ديناميات الصراع في إقليم الشام والعراق بعد الثورات

الجغرافيا المأزومة:
2 – 2
د. مي مجيب*

ب – الوضع في العراق:
أما العراق فان مايشهده في اللحظة الراهنة من اضطرابات مضطردة على المستويين الأمني والسياسي تهدد وجوده كدولة موحد نتيجة أستيلاء تنظيم «داعش» على بعض المناطق شمالي العراق مايشهده يكشف ان بلاد الرافدين أضحت ساحة معركة تختزل النزاعات الاقليمية بحرب كاملة بالوكالة بين خصوم اقليمين يسعون للهيمنة والنفوذ في قلب الشرق الاوسط بعبارة أخرى فقد صار العراق مسرح صراع اثبات الوجود لماتبطنه أجندات الدول الاقليمية مثل تركيا وايران والسعودية إضافة الى الاطراف الدولية وأبرزها الولايات المتحدة. لاشك في أن تصاعد الصراع المذهبي الذي حفزته سياسات رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي الاقصائية بحق سنة العراق في إطار نموذج محاصصة طائفية مشوه بطبيعته والذي تكرسه «داعش» على الأرض حاليا يهدد بأنتشار نمط من الحروب الطائفية قد يكون لها عواقب مدمرة ليس على العراق فحسب ولكن على منطقى الشرق الاوسط برمتها وربما اوسع من ذلك وينطوي ذلك على مخاطر كامنة في المنطقة التي يغذيها تجذر عوامل العنف وازدياد بؤر الارهاب والتمرد والنزاعات والحروب بالتوازي مع اصرار الولايات المتحدة على تعويض اهتزاز دورها القيادي ومواجهة تصاعد الطموحات الاقليمية لبعض الاطراف من خلال اطلاق ماسمتهة الدبلوماسية الامريكية «الفوضى الخلاقة» بما تحمله من مضامين تفتيتية وتفكيكية واطلاق قوى مناوئة لكيانات الدولة الوطنية التي استقر عليها نظام الدول في الشرق الاوسط بعد معاهدة سايكس بيكو مثلما سبقت الاشارة. لكن هذه السياسة الخطرة والاقرب الى سياسة حافة الهاوية يبدو أنها اطلقت قوى تهدد ليس فقط منافسي الولايات المتحدة الاقليميين بل مجمل المصالح الاميريكية في المنطقة خاصة بعد فشل الدعم الامريكي لصعود جماعة الاخوان المسلمين اقليميا في محاولة لاحتواء اي صعود للاصولية الاسلامية تلك السياسة اثبتت فشلها مع عدم قدرة الاخوان من جهة على تحقيق هدف الاحتواء مثلما برز في سوريا ومع فشلهم من جهة ثانية في تجربة الحكم الاهم في مصر حيث اطاح بهم الشعب المصري في حراك ثوري فارق في 30 يونيو 2013 . يبدو ان هذه الاخفاقات والمخاطر المتولدة عنها قد تدفع الولايات المتحدة للقبول بتعديل جوهري في نمط توزيع القوة عبر الاقليم والسماح بدور ايراني أكبر مما يكشف عن تذبذب وتخبط واضحين في السياسة الاميريكية من شأنهما ان ينتجا تحولات جيوسياسية جوهرية والأخطر صراعات اقليمية لا يمكن التوقع بنتائجها بين القوى التقليدية (الدول الرئيسية) في الاقليم وبعضها بعضا من جهة وبينها وبين التكوينات المذهبية التي يتصاعد دورها من جهة اخرى وفي هذا الاطار صرح السينياتور لينزى جراهام ان «الولايات المتحدة بحاجة الى تدخل اليران لمنع انهيار العراق وينبغي ان تبدأ محادثات من اجل تحقيق هذه الغاية» ووصف هذه الخطوة بأنها «ليست محبذة ولكن ربما يكون لامناص منها ربما نحتاج مساعدتهم للحفاظ على بغداد من أن يستولي عليها تنظيم داعش» .وأضاف: الايرانيون لديهم مصلحة فلديهم سكان من الشيعة يجب حمايتهم ونحتاج لنوع من الحوار للمساعدة في فرض الاستقرار في العراق مع وضع حدود لضمان الاتستغل ايران الوضع في السيطرة على اراض عراقية . وعلى الرغم من تلك التصريحات تأتي في اطار سيل من الانتقادات التي وجهها الجمهوريون لموقف ادارة اوباما من الازمة ذات التطورات المتلاحقة الاانها تعكس بحق ترنح الدور القيادي للولايات المتحدة من جهة-من خلال السياسات البراجماتية للتعامل مع المعطيات الجديدة بالتقارب مع ايران على حساب حلفائها التقلييدين في المنطقة-والقوة المراجعة لايران من جهة اخرى حيث أبدى المسؤولون الايرانيون استعدادهم للعمل مع واشنطن في مساعدة بغداد على التصدي للحملة المسلحة التي يشنها المتشددون السنة.

ج-تداعيات جيوسياسية:
من المرجح أن يثير هذا التعاون الأمريكي-الايراني (المفترض) قلق اسرائيل لسببين الأول : هو أحتمال ان يضعف المساعي الامريكية لتقييد البرنامج النووي الايراني والثاني ان هذا التعاون سيعطي طهران نطاقا من السيطرة يمتد عبر الاراضي السورية . ولاتحبذ اسرائيل في الواقع تفوق اي من الاطراف الصراع في سوريا بما يتيح له حسمه حيث يعد استمرار الحرب الاهلية في سوريا الخيار الاقل سوءا بالنسبة لاسرائيل ولهواجسها ازاء كل من الجهادين السنة أو حزب الله اللبناني وترى أسرائيل ان استمرار الحرب يدفع الطرفين لأضعاف بعضهما بعضا كما يستنزف الوجود الايراني في المنطقة عدا أن تلك الحرب «الباردة الاقليمية» قد تمهد الطريق لعلاقات افضل مع المملكة العربية السعودية ودول الخليج خاصة اذا لم يتم احراز تقدم في حل القضية الفلسطينية . لكن هناك انعكاساً سلبياً يهدد اسرائيل جراء الحرب الاهلية السورية يتمثل في ازدياد راديكالية المتمردين السنة وهذا يجعل سوريا اكثر خطرا اذا تمت الاطاحة بنظام الاسد في نهاية المطاف خاصة مع وجود العناصر الجهادية على الحدود الشمالية لأسرائيل كما ان النزاع الحالي يزعزع استقرار المنطقة بشكل عام ويؤثر على استقرار دول اخرى خاصة الاردن الذي لاغنى عنه لاستقرار الوضع الاقليمي بالنسبة لاسرائيل وإجمالا فان تردي الوضع الامني داخل العراق جراء صعود تنظيم «داعش» والمواجهات الطائفية يرتبط ارتباطا وثيقا ب «جمود» موقف المجتمع الدولي ازاء النزاع المستمر في سوريا منذ اكثر من ثلاثة اعوام ولم يكن ممكناً لصراع من هذا النوع في الداخل السوري أن يبقى محصوراً داخل حدود بلد واحد خاصة انه يمثل – كما سبقت الاشارة-صراع عدة قوى اقليمية ودولية داخل الاراضي السورية ويبدو ان هذا النمط الانتشاري للتهديدات سيتفاقم مع تصاعد الصراع في العراق.

ثانيا- التنافس الاقتصادي
شهد اقليم الشام والعراق خلال العقد الماضي منذ الغزو الاميريكي للعراق عام 2003 العديد من المشاريع الاقتصادية المتنافسة داخل الاقليم في اشارة الى اهمية موقعه المتوسط بين قوى اقليمية نامية وسريعة النمو مما جعله محور اتصال عبر اقليمي مهم وعزز وضعيته كموضوع للتنافس على النفوذ والتأثير من قبل القوى المختلفة. وفي هذا الاطار يمكن ان نلاحظ حضور الاطراف المتنافسة على الاقليم سياسيا ذاتها في فضائه الاقتصادي في جدلية مصالح سياسية-اقتصادية تغذى بعضها وعلى سبيل المثال فقد بلغت استثمارات روسيا في سوريا عام 2009 نحو عشرين مليار دولار في عدة مجالات اهمها التنقيب عن النفط والغاز وانتاجهما حيث نجد شركتنا «تاتنفت» و»سويوزفت غاز» الروسيتين تقومان باستخراج النفط في سوريا أما في مجال الطاقة تنخرط الشركات الروسية في تنفيذ مشروعات اخرى بما في ذلك الخطط التي اعلنتها شركة «روساتوم» الروسية في 2010 لبناء اول مفاعل لأنتاج الطاقة النووية في البلاد والخدمة المستمرة التي توفرها شركة «تخنو برو مكسبورت» الروسية لمرافق انتاج الطاقة في سوريا. أما الصين فقد سعت الى تعظيم مصالحها في الاقليم وعبره من خلال طرح مشروع في عام 2010 لمد خط سكة حديد يربط العاصمة السياسية بكين بالشرق الاوسط غبر ايران وصولا الى الحدود مع العراق بتكلفة نحو ملياري دولار ويبرز هذا المشروع تعارض السياسات الدولية ازاء الاقليم فبينما كانت الولايات المتحدة تعمل على عزل ايران آنذاك كانت الصين تسعى بجدية على على النفاذ اكثر في ايران خاصة أن هذا الخط سيصل ايران بالعراق وكذلك سوريا وربما لبنان كجزء من ممر مواصلات كبير يساعد على خفض تكلفة نقل البضائع الى اوروبا بنسبة 5 أو 6% كما ان هذا الخط من شانه ان يعزز خيارات الصين في حال ان تمكنت الولايات المتحدة ليس في الشرق الاوسط فقط بل أبعد من ذلك كثيرا في مناطق جنوب وجنوب شرق اسيا الحيوية بالنسبة للاستراتيجية الامريكية طوال القرن الواحد والعشرين. وبالنسبة الى تركيا نلاحظ أنها اعتمدت طوال النصف الثاني من العقد الاول من القرن الحادي والعشرين سياسة «تصفير» المشكلات مع دول الجوار وعدت سوريا ممرا تجاريا مهما للاقتصاد التركي وبلغ حجم التجارة الثنائية بين البلدين 2,5 مليار دولار عام 2010 وبلغت استثمارات الشركات التركية في سوريا 260 مليون دولار حسب البيانات الرسمية في تركيا . كما اضحت تركيا اكبر شريك تجاري لسوريا وكانت ثمة خطط لفتح تسعة معابر حدودية بين الجانبين هذا الى جانب خطط أخرى لافتتاح بنوك تركية فروعا لها في سوريا وخطط لاستكمال مشروع غاز طبيعي يربط خط انابيب عربي بخط انابيب تركي كذلك كانت شركة تكرير النفط التركية قد بدأت تستثمر في سوريا كما طورت تركيا علاقات أمنية وسياسية وأقتصادية مميزة مع سوريا حتى ان البلدين شكلا مجلسا أعلى للتعاون الاستراتيجي وألغيا تأشيرات الدخول. الاان التقارب السوري-التركي سرعان ماتبدل مع تفاقم الازمة السورية الى حد مطالبة رئيس الوزراء التركي اردوجان الرئيس السوري بشار الاسد صراحة بالتنحي بل واستضافت تركيا عدة اجتماعات للمعارضة السورية ومن بينها مؤتمر أصدقاء سوريا الثاني الذي عقد في اسطنبول في ابريل 2012 لذا يمكن القول ان سياسة «تصفي المشكلات مع الجيران» قد انتهى العمل بها فعلياً وقد اثبتت محدودية في تنفيذ اهداف تركيا الاقليمية في اطار مايعرف ب»العثمانية الجديدة» ويمكن فهم الوقف التركي من محاولة تغيير النظام الحاكم في سوريا في اطار تحييد النفوذ الايراني المنافس الذي كان النظام السوري اكثر ميلا للقبول به. وفيما يتعلق بمصالح ايران الاقتصادية في سوريا نلاحظ ان علاقة تحالف عضوية قد برزت بين الطرفين منذ الغزو الامريكي للعراق الذي مثل تحديا مشتركا لكليهما وفيما لايمكن انكار دور ايران الكبير في سوريا فأنه من المستحيل معرفة الحجم الدقيق للمساعدة المالية والعسكرية التي تقدمها طهران لنظام الاسد فقد قدمت ايران منذ فترة طويلة النفط المدعو لسوريا غير ان السخاء المالي الايراني ازداد بشكل كبير منذ بدء القتال عام 2011 كما ان ايران استثمرت تاريخا قدرا كبيرا من المال والموارد والقوات المحترفة والعمالة في سوريا وقد زادت هذه الاستثمارات بصورة خاصة في الاعوام الاخير قبل مؤشر واضح الى ان ايران عملت على توظيف علاقاتها الاستراتيجية مع سوريا كقناة لتجاوز عبء العقوبات الاقتصادية الدولية على ايران. وشملت استثمارات ايران في سوريا قطاعات النقل والبنبة التحتية كذلك شملت توقيع السلطات الايرانية قبل بضعة اشهر من اندلاع الازمة في سوريا اتفاقية تقدر قيمتها بعشرة مليارات دولا مع دمشق وبغداد لبناء خط انابيب غاز يبدا من ايران ويمر بسوريا ولبنان وصولا الى البحر المتوسط ليتيسر بذلك نقله الى اوروبا كما ناقش الجانبان امكانية اقامة تكتل اقتصادي اقليمي متعدد الاطراف يؤكد رغبة ايران في تجاوز العقوبات الدولية وتعزيز نفوذها فيما يعر ف ب «الهلال الشيعي» والمؤكد أنه كان هدف مثل هذا التعاون. رسخت ايران على مدى سنوات طويلة مصالح استراتيجية وجيوسياسية ضخمة في سوريا التي اصبحت اكثر-من أي وقت مضى-سبيلا ضرورياً للانعاش الاقتصادي لايران خاصة مع زيادة عزلتها عن المجتمع الدولي وكسر آثار العقوبات الاقتصادية عليها عبر خيار اقليمي حيث اصبحت العلاقات الاقتصادية بينهما اكثر اهمية من اي وقت مضى ممااثار مخاوف وتحفظات المتنافسين الاقليمين وما وراء الاقليمين في المنطقة في أكتوبر 2010 خلال لقاء في طهران أعلن الرئيس السوري بشار الاسد ونظيره الايراني انذاك أحمدي نجاد عزمهما تعزيز المحور الايراني –السوري وهو الاعلان الذي عد لحظة فارقة في معادلات التنافس الدولي والاقليمي على النفوذ قد مهدت للكثير من المواقف الاقليمية والدولية ازاء تفجير الاوضاع في سوريا والذي جاء عقب هذا التوافق باشهر قليلة حيث اصطفت دول الخليج وتركيا لمواجهة تصاعد النفوذ الايراني في دمشق . في المقابل حاولت دول الخليج العربية قبل تفجر الازمة السورية تقديم حوافز اقتصادية مهمة الى دمشق في محاولة لجذبها بعيدا عن ايران حيث شملت المشروعات الاقتصادية الخليجية في سوريا مشروعا لمد خطوط للسكك الحديدية تصل بين تركيا والخليج العربي . كما اعدت الكويت خططا طموح لانشاء منطقة تجارة حرة ضخمة في جزيرة بوبيان المتاخمة للحدود مع العراق وخططت لاحياء طريق حرير جديد بين الموانئ الشمالية للكويت ووسط اسيا واوربا عبر خطوط سكك حديدية ووسائل نقل تقليدية أخرى تمر بكل من العراق وسوريا. عكست هذه المشاريع الاقتصادية جميعها مساعي اطرافها لتعزيز نفوذها ومصالحها الاقتصادية في اقليم الشام والعراق لكنها حملت كذلك كل ابعاد التنافس بين اطرافها على النفوذ في هذا الاقليم .

خلاصة:
في الواقع ان تلك المشاريع طويلة المدى تكتشف ان منطقتي الشام والعراق خلال العقد الاول من القرن الحادي والعشرين خاصة بعد الغزو الاميريكي للعراق كانت موضوع تنافس اقليمي ودولي كبيرين على النفوذ السياسي والاقتصادي بل والحضاري/التاريخي بين العرب والفرس والاتراك فالمنطقة شهدت طوال نحو عشر سنوات تنافساً امبراطورياً دولياً واقليمياً يمكن افتراض ان ميله في لحظة تاريخية ما في عام 2010 باتجاه الامبراطورية الايرانية التي عززت نفوذها في العراق وسوريا ولبنان عبر حزب الله دفع هذا التنافس الى مرحلة الصدام العنيف وفي ضوء ذلك يمكن تفهم تفجر الصراع الكبير في المنطقة مع مطلع العقد الثاني من دون ان ينفي ذلك أن عناصر الهشاشة القومية الداخلية لدول المنطقة أتاحت لهذا التنافس أن يتحول الى صدام مدمر بدلا من أن يعزز فرص النمو في بلدان المنطقة , والواقع ان المصالح المتضاربة بين القوى الاقليمية المختلفة المحيطة باقليم الشام والعراق أو القوى الدولية الكبرى سرعان مانتقلت الى داخله بفعل عوامل الجغرافيا السياسية لتؤسس هذه المصالح المتضاربة حدودا ملتهبة بين المعسكرين المؤيد والمناهض للأسد داخل الاقليم وحدوداًُ ملتهبة أيضا أبعد مدى للعداء السني-الشيعي الذي يكترس حاليا يفاقم هذا العداء من الخطر الذي تمثله ايران بالنسبة لنظم دول الخليج العربية المحافظة والتي لن تجد بداً من تأسيس تحالف اقليمي سني لاحتواء ايران بعبارة اخرى فان تداخل عوامل عدم الاستقرار المتزايدة في المنطقة والطموح الايراني يدفعان نظم الخليج العربية نحو سياسة أكثر حزماً تعمل على تطويع المعطيات الجيوسياسية لضمان أمنها وبقائها. ويمكن القول أجمالا انه في حين توافرت عوامل الانقاسام والصراعات الداخلية في اقليم الشام والعراق بسبب فشل سياسات بناء الدولة الان المحفزات القادمة من المحيطين الاقليمي والدولي اللذين يشهدان صعود قوى مراجعة مهمة مثل ايران وروسيا تغذى عوامل الصراع في المنطقة عمداً في سياق لعبة جيو-سياسية أكبر من قدرة جميع الاطراف على احتوائها ما يبنى بأن المنطقة تندفع الى أتون صراع طويل الامد في ظل تنامي العوامل المغذية له.

* باحث زائر في مركز دراسات الشرق الأدنى, جامعة كاليفورنيا مدرس العلوم السياسية,جامعة القاهرة.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة