تحالف دولي وتشرذم وطني

جمال جصاني

برهن تطور الأحداث في العراق، بعد خروج القوات الاميركية والاجنبية عام 2011 طبقاً لبنود اتفاقية (صوفا) بين العراق والولايات المتحدة، عن غربة ذلك القرار عن المصالح الحيوية لسكان هذا الوطن المنكوب بالعقائد والبيارغ الشعبوية والمزاودات الصبيانية، تحت ذريعة مقاومة الامبريالية والاحتلال وغير ذلك من اليافطات التي تساقطت آخر أسلابها مع انهيار سور برلين وملحقاته من سلع الحرب الباردة بين المعسكرين الشرقي والغربي في العقد الأخير من القرن المنصرم. واليوم وبعد موجة الفواتير الباهضة التي هطلت على رؤوس الملايين من العراقيين المسالمين الذين تركوا لمصائرهم المؤلمة كفريسة سهلة لقطعان ما يعرف بـ(تنظيم الدولة الاسلامية في العراق والشام) في غير القليل من المدن والقصبات العراقية المستباحة، يشاهد العالم كله كيف تعرت كل هذه القوى التي هزجت وضجت بشأن (الخروج المذل لقوات الاحتلال) بمواجهة أول تحدٍ انتهك لا السيادة الوطنية وحسب بل ارتكب ابشع الجرائم التي يندى اليها جبين الدواب لا البشر، في أكثر من ثلث التضاريس الوطنية.
الولايات المتحدة من جانبها أدركت حماقة ذلك القرار وبعده عن الرؤية الاستراتيجية لمصالحها في المنطقة الاكثر سخونة في العالم (الشرق الاوسط)، وما استعانتها بخدمات الجنرال المتقاعد (جون آلن) صاحب الخبرة الطويلة في الحرب ضد المجاميع الارهابية في العراق، الا دليل واضح على ذلك، حيث اصدرت قرارها بتعيين الجنرال آلن منسقاً أعلى للتحالف الدولي ضد تنظيم داعش في العراق والشام.
ومن الاهمية بمكان الاشارة الى مواقف الرئيس الاميركي السابق جورج بوش الابن، والتي حذر فيها من مخاطر خروج القوات الاميركية قبل توفر شروط ومستلزمات هذا الانسحاب، حيث اشار بوضوح الى الفراغ الذي سيتركه انسحاب تلك القوات، واندفاع المجاميع الارهابية من مختلف بقاع العالم للعراق وخاصة بعد تعرضها لضربات مميتة في افغانستان، مما يوفر لها مناخات مناسبة لتنظيم نشاطاتها بشكل اوسع واعنف من السابق، وهذا ما حصل فعلاً بعد أقل من ثلاث سنوات على كرنفالات الاحتفال بـ(يوم السيادة الوطنية)..!
الحقيقة التي يتجنبها غير القليل من الضاجين على خشبة مسرح احداث ما بعد التغيير في 2003 ، هي ان تحول وطنهم الى ملاذ محبب لكل اليائسين من رحمة الارض والسماء، لم يأت بسبب المؤامرات الخارجية ودسائس الاستعمار والاستكبار والصهيونية العالمية وغير ذلك من المتربصين برسالة الامة الخالدة، بل جاء بالاساس لانه تحول الى الخاصرة الاكثر رخاوة وهشاشة في المنطقة، وذلك يعود الى حالة التشرذم الوطني الذي انحدر اليها سكانه من مختلف الازياء والرطانات أو ما أطلق عليه دستورنا الديمقراطي بـ(المكونات)، وهي المصطلح المخفف لما نضحت عنه تجربة الاشقاء اللبنانيين ودونه امين معلوف في كتابه (الهويات القاتلة). هذا التشرذم والتمترس الذي ازداد شراسة وهمجية في الاعوام الاخيرة، بسبب هيمنة القوى والكتل الطائفية والاثنية على مفاصل العملية السياسية والاجتماعية في البلد، هو من شرع الابواب أمام التدخلات الاجنبية بشؤونه وخياراته الوطنية، وقد شاهدنا مؤخراً ما حصل بعد جولة الانتخابات الاخيرة وكيف حسمت نتائجها الفعلية في مطابخ عابرة للحدود الوطنية.
هذا الواقع المؤلم يحتاج منا جميعاً الاعتراف به، ولا يجدي نفعاً تقنيات النعامة في الدفاع عن النفس، ومثل هذه الحقائق هي نتاج عقود من الهزائم السياسية والحضارية المتتالية، وما الزعامات الحالية المهيمنة على المشهد الراهن وطبيعة برامجها المتنافرة وحاجات الاجيال الحالية والمقبلة الا امتداد لذلك المشوار، والذي سيحتاج دائماً للغوث الدولي كي ينتشلنا من دورة الثارات الصدئة ضد بعضنا البعض.
إن التحالف الدولي والذي تقوده الولايات المتحدة الاميركية لمحاربة طاعون القرية الكونية (داعش) والمتجحفلين معه، سيحد من امكانية تمدده الى اماكن أوسع، وسيلحق به ضربات موجعة، لكن استراتيجية مكافحة الارهاب ستبقى مختلة من دون اتخاذ تدابير وسياسة متعددة الجبهات لمواجهة هذا الخطر المتربص بأمن واستقرار المجتمعات ونمط العيش الحديث. كما ان استمرار القوى الدولية والاقليمية في الاستثمار بحقول هذا الصراع المرير، وعلى حساب حياة ومستقبل سكان هذه البلدان المنكوبة، سيدفع المنطقة الى مآلات أشد عتمة مما تعيشه حالياً، خاصة مع ارتفاع منسوب التطرف والتشدد لدى غالبية اطراف الصراع في المشهد الراهن، حيث يمتطي المتشددون سنام المفاصل الحيوية للمجتمعات والدول، على حساب المشروعات الوطنية والانسانية المنسجمة مع حاجات العصر وتحدياته الواقعية لا الاسطورية كما هو رائج في مضاربنا المنحوسة.
لقد اعادت المحاور الدولية والاقليمية الحالية الروح لمناخات الحرب الباردة، ومع مثل هذه الاستقطابات تمكنت قوى الارهاب والتشدد من جهة وانظمة الاستبداد السياسي من جهة اخرى من تجنب مواجهة موقف موحد للمجتمع الدولي ضدهما، بوصفهما العدوين الاساسيين للأمن والسلم الدوليين.
لقد برهنت معطيات النكبة الاخيرة التي عشناها بعد اجتياح القطعان العابرة للجنسيات الوطنية، لكل ما يمت بصلة لثوابت الامة ومقدساتها في (السيادة الوطنية) و(العزة والكرامة) وغير ذلك من فولكلورنا المحلي، عن بؤس الحال الذي تدحرجنا اليه بعد عقود من القادسيات والفزعات الخائبة، ومع النجدة الاممية التي أوقفت آخر موجة من الغزوات عند حدود العاصمتين الاتحادية (بغداد) والاقليم (أربيل) يمكن ان تعيد لنا شيئاً من الحكمة والتواضع في التعاطي مع امكاناتنا الفعلية، كي نعيد ترميم قوانا المشتتة على خنادق التشرذم الوطني، وعسى ان تكتشف الأجيال الجديدة ولو متأخرة ذلك الارث الذي تركه لهم جعفر ابو التمن ورفاقه من رواد الوطنية العراقية، بوصفه خشبة النجاة المجربة من مثل هذه الطوفانات والكوارث المحدقة بمشحوفنا المشترك..

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة