقد كشفت أزمة الموصل أنّ تنظيم داعش خليط ملفق من البعث، وركبان من الملتحقين الأجانب في صفوفه، تخرجهم المعتقلات مثل غوانتانامو وما يُنسج على غراره في المنطقة العربية. وبارتفاع البعث كأحد الوجوه التي تتحرك في متن التنظيمات المسلحة على أرض العراق يتحتم الوقوف مليا من قبل السياسيين العراقيين أمام مباشرة تفكيك إرث البعث.. فقد كان أمر تفكيك إرث أبشع الأنظمة الفاشية التي عبثت بالعراق ومقدراته يعاني من الاجتزاء والارتجالية وقصور الرؤية. الأمر الذي جعل من العملية السياسية الجارية منذ 2003 إلى الآن متصلة وممتدة في تجسداتها لما كان يسير عليه النظام السابق من سياسات هوجاء.
خامسا: يركز التحالف الدولي اليوم على موضوع دحر التنظيم عبر حرب شاملة.. ويبدو حاليا أمر الشمول هذا مقتصرا على لحظة الأداء العسكري وعمليات ضرب الأهداف، التي باتت اليوم منقسمة بين أهداف عراقية وسورية بالتحديد من خلال تحرك التنظيم الذي ينشر راياته بين البلدين المكسوري الحدود.
سادسا: تتم قراءة المساندة الدولية للعراق اليوم أنها تندرج في إطار «انفتاح» هذا البلد على العالم.. وفي واقع الأمر أن العالم اليوم هو الذي ينفتح بشكل قصري ومفاجيء بسبب الظروف التي ألمت به مثل «أزمة الموصل» و»السياسات الطائفية» غير الناجحة التي انتهجها رئيس الوزراء السابق نوري المالكي حسب ما تقوله الولايات المتحدة الأمريكية.. ففي ما يتعلق بسياسات الانفتاح على العالم يمكننا بمراجعة سريعة تذكر حزمة السياسات غير النافعة التي تسببت بتعطل أمر انفتاحنا على العالم.. والدليل يكمن فيما كان متعلقا بخروج العراق من تحت طائلة الفصل السابع.. فمع هذا الخروج بقي أمر الانفتاح العارم مأمولا ولكنه ليس مجربا بالمعنى الحرفي للكلمة.. ومع هذا الحب المفاجيء للعوالم الدولية يمكن للعراق وهو بهذه الحالة أنْ يُماشي ويتناغم مع الدول الكبرى لكون أمر توطيد الاستقرار والأمن في العراق لا يتحقق إلا بقرار دولي وتحقيق تفاهمات إقليمية تنقلنا معها من لحظة بقائنا كساحة تصفية حسابات إلى ساحة مُصفّاة من أي قائمة حساب باهظة الثمن جرب العراقيون دفع فواتيرها وما يزالون.
سابعا: ومن جملة الخطط المعدة للتحالف الدولي في القضاء على داعش يجب أن تكون الاستمرار في الدعم لما بعد أمر اختفاء المسلحين الشرسين تحت الأرض من خلال المساعدة في إعادة ترميم المؤسسة العسكرية، والأمنية وبنائها على أسس مهنية وليست طائفية، أو جهوية. وليس ترك الأمر ثانية في عهدة «مفاوض عراقي!» جديد سنقول له فيما بعد «شكرا!».
إنّ هذه الملاحظات السريعة نرفقها بحدث الحراك السريع الذي يتحدث عن حرب شاملة لتصفية التنظيم، والارهاب، والمنابع.. وبالتالي التخلص من هذه الظاهرة البغيضة كما تقول السعودية..
في المقابل هناك بعض الدول تتردد وأخرى تمتنع، وثالثة تتخوف من الانخراط في التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة الامريكية.. وهذا الأمر متروك لتبادل صفقات من نوع ثقيل ليس العراق في وارد التعليق عليها الآن .. بسبب انشغاله بحرب الديموغرافيا الجديدة على أثر انفجار حشود النازحين والمعارك المتعددة الجبهات التي يفتحها عناصر تنظيم داعش على أرضه.. كل ما يهم حاليا هو توفير المزيد من خراطيم المياه لإطفاء الحريق الكبير داخل البلاد. وفيما بعد يمكن أنْ يعمل بشكل مدروس وهاديء مع حروب كسر المحاور وصراع النفوذ المريع الذي يدور حولنا في المنطقة.

*كاتب عراقي

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة