الأخبار العاجلة

المصير المأساوي للسينما بعد إن تحولت اماكنها إلى مخازن للسكراب

كان في العراق أكثر من 86 داراً للعرض

متابعة ـ الصباح الجديد:

كنت اتجاذب اطراف الحديث مع صديق لي هو كاتب سيناريو مصري الجنسية الذي كان يزور بغداد قبل مدة غير بعيدة من الزمن وطلب مني ان اكون معه ليستطلع معالم مدينة بغداد التي بناها الخليفة المنصور بعد ان اصابها الخراب والدمار بعد احداث عام 2003 ، والمحاولات الرامية لاعادتها الى سبق عهدها من دون جدوى.
قال طالما قرأت عن المدينة المدورة ذات الابواب الاربعة فغلب علي الشوق ان اراها على حقيقتها كما كانت ، ولكن يبدو لي انني جئت الى العاصمة بغداد بعد فوات الاوان ، وكم كان بودي ان اعمل هنا في دائرة السينما والمسرح لكي اعد السيناريوهات لعدد من الافلام التاريخية والوثائقية ، ولكن ربما في المستقبل ان صلحت الامور وعادت كما كانت عليه ، وليس على هذا الشعب العريق بيسير .
اشرت له الى دور العرض السينمائية في شارعي السعدون والرشيد ومنعطف سينما الخيام فقلت له ان واقع السينما في العراق اصبح مأساويا وثمة انقراضات متتالية لها، حتى بات من الصعب ان تجد دارًا صالحة للعرض او تمتلك مواصفات الدار التي كانت قبل عقدين من الزمن في الاقل، بعدما تآكلت بفعل الظروف العراقية التي ابتدأت منذ عام 1980 حيث الحرب العراقية الايرانية التي رسمت شحوبها على واقعها لتأتي سنوات الحصار الاقتصادي لتفتك بها تمامًا، بعدما تعطلت تمامًا مسألة استيراد الافلام.
فما عادت تلك الدور تستقطب الجمهور في عقد التسعينيات من القرن الماضي الا شرائح قليلة جدا من المراهقين الذين اصبحت تغريهم بأفلامها على مدار الساعة ببطاقة واحدة، والاكثر طرافة ان هذه الدور اصبح بعضها بمثابة مكان للاستراحة حيث يستغلها الجمهور للاستجمام من خلال اجهزة التكييف المركزي التي كانت تعمل انذاك في هذه الدور، اما الان فلم تبق اية دار للعرض الا من خلال ما بقي من لافتات تحمل اسماء البراقة مثل سينما الخيام وسميراميس واطلس وبابل .
بالتأكيد لا يمكن المقارنة بين احوال الدور السينمائية في عقود سابقة ، ويكفي ان نشير الى ما قاله مؤرخ السينما الكبير جورج سادول صاحب كتاب “تاريخ السينما في العالم” من (ان في بغداد وحدها اكثر من ثمانين دارا للعرض) ، وهذا وحده يؤكد حقيقة العلاقة بين البغداديين بشكل خاص والسينما التي اصبحت الان لا تربطها اية وشائج ، ويمكن مشاهدة حالة التردي من خلال اختراق شارع السعدون او شارع الرشيد، وهما اللذان كانا يزخران بدور العرض الجميلة والمميزة بعمرانها.
ويمكن بسهولة ان نرى هذه الدور تحولت الى خرائب وتغيرت ملامحها، بل ان اكثر هذه الشوارع والامكنة التي غابت عنها اصبحت بلا طعم ولا لون ولا زينة، لان تلك الدور بعمرانها والوانها وملصقاتها تزهو معبّرة عن نشاط حياتي متجدد.

اول دار للعرض :
وقد تم انشاء اول دار للعرض في بغداد عام 1911 وهي سينما “البلوكي” في منطقة ساحة الميدان..ثم استمر انشاء دور العرض بعد ذلك لتتوسع من الميدان الى حافظ القاضي وباب الشرقي والسعدون، ووصل العدد في سني الستينيات الى 86 دار عرض في عموم العراق، ومن اوائل دور السينما رويال ومترو والرشيد والوطني والسنترال والزوراء، وكان من ضمن دور العرض التي انشأت دور عرض صيفية تعرض افلامًا في الهواء الطلق، مثل الاحرار وريكس والاوبرا والحمراء وغيرها اختفت اليوم تماما.
الا ان من المعروف ان السينما دخلت العراق في عام 1909 من خلال عروض أفلام قصيرة جذبت الناس وجعلتهم في انبهار امام صور متحركة يرونها للمرة الاولى في حياتهم..مع بناء دور عرض خاصة ابتداء من العام 1911 اتسع اهتمام الناس بالذهاب الى السينما، وازداد الاهتمام بعدما نطقت السينما، وبعدما دخلت الافلام العربية الى العراق في الثلاثينيات من القرن الماضي .
وقد كانت واجهات دور السينما تحوي اشكالا معمارية متميزة وجميلة، وحتى داخل دور العرض، فالكل يتذكر صور اللوحات الجميلة التي كانت مطرزة على جدران سينما الخيام، هذه الطرز المعمارية كانت ايضا احدى وسائل الجذب للجمهور، كما تعطي انطباعا للمشاهد انه يدخل الى بناية ثقافية فنية، وليس بناية اعتيادية ، ففي الثلاثينيات والاربعينيات ازدهرت بشكل كبير، واصبح لكل دار طقوسها الخاصة ونوعية الافلام التي تعرضها والجيل الذي عاصر مثلا سينما الملك غازي التي كان مكانها في نهاية ساحة التحرير من جهة ساحة الطيران كان يعرف ان هذه الدار لاتسمح بدخول من لا يلبس الملابس الرسمية، وان حفلات السواريه كانت تحتاج من المشاهد ان يرتدي (بدلة وربطة عنق) كي يسمح له بالدخول.
الا انه من الملاحظ ان التدهور بالتحديد جاء في بداية الثمانينيات، ومع بدايات الحرب مع ايران ، حيث توقف استيراد الافلام الجيدة والحديثة ، مما ادى الى ابتعاد الجمهور، وخصوصا العائلة، عن ارتياد دور السينما، وفي الوقت نفسه، أغلق عدد منها وتحول بعضها الى مسارح ومتاجر ومخازن للخردة والسكراب .
ومن هنا نرى ان علاقة الدولة بالسينما تأتي من خلال دائرة السينما والمسرح، وهذه الدائرة اهملت السينما ودور العرض لسببين اساسيين، الاول قلة التخصيصات المالية لها والثاني ان اهتمام هذه الدائرة ينصب على المسرح اكثر منه على السينما، لانه الاسهل والاقل كلفة والاكثر ايرادا ، ونحن اليوم لا نلوم الدائرة لاننا نعرف المشكلة عن قرب، ونعرف ان القضية لاتتعلق فيها فقط ، الا انه من المؤكد ان عدد دور السينما في العراق وصل ايام عزها الى اكثر من 86
من ضمنها نحو 30 دارا في بغداد، وتأتي الموصل في الدرجة الثانية، حيث كان فيها نحو 15 دار سينما.
ففي عقد التسعينيات اصبح في بغداد 5 دور متهاوية تقدم افلامًا (تعبانة) للمراهقين، والذين لديهم ساعة زمن لايعرفون اين يقضوها ، والدور هي (سمير اميس / اطلس / الخيام /السعدون / النجاح)، الا انها سرعان ايضا ما تحولت هذه الدور الى متاجر ومخازن ولم يبق منها ولا دارا واحدة للعرض الا مابقي من اسمائها فقط ، كما إن محافظات مثل الموصل التي كانت في يوم ما تحوي اكثر من 15 دار عرض اغلقت كلها، والبصرة التي كان فيها 5 دور عرض اغلقت كلها، ومعظم المحافظات العراقية اليوم لا توجد فيها دور سينما، باستثناء محافظات اقليم كردستان العراق.
بعض دور العرض في سني الخمسينيات والستينيات عشقنا فن السينما، وفيها استمتعنا بمغامرات برت لانكستر في القرصان الاحمر والشعلة والسهم، وفيها ضحكنا إلى حد القهقهة مع نورمان وزدم، وشارلي شابلن ولوريل وهاردي وبكينا لحد الدموع مع الفيلم الرائع ام الهند وكنكا جمنا وسنكام وفي يوم من ايام من عام 1980 مررنا في تلك الاماكن الا اننا وجدناها قد تحولت الى مخازن للسكراب والحسرة تأكل القلوب الى ما آلت اليه اليوم .

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة