الأخبار العاجلة

الصورة اليوم بين تحوّلات الدين وانقلابات الفنّ

العادل خضر*

«اقتلوا الفنّانين أوّلا..» رودلف هتلر
تثير قصّة المصوّر الفوتغرافي والمخرج السّينمائي ويلي سالك Willy Zielke مع الرّايخ الألماني الثّالث سؤال طبيعة العلاقة بين الفنّ والقوى الّتي تحظرها سواء أكانت هذه القوى سياسيّة كليانيّة أم دينيّة إرهابيّة. تعود أحداث هذه القصّة لمّا أراد الرّايخ الألماني الاحتفال سنة 1935 بمرور مائة سنة على تأسيس أوّل سكّة حديديّة ألمانيّة. وقد كان رهان الرّايخ آنذاك من هذا الاحتفاء هو الاحتفال بالوحدة الألمانيّة الّتي لم تتحقّق سياسيّا إلاّ مع بيسمارك سنة 1870. فمشروع الرايخ يخالف الوقائع التّاريخيّة، لأنّه في سنة 1935 لم تبلغ الوحدة الألمانيّة بعد مائة سنة. إلاّ أنّه في هذه السّنة طلب المسؤولون النّازيون من ويلي سالك أن يصوّر فيلما دعائيّا في هذا الغرض. وكانوا ينتظرون من هذا العمل السّينمائيّ أن يعرض قصّة بطوليّة تجعل من الشّعب الألمانيّ بأسره قائد القاطرة الّتي تقود “قطارات النّصر والكراهية”. غير أنّ الفيلم، وعنوانه “الحيوان الفولاذيّ” « La bête d’acier-Das Stahltier»، خيّب انتظار الكثير من النّاس، وعلى رأسهم بيروقراطيّي شركة “السّك الحديديّة للإمبراطوريّة الألمانيّة” « Reichsbahn»، وأثار حفيظة قوبلز Goebbels (1897-1945)، أحد المسؤولين الأقوياء في الرّايخ الثّالث، الّذي لم يتوان من حظر الفيلم ومنعه، ومعاقبة مخرجه بالزّجّ به في مَصحّة عقليّة طيلة سبع سنوات عومل فيها معاملة مُهينة للذّات البشريّة. ورغم نكد طالع المخرج فإنّ فيلم “الحيوان الفولاذيّ” قد أُنقذ من مصير الإتلاف، وصُنّف في الأرشيف السّينمائي بوصفه “الفيلم الّذي تسبّبت جماليته الطّلائعيّة في حظره من قبل بيروقراطيّة Reischbahn.

الاقتصاد المرئي
وقد طرحت الفيلسوفة الفرنسيّة ماري جوزي موندزان Marie José Mondzain وهي توطّئ لتحليل هذا الفيلم هذا السّؤال: ما الّذي يوجد في الأثر الفنّيّ من قوّة تجعله لا ينعم دائما وأبدا برضى الدّكتاتور، بل تثير حنقه وعنفه تماما مثلما تثير قوى الحرّيّة العنيفة وتطلقها من عقال؟ هذا السّؤال الّذي تصرّفنا قليلا في صياغته يخصّ في واقع الأمر الصّورة بصفة خاصّة والمجال المرئيّ بصفة عامّة الّذي تتصارع للهيمنة عليه قوى عظيمة في حرب ضروس تسمّى حسب عبارة سارج قروزنسكي Serge Gruzinski الجذّابة”حرب الصّور“. ولعلّ طرافة هذا السّؤال ليست نابعة من القوى الّتي يطلقها الأثر الفنّيّ، والصّورة تحديدا، وإنّما من تلازم انبثاق هذه القوى الّتي تطلقها الصّورة فتعود إليها إمّا لتصونها وتدافع عنها باسم الحرّيّة، أو ترتدّ عليها لتدمّرها وتنفيها تماما باسم مقدّس من المقدّسات. هذا التّلازم هو ما نريد تبيانه عندما تصبح الصّورة موضع تجاذب وفضاء حرب بين الفنّ والدّين. وليست هذه الحرب بالجديدة، يكفي أن نستحضر تاريخ أعداء الصّورة ونفاة الأيقونات les iconoclastes وصراعهم الدّمويّ مع عشّاقها وعبّادها حتّى نفهم أنّ رهانَ هذه الحرب الخفيَّ ليس الصّورة في حدّ ذاتها، وإنّما كان في كلّ الأطوار الّتي تقلّبت فيها الصّورة هو الهيمنةَ على المجال البصريّ والتّحكّم في اقتصاد المرئي بتحديد قواعد إنتاج الصّورة واستهلاكها.
هذه القواعد هي الّتي تشغلنا لأنّها ما برحت تُصاغ كلّ يوم على نحو مختلف طالما أنّ تحوّلات الدّين وانقلابات الفنّ لم تعرف الثّبات منذ الانفجار البصريّ الهائل الّذي اندلع يوم ظهرت صناعة الفوتوغرافيا إلى الوجود.
يكفي في هذا السّياق أن نستحضر ما أصاب المجال المرئيّ في بعض المجتمعات الإسلاميّة من هزّات عنيفة صاحبت انتشار الصّور المسيئة لرسول الإسلام، أو ما أثاره عرض شريط برسيبوليس من هيجان انفعاليّ لدى طائفة هشّة التّديّن كانت تعبئتها يسيرة، وتوجيه غضبها لتدمير الصّورة أيسر. ولا نرى داعيا للإكثار من الأمثلة. فالتّجاذب العنيف بين الفنّ والدّين قد أصبح اليوم معطى ملموسا ما فتئت الأحداث والوقائع تؤكّده يوما بعد يوم. والغريب أنّه كلّما تجلّى على نحو صاخب اتّخذ من الصّورة بمختلف أنواعها موضعا للحرب.
هذا الصّخب الّذي يدوّي بعنف كلّما اندلعت”حرب الصّور“هو ما نراه جديرا بالإنصات إليه. فوراء ذلك العنف الصّاخب أنين شيء مّا أصيب إصابة بالغة ما فتئت الصّورة اليوم تعمّق من جراحه. وليس ما أصيب اليوم سوى أبنية المناعة الرّمزيّة الّتي كان الدّين، بما يوفّره للجموع من دروع الوهم، يعمل يوميّا على صيانتها.
علينا في هذا المقام أن نستحضر قول ماركس الشّهير وهو يتحدّث عن الدّين بكلام كالشّعر”الدّين أنين المخلوق المضطهد، وأحاسيس عالم بلا روح. الدّين روح ظروف بلا روح. الدّين أفيون الشّعوب“. فـالدّين كالأفيون، كالإكسير السّحريّ في قصص الحبّ، لأنّه يخفّف عن الإنسان قسوة العالم وثقله مادام كلّ ثقيل غير إنسانيّ بالضّرورة. من هذا المنظور المناعيّ immunitaire فقط ينبغي أن نعيد فهم قول ماركس الشّهير”الدّين أفيون الشّعوب“الوارد في كتابه”أطروحات حول فيورباخ“. ولعلّ ما يحدث اليوم في المجتمعات الّتي شهدت عودة الدّينيّ بعنف غير معهود يحملنا على مراجعة قول ماركس هذا،”الدّين أفيون الشّعوب“، ونتساءل: أما زال الدّين يضطلع بهذا الدّور في سياق ما يسمّيه الفيلسوف الألماني بيتر سلوترداك Peter Sloterdijk”حرب الخفيف ضدّ الثّقيل“.”
وهي حرب ذات وجوه كثيرة. ولكن على خلفيّة هذه الحرب، أو هذا الصّراع بين الخفيف والثّقيل، ظهرت من جديد المسألة الدّينيّة، بما أنّ التّخفيف هو المكافئ الحديث لما كان يسمّى في الأديان الكلاسيكيّة كالمسيحيّة بالخلاص والنّجاة le salut. فما يروّح ويخفّف يقوم اليوم مقام ما كان ينقذ وينجّي. ذاك هو جوهر الأزمنة الحديثة المحض).“
توجد تفسيرات متنوّعة تبيّن أنّ دور الدّين الفعّال في حماية أبنية المناعة الرّمزيّة قد ضعف كثيرا، بل لعلّه اضمحلّ تماما حتّى في أشدّ المجتمعات تديّنا شأن المجتمعات الإسلاميّة، وهذه الأطروحة على غرابتها هي ما نودّ تبيانها في هذا المقام.

المحظورات
ففي روسيا الحالية، يذكر لنا الفيلسوف الألمانيّ، الرّوسيّ الأصل، بوريس غرويس أنّ طرائق استعمال الأيقونات قد نُسي تماما، فكثير من النّاس لا يذكرون ما ينبغي القيام به في الكنيسة، ولا يعرفون كيف يرسمون علامة الصّليب بطريقة صحيحة، بل هم قد نَسُوا تماما كيف يتعاملون ويعاملون الأرشيف الدّينيّ. لقد نسُوا معنى الورع والزّهد ascèse. وقد حملهم هذا النّسيان على استعمال أيقونات الكنائس للتّدفئة دون أن يعلموا أنّ هذه الأشياء لا يسمح باستعمالها مثلما أنّه لا يسمح باستعمال لوحة الجوكندا لتفرش على الطّاولة ويوضع عليها الطّعام. ماذا يعني النّسيان هاهنا؟ يقول غرويس”يعني النّسيان بكلّ بساطة أنّه يسمح لنا بأن نستعمل أشياء كان استخدامها محظورا فيما مضى. لقد نسينا المحظورات، فالشّيء الوحيد الّذي أمكننا نسيانه، ونسيناه بالفعل، إنّما هو الحظر ()l’interdiction“.
ألا يكون نسيان هذا الحظر هو وراء كلّ الأشياء الفظيعة الّتي تنجز باسم الدّين كحرق أضرحة الأولياء وذبح الأبرياء وتحويل أفضية العبادة إلى ثكنات عسكريّة للتّعبئة وتخزين الأسلحة؟ إنّ عبارة”باسم الدّين“الّتي لاكتها الألسن حتّى ابتذلت لم تحظ بعد بالتّأمّل الفكريّ المطلوب. فما يمارس”باسم الدّين“،
وما يقال”باسم الدّين“، وما يحظر ويباح”باسم الدّين“في المأكل والمشرب واللّباس وممارسة الجنس، إنّما هو ضرب من ممارسة”الأصوليّة“في الحياة اليوميّة. وليست”الأصوليّة“كما يفهم اليوم أو كما شاع فهمها هي عودةَ الماضي في أثواب جديدة، أو ممارسةَ شعيرة عبادة الموتى من السّلف، كما يمارسها السّلفيّون وغيرهم على صعيد الأسماء أو التّاريخ باستئناف بعض الحوادث الماضية، وتكرارها بجعلها أطرا جديدة للفهم والعمل. إنّما”الأصوليّة“ظاهرة حديثة كلّ الحداثة لأنّها محاولة من محاولات لبسط سلطان التّقاليد أو انتشار نفوذ سنّة ثقافيّة جهويّة وما قبل حداثيّة، وبطموح حداثيّ وكونيّ. فما يسمّى اليوم بـ”أخونة الدّولة“أو”أسلمة المجتمع“يدخل في باب هذه المحاولات المتكرّرة. وبهذا الاعتبار ليست”الأصوليّة“الدّينيّة أو الوطنيّة (في مظهرها النّازيّ أو الفاشيّ) سوى ممارسة لضرب من”الجاهز“ready made في خضمّ الفضاء العموميّ.
ومن هذا المنظور أيضا، يمكننا اعتبار”الأصوليّة“الدّينيّة شكلا من”الجاهز“لأنّها تتّخذ شكلا من الثّقافة المنغلقة المكتملة، أو شكلا من التّفكير الما قبل حداثيّ (كفكر ابن تيميّة…)، فتهبه أساسا إيديولوجيّا سياسيّا حديثا. فـ”الأصوليّة“بهذا المعنى للجاهز هي فكر قديم في ثوب إيديولوجيّ سياسيّ حديث. وهي في الواقع لا تختلف كثيرا عن الجاهز في الفنّ الّذي يأخذ عناصر مادّيّة مصنوعة مستعملة ويحوّلها إلى عمل فنّيّ حين ينقل هذه الأعمال من فضاء الاستعمال اليوميّ إلى الفضاء الفنّيّ كالمعارض والمتاحف() .

المناعة الرمزية
إذا سلّمنا بانّ ما يمارس أو يزاول بـ”اسم الدّين“هو شكل من أشكال”الأصوليّة“الدّينيّة، وأنّ”الأصوليّة“ظاهرة من ظواهر ready made أو”الجاهز“السّياسيّ، فإنّ ما ينبغي أن نفكّر فيه هو ما يلي: هل فَقَدَ الدّين بهذا التّحوّل دوره القديم بما هو حارس من حرّاس المناعة الرّمزيّة، فأصبح كالفيروسات يعمل على تدميرها؟ هل ينبغي أن نفهم هذا التّحوّل في إطار”نظريّة التّعفّن والعدوى théorie de l’infection“فننظر إلى جميع الأصوليّات الدّينيّة الصّاعدة والمتكاثرة على أنّها فيروسات ثقافيّة تميل إلى أن تكون علامات ذات محتوى فقير، ولكنّها تتقمّص طوال انتشارها الوبائيّ الحدّ الأدنى من القاسم المشترك الثّقافيّ، شأنها في ذلك شأن الرّاب في الأغنية، والخربشات والرّسوم الحائطيّة (جماعة أهل الكهف)، وثقافة الأندارقراوند عموما، بوصفها حركة تميل إلى شطب الاختلافات على نحو متنام تصاعديّ؟ أم هي تعبير حادّ عن نشوء أجساد ثقافيّة جديدة لم تنفكّ عن النّموّ والتّشكّل، ويقتضي تشكّلها أن تفترق وتتميّز وتنفصل عن الجسد الاجتماعيّ، وهو ما يجعلها تشتغل تماما كالفيروسات في المستوى الثّقافيّ الأدنى، فتخترق على نحو ناجع أبنية المناعة الثّقافيّة؟ إنّ استعارة الفيروسات الوبائيّة تستعمل لتفسّر سبب سرعة انتشار هذه الأصوليّات الدّينيّة الجديدة، وهو ما يضعنا أمام ظاهرة الانتشار المزدوجة الطّابع. فنحن من ناحية نقبل بانتشار الأفكار والبضائع لمّا تتخطّى حدودها الأولى، ولكنّنا نعزو من ناحية أخرى كلّ انتشار آليّ سريع إلى العدوى، فنفسّرها وفق منوال وبائيّ épidémiologique. وفي الواقع حينما نفسّر أيّ ظاهرة سريعة الانتشار بالعدوى فإنّنا نعرب بهذا التّفسير عن هلعنا من وقع الصّدمة الّتي كانت تصيب الجماعات في بعض التّجارب الجماعيّة القديمة الصّادمة.
أمام هذه التّحوّلات الّتي يشهدها الدّين اليوم، وسرعة انتشار أشكاله الجديدة، نتساءل كيف يعمل الفنّ اليوم؟ وهل تفرض عليه تحوّلات الدّين بعض الانقلابات renversement (بالمعنى المسرحيّ للكلمة) في إستراتيجيّاته الإبداعيّة لمّا يضحي مدار الصّراع الصّورةَ؟

الصورة والمقدس الديني
يمكن أن ننطلق من هذه الشّذرةaphorisme الّتي تنسب إلى كارل أندريCarl André ويقول فيها:”الثّقافة هي ما فعله الآخرون بي، أمّا الفنّ فما أفعله أنا بالآخرين.“. يؤكّد هذا القول طابع الفنّ الفرديّ الذّاتيّ المعزول، ولكنّه يؤكّد من ناحية قوّة تأثيره ونجاعته الرّمزيّة، لأنّ الوسائط الّتي يستخدمها أهل الفنّ كالصّورة هم في واقع الأمر المتحكّمون في صناعتها وانتشارها وتوزيعها. وإذا كان الفنّانون هم صنّاع الصّورة بجميع أصنافها فإنّنا نتساءل: ما الّذي اقترفوه من خطيئة وجريمة وإثم لمّا أصبحت الصّورة لا تعترف بأيّ نوع من أنواع المحظور الجنسيّ (البرنوغرافيا)، أو الممنوع السّياسيّ (الفضائح)، أو المحرّم الدّينيّ (التّجسيم والتّشخيص)، فأضحت تقتحم كلّ مقدّس دينيّ، وتعمل على إقحامه في مجال الاستعمال الدّنيويّ، وجعله بضاعة جاهزة للاستهلاك البصريّ؟
لمقاربة هذه المسألة، نحتاج في البداية إلى تجديد النّظر في مفهوم المقدّس ذاته على ضوء بعض المراجعات الفلسفيّة الجذريّة لهذا المفهوم الّذي ابتذله الاستعمال الشّديد حتّى نسيت معانيه الأولى.
يذكر الفيلسوف الإيطالي جورجيو آقمبن Agamben Giorgio أنّ رجال القانون الرّومانيّين كانوا يعلمون حقّ العلم ما يعنيه لفظ «profaner». فالأشياء الّتي كانت بحوزة الآلهة إنّما هي مقدّسة أو دينيّة. ولمّا كانت هي كذلك فقد خرجت من مجال الاستعمال، وانفصلت عن مجال المبادلات والتّجارة، فتعذّر بيعها أو شراؤها، وبطلت إعارتها ولو بالمواثيق ورهنها ولو بالعهود. وبذلك اعتبر انتهاكُ هذا الضّرب من الأشياء الموسومة بانفصالها عن مجال البشر والمختومة بالتّوقيف الإلهي جريرةً من الجرائر وكبيرةً من الكبائر).
وإذا كان لفظ «Consacrer – Sacrare» يعني خروجَ الأشياء من دائرة القانون البشريّ بما يجعلها محرّمة على البشر، فإنّ لفظ «profaner» يعني عودة الأشياء إلى استخدام النّاس المعهود الحرّ، فهي في حلّ من كلّ قيد وشرط يربطها بدائرة القانون الإلهيّ.
ويمكن أن نلاحظ ما في لفظ”مقدّس“من غموض. فنعت sacer هو لفظ من الأضداد. فهو يعني”المنذور إلى الآلهة“وكذلك”الملعون، المنبوذ من الجماعة“. ولا يعود هذا الغموض إلى لبس جوهريّ في اللّفظ، وإنّما هو غموض ملازم مكوّن لعمليّة «profaner» ونقيضها عمليّة « Consacrer – Sacrare ». وفي هذا المقام يذكّر آقمبن Agamben أنّ لفظ «Sacrare» يعني في اللاّطينيّة”فصل“. فما هو المقدّس؟ هو ذاك الّذي بعمليّة الفصل قد انسحب من استعمال النّاس، أو فضاء الاستعمال العامّ.
إذا سلّمنا بهذا التّعريف لمفهوم المقدّس أصبح من اليسير وصف الأدوار الجديدة الّتي اضطلع بها صنّاع الصّورة اليوم، وهي أدوار تفسّر ما طرأ على مفهوم الفنّ ذاته من انقلابات.
فإذا كان الفنّانون هم صنّاع الصّورة، وكانت الصّورة بطبيعتها لا تعترف بالمحظور تقتحم كلّ مقدّس دينيّ وتسعى إلى إقحامه في مجال الاستعمال الدّنيويّ فتحوّله إلى مشهد مرئيّ وبضاعة جاهزة للاستهلاك البصريّ، صار أهل الفنّ هم سادة المقدّس الجدد، يعملون على محو حدوده المسطورة في الصّورة وبالصّورة، وذلك بإلغاء مفهوم”الفصل“ذاته الّذي ينهض عليه المقدّس ذاته.

حرب الصور
فالصّورة تنفي فعل «Sacrare» ذاته، أي العمل الّذي يتولّى فصل الأشياء والذّوات والأجساد من الاستعمال الفرديّ والاستهلاك العموميّ، ويلغي حقّ التّمتّع بها. وهي بهذا الصّنيع تزاول ضربا جديدا من «profanation» لا يقوم على فصل المفصول بنقله من فضاء الألوهة إلى الفضاء البشريّ، وإنّما بتدمير كلّ الحدود الّتي كانت تفرّق كون الآلهة عن عالم البشر. غير أنّ الفنّ، وهو يستولي عبر صنّاع الصّورة على مجال المرئيّ برمّته، يواجه مفارقة غريبة. فهو من جهة يقاوم أولئك الّذين يحاولون المحافظة على حدود المقدّس بخوض حرب أخرى من”حرب الصّور“رهانها الهيمنة على المجال المرئيّ، ولكنّه لا يخوضها ليدمّر الحدود القديمة الفاصلة بين الدّنيويّ والمقدّس، وإنّما هو يخوضها ليصنع شكلا جديدا من المقدّس يقوم على نقل ما كان داخلا في دائرة الاستعمال اليوميّ إلى أفضية الفنّ.
أمّا الوجه الأوّل من المفارقة فنلاحظه في سلوك بعض المجتمعات كالمجتمعات الإسلاميّة بوجه خاصّ. فما تحاول هذه المجتمعات، جاهدة ومجتهدة، فصله حتّى لا يلمس هو هذا الّذي انسحب من حياة النّاس بطرق شتّى أبرزها تنزيهه بعدم تجسيمه في صورة، أو استحضاره بتجسيمه في صورة. وكلّما لمس هذا المقدّس أو انتهك اندلعت حرب عنيفة تسمّى”حرب الصّور“. والمشكل اليوم أنّ المقدّس قد صار معرّضا أكثر من أيّ وقت مضى للانتهاك المستمرّ في المجتمعات الحديثة. وهذا الانتهاك يجري اليوم بالصّورة الّتي لا تعترف بالمقدّس. وهي لا تعترف به عندما تجسّمه، كأن تُجسِّم الذّات الإلهيّة في مقطع من فيلم، أو تُشخِّص الرّسول في صور كاريكاتوريّة، أو تَعرض حياةَ بعض الأنبياء في مسلسلات تلفزيونيّة. وهي حين تجسّم بالصّورة المقدّس المنفصل عن الاستعمال البشريّ، إنّما تعيده إلى الدّائرة البشريّة في شكل لا يوافق تصوّر المقدّس عند حرّاس المقدّسات باختلاف فصائلهم وأطيافهم من المتديّنين والأصوليّين والمتحكّمين في إدارة الشّأن الدّينيّ.
من هذا المنطلق لا فرق بين فيلم يعلن عن عدم إيمانه بإله الجماعة والأمّة (فيلم نادية الفاني،”لا ربّي لا سيدي“)، أو بين فيلم يتضمّن لقطة فيها تجسيد للذّات الإلهيّة المقدّسة (برسيبوليس)، أو مسلسل يصوّر قصّة نبيّ من الأنبياء، أو صور كاريكاتوريّة تجسّم شخصيّة رسول المسلمين. كلّ هذه الصّور على اختلاف منطلقاتها ودوافعها الإيديولوجيّة والفنّيّة والنّفسيّة تنتهك المقدّس ولا تعترف به، لأنّ طبيعة تلك الصّورة، خاصّة تلك الّتي جعلت من المقدّس موضوعها، عنيفة صادمة بسبب انخراطها في حرب ضروس ناعمة هي”حرب الصّور“. فالصّورة اليوم قد أضحت موضعا من مواضع العنف الكثيرة. وليس تدميرها أو صيانتها سوى مظهر آخر من”حرب صور“، رهانها الأكبر هو الاستحواذ على”مونوبول“المرئيّ، والهيمنة على الصّور الّتي تمثّله وتبنيه.

المعبد والمتحف
أمّا الوجه الثّاني من المفارقة فهو انقلاب الفنّ بتحويل موضع المقدّس من المعبد الدّينيّ إلى المتحف الفنّيّ. فالمشترك بين المعبد والمتحف هو استحالة الاستعمال وحظر الاستهلاك. فما كان محظورا استعماله واستهلاكه في الفضاء العموميّ بسبب انتقاله إلى المعبد (كنيس، كنيسة، جامع)، مركز فضاء الألوهة المقدّس، قد أضحى محظورا ممنوعا استعماله بسبب انتقاله إلى فضاء المعرض أو المتحف. وليس المتحف مجرّد مكان مادّيّ محدّد، وإنّما هو بعد من الأبعاد قد انفصل ونقل إليه كلّ ما صار ينظر إليه على أنّه فقد قيمة استعماله، وكفّ عن أن يكون طبيعيّا (كالمحميّات الطّبيعيّة)، أو واقعيّا (كالمواقع الّتي سجّلت بوصفها جزءا من التّراث الإنسانيّ)، أو حقيقيّا (كمجموعة بشريّة مازالت تحافظ على شكل حياة آيل بطبعه إلى زوال). ولكن نعتبر بصفة عامّة أنّ كلّ شيء اليوم يمكن أن ينقلب إلى متحف منذ اللّحظة الّتي يعيّن فيها بهذا اللّفظ (متحف) شيء قد صار قابلا للعرض بمجرّد استحالة استعماله أو السّكن فيه أو تجريبه. فالمتحف بهذا الاعتبار صار يشغل الفضاء الّذي كان يحتلّه المعبد، ويضطلع بالدّور الّذي كانت تنهض به المعابد بوصفها مكانا للأضحية، وتقديم الأضاحي والنّذور. ولا تقتصر هذه الوظيفة على فصل الأشياء والأشخاص عن وظيفة استعمالها فحسب، وإنّما تجعل من كلّ ما استحال استعماله والتّمتّع به موضوعا للعرض والفرجة. فما تعرّض له العمل الفنّيّ، والصّورة بوجه خاصّ، من انقلاب في”عهد تكرار إنتاجها التّقنيّ à l’époque de sa reproductibilité technique“هو اكتسابه لقيمة جديدة مختلفة عن قيمتي الاستعمال والتّبادل أطلق عليها والتر بنيامين Walter Benjamin اسم”قيمة العرض» valeur d’exposition. وهذا المفهوم يخصّص على نحو دقيق حال الأشياء والأجساد في مجتمع الاستهلاك والفرجة.
والغريب أنّ هذه القيمة لا تخصّ الأعمال الفنّيّة الرّائجة في سوق البضائع الرّمزيّة، كسوق الفنّ والصّورة، وإنّما شملت البزنس الدّينيّ الّذي اتّخذ من القنوات التّلفزيّة والصّورة الكاتوديّة وسيطا جديدا لترويج الخطاب الدّينيّ، وعرض الطّقوس المختلفة الّتي تصاحبه في الصّلاة والحجّ والأعياد… ومن الطّبيعيّ أن يخضع الماسكون بالشّأن الدّينيّ لسلطان هذا الوسيط الّذي ساهم بمؤسّساته العملاقة وتكنولوجياته الرّقميّة الهائلة في تغيير المشهد المرئيّ، وفي تغيير مفهوم الدّين ذاته، على نحو تجلّى في تحوّلاته العنيفة الّتي ساهمت في صناعة أزمات الإنسان الدّيني المتتالية.

*عن موقع الأوان

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة