بانتظار معركة طويلة

بيرند ريكيرت*

لم يخرج مؤتمر باريس لمكافحة الارهاب بشيء جديد, فقد تكلمنا بما فيه الكفاية, ويمكننا تحليل الأسباب في وقت لاحق. ما مطلوب الآن هو العمل لمواجهة تنظيم «الدولة الإسلامية» الارهابي.
دعا الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند في مؤتمر باريس لمكافحة تنظيم»الدولة الإسلامية» الارهابي. بحضور ممثلين عن ست وعشرين بلدا، بينما مثل العراق الرئيس فؤاد معصوم. وقد تحدث هولاند خلال الأسابيع الماضية عن لقاء قمة كبير يجمع رؤساء الدول والحكومات، لكن ذلك لم يحدث, ربما لأن التحالف ضد التنظيم الإرهابي موجود أصلا. ماقام به مؤتمر باريس هو فقط تأكيد ذلك.
لقد كرر هولاند أساسا ما قامت به الولايات المتحدة من حشد للتأييد, فقد حصل الرئيس الأمريكي باراك أوباما على دعم الحلفاء من المعسكر الغربي خلال اجتماع قمة حلف شمال الاطلسي في ويلز في وقت سابق هذا الشهر. وكان هولاند أحد هولاء الداعمين، لكن أراد الرئيس الفرنسي، الذي يواجه صعوبة على المستوى السياسي في الداخل، فرصة أخرى للظهور.
وتمكن وزير الخارجية الامريكية جون كيري, في الأيام القليلة الماضية أثناء جولته في الشرق الأوسط، من الحصول على تأييدعشرة دول عربية للانضمام مع هذا التحالف الفضفاض نسبيا. بالطبع، من المؤكد انه ليس هنالك اي ضرر من الاجتماع مرة أخرى في باريس، لكن الاجتماع لم يتمكن من تقديم اية ضمانات حقيقية في الحرب ضد داعش. فقد جددت المملكة المتحدة وفرنسا تأكيدها الاستعداد للمشاركة في الضربات الجوية الامريكية. وكررت الدول العربية استعدادها لعمل ماكان يجب القيام به منذ فترة طويلة وهو ايقاف تدفق الاموال الى الجماعات الارهابية, وقد حصلت معظم الجماعات الاسلامية المتطرفة على جزء كبير من تمويلها من اموال التبرعات والإعانات القادمة من المملكة العربية السعودية وقطر والكويت والإمارات العربية المتحدة. بينما أكدت دول أخرى مثل ألمانيا على عزمها بتزويد المقاتلين الأكراد بالاسلحة وتدريبهم على استخدامها. كما شدد التحالف أيضا على منع تنظيم داعش من بيع وتصدير النفط، خاصة انه حاليا في وضع يمكنه من القيام بذلك.
واشار رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون, الى ان الضربات الجوية وتوفيرأسلحة حديثة للأكراد لن تكون كافية لتدمير داعش، حيث تقدر وكالة الاستخبارات المركزية أن هناك مايقارب من 30,000 عنصر تابع للتنظيم لا يعملون فقط في الصحراء, بل حصلوا على موضع قدم في بعض المدن والمناطق السكنية. وعليه فليس من الممكن هزيمة هذه المليشيات من الجو دون استعداد لقبول عدد لا يحصى من الضحايا المدنيين. وفي نهاية المطاف، سوف تكون هناك حاجة لوجود قوات برية إذا كان هذا التحالف يريد فعلا القضاء على تنظيم داعش.
ولكن الأهداف التي صيغت في باريس، جاءت أكثر تواضعا وأقل واقعية. حيث اشارت في البيان المشترك الى «ازالة» تنظيم داعش من المناطق التي أسس نفسه فيها في العراق. ولكن ماذا عن سوريا وتركيا ولبنان؟ قد يكون هذا التحالف الجديد قادرا على احتواء انتشارعصابات القتل الوحشية، ولكن ليس أكثر من ذلك.
وطالب المشاركون في المؤتمر بأن تسير الاجراءات وفقا للقانون الدولي، حتى لايتكرر ما حدث في حرب العراق عام 2003، عندما عمدت الولايات المتحدة وحلفاؤها الى بدء العمليات العسكرية دون الحصول على تفويض من الأمم المتحدة. لكن هذا التفويض يتطلب موافقة الصين وروسيا. وفي ضوء الازمة الحالية مع اوكرانيا، فمن المحتمل ان موسكو لن تقبل بالمشاركة. وحيث ان الوقت هو جوهر المسألة، فلن تكون الولايات المتحدة قادرة على الانتظار طويلا لروسيا أو لتفويض لامم المتحدة. سيكون عليها ضرب داعش في سوريا دون تفويض, لتتمكن من مواجهة الإرهاب الذي الذي يمكن ان يمتد بسهولة من العراق وسوريا ليصل الى أوروبا والولايات المتحدة، وينبغي أن تكون هذه مهمة حلف شمال الاطلسي، ومنظمة الأمن والتعاون في أوروبا ، لتأكيد القيم التي ينادي بها الاتحاد الأوروبي.
ولكن عندما أخذت الامور منحة جديا, أتضح ان هذا التحالفات الدولية لاتعطي القضايا الاهتمام الذي تستحقه. حيث لم يتوصل حلف الناتو ولا الاتحاد الأوروبي للاتفاق على موقف موحد. وسافر عدد قليل من الأعضاء بشكل فردي إلى باريس لحضور المؤتمر. بينما تقدر الأجهزة الأمنية أن هناك بالفعل حوالي 2000 عنصر قد تم تدريبهم من قبل داعش ويمثلون خلايا نائمة في أوروبا بأنتظار أشارة من التنظيم للبدء في مهامتهم. وبالتالي فإن الخطر كبير جدا وجدي، وخاصة على الدول الكبرى في حلف شمال الاطلسي والاتحاد الاوروبي مثل فرنسا و بريطانيا وألمانيا. حيث قام احد عناصر تنظيم داعش ويحمل الجنسية الفرنسية, بقتل أربعة أشخاص في بلجيكا في شهر مايس.
لذلك فقد حان الوقت بالنسبة للبلدان الأوروبية للبدء في العمل معا، وليس هناك وقت للتملص من هذه القضية كما في الماضي، والاستمرار بالتفكير ان الولايات المتحدة سوف تتحمل القيام بكل شئ. كما انه لا وقت للاختباء وراء حجة أنه مايحدث الان هو بسبب غزوها للعراق عام 2003، فأذا كانت فرضية ان الولايات المتحدة هي المسؤولة عن حالة الفوضى في العراق وبروز الميليشيات الإرهابية الجديدة, صحيحة. الا ان بقية دول العالم بدأت تبتعد منذ عام 2006 ، بعد أن أصبح واضحا أن قنبلة موقوتة، تتمثل بمنظمة ارهابية وحشية تدعي الاسلام, ظهرت في العراق, وقامت بتغيير اسمها مرارا قبل أن تصبح أخيرا التهديد الذي نواجه اليوم.
لقد قامت داعش بقتل مئات المدنيين بكل وحشية خلال السنوات الاخيرة, وبالكاد أثارت هذ الجرائم الصحف في أوروبا، لقد أفاق الساسة الغربيين فقط حين بدأ التنظيم بمحاصرة الآف العراقيين, وذبح ثلاثة من الرهائن الغربيين خلال الأسابيع القليلة الماضية.
الضغط كبير جدا الان, لدرجة اضطرت الرئيس أوباما للقيام بعمل عسكري ضد ارادته. الضغط الآن كبير جدا بحيث أنه للمرة الأولى على الإطلاق، تقوم الحكومة الألمانية بتزويد منطقة نزاع بالاسلحة. الضغط يسفر عن مؤتمر مثل مؤتمر باريس. الضغط يجب أن يؤدي إلى «تحالف فعلي» ليحررنا من التهديد الإرهابي. والتدابير التي أعلن عنها حتى الآن لن تكون كافية.

ترجمة: أسيل نوري عن صحيفة Deutsche Welle

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة