ديناميات الصراع في إقليم الشام والعراق بعد الثورات

د. مي مجيب*
تطغى على المشهد السياسي في إقليم الشرق الأوسط, في اللحظة الراهنة, ظاهرة انتشار للصراعات أقرب في نمطها إلى الامواج الارتدادية عبر النطاق الإقليمي , حيث يبدو أن تفجر المسألة سورية يرتبط ارتبطاً وثيقاً بالتطورات في العراق, وماأنتجته من تنافس إقليمي, وفشل اميريكي في إدارة تحول ديمقراطي حقيقي هناك.
في غضون ذلك يبدو أن العجز عن تسوية ألازمة السورية عاد بدوره ليطلق طافات تفكيكية وصراعية تضرب العراق, وربما ماوراءه في نمط تغذى فيه مكنات الصراع بعضها بعضا من دون أى كابح حقيقي لتصاعدها . ونلاحظ بروز هذا النمط بشكل جلي في إقليم الشام والعراق, وانكفاء دور السنة, وعدم دخولهم في العملية السياسية الى إثارة قلق لدى قوى إقليمية مهمة, خاصة المملكة العربية السعودية, ودول الخليج الأخرى, الامر الذي أنعكس لاحقا, بدوره, على مجمل القضايا المثارة داخل الشام والعراق, وأنماط إدارتها من قبل القوى الإقليمية والدولية.
كما نلاحظ تداخلا جيوسياسياً بين عدد من أنماط التنافس الإقليمية والدولية المحتدمة في إقليم الشام والعراق وتركيبته الإنثية المعقدة, يعود في الدرجة الأولى لكون دولة لم ترق إلى مستوى الدولة الوطنية الحديثة, فمعظم الانظمة والحركات السياسية ماتزال تعمل خارج إطار الدولة الحديثة, فمعظم الأنظمة والحركات السياسية ماتزال تعمل خارج إطار الدولة الوطنية (ألامة الأسلامية-المذاهب, والطوائف, والعشائر) ,وليس كدولة مواطنة ومواطنين متساوين, وقوانين, ومؤسسات, ومجتمعات مدنية. تحاول هذه الورقة عرض كيف يؤثر الوضع الجيوسياسى لإقليم الشام والعراق في قضايا الأمن والأقتصاد ولاصراعات الإثنية المثارة في هذا الإقليم على مدى سنوات مابعد غزو العراق والتي تفجرت في عقب «الربيع العربي» وماشكله من خروج على المألوف في التفاعلات الإقليمية النظمية التقليدية التي كانت تعلى من أولوية عامل الاقتراب أو البعد عن «القائد الدولى» كعنصر محدد لاستقرار الأنظمة الداخلية والتفاعلات الإقليمية.

أولا- صراعات مابعد «ثورات الربيع» وبروز الجغرافيا السياسية:
تكشف قراءة معطيات السياسة الغقليمية في الشرق الأوسط عن عدة مستجدات ادت إلى بروز دور الجغرافيا السياسية في السياسات الإقليمية ومن المثير أن القدر ألاكبر من تلك المستجدات ارتبط بالتطورات في الجوار المباشر لإقليم الشام والعراق. وأبرز المعطيات التي تعنى بها هذه الورقة هي:
1 -حدوث تحولات في عوامل القوة المؤثرة في التفاعلات الدولية عامة وفي التفاعلات الإقليمية في الشرق الأوسط بصفة خاصة حيث لم تعد هذه العوامل تقتصر على القوتين العسكرية والاقتصادية اللتين احتلتا النصيب الأكبر من أدوات القائد الدولي (الولايات المتحدة) التي وظفها لتنفيذ سياساته في المنطقة وبرزت عوامل أخرى ضمنها ملاءمة هذه السياسات للتوازنات الدولية والإقليمية ومدى تناسبها مع المصالح المجتمعية الداخلية . وبينما من المتوقع أن تواجه الولايات المتحدة وأمنها القومي فأنه مع التسليم مؤقتا باستمرار قيادة الولايات المتحدة للنظام الدولي يتوقع صعود قوى اخرى-إقليمية أو ما وراء إقليمية-تحوز قدراً أكبر من التأثير في سياسات الشرق الأوسط ومناطق النفوذ داخله.
2 – لم يستفد النظام الإقليمي الشرق أوسطي اقتصادياً وأمنيا من انخراطه في النظام العالمي بقدر ماعانى تبعات التنافس الدولي الحاد على مقدراته خاصة المرتبطة منها بعناصر الجغرافيا السياسية وتحديداً الموارد والموقع ويتوقع استمرار هذا النمط في ظل عدم إمكانية احتكار الولايات المتحدة الاميريكية أو أي قوى كبرى- اقليمية أو ماوراء إقليمية-التأثير في الإقليم والهيمنة عليه وبالتالي ترجيح أستمرار التنافس الواسع بيت تلك القوى جميعا على الإقليم ويفاقم من هذا الاحتمال ازدياد تأثير العوامل الداخلية ممثلة في اشكال الحراك السياسي والمجتمعي والثقافي والاوضاع الامنية في الاستقرار الداخلي للعديد من بلدان المنطقة وفي مصالح القوى الإقليميةوالدوليةالمتنافسةعليها.
3 – صعود قوى مراجعة إقليمية على تخوم المنطقة مثل إيران وروسيا حيث اضخت منطقة الشرق الاوسط المتاخمة لها خاصة إقليم الشام والعراق ساحة رئيسية لممارسة سياسات المراجعة والتعديل التي تبنتها هذه القوى في مواجهة قواعد الهيمنة والسيطرة الأمريكية وبنما أدت أهمية سوريا بالنسبة لتنامي الدور العسكري الروسي في شرق المتوسط وفي المياه الدافئة إلى جعل المسألة السورية أحد الملفات الحيوية في الصراع الأميريكي – الروسي الناتج عن سياسيات المراجعة الروسية في الوقت الذي دعمت فيه روسيا استمرار نظام بشار الأسد حاولت الولايات المتحدة احتواء النفوذ الروسي في سوريا فتلاقت مصالحها مع قوى أخرى مثل دول الخليج وإسرائيل في هذا الصدد ولكن لأسباب مختلفة أو لإسباب متماثلة وإن بأولويات مختلفة.
4 – أدت الأهمية الاستراتيجية للشرق الأوسط من جانب وصعود القوى المنافسة لهيمنة (القائد) الدولي من جانب آخر أدت إلى بروز أهمية «الجغرافيا السياسية» وعناصرها لتصبح – كما سيأتي بيانه- مصدرا للضغوط الاقليمية وموضوعا للتنافس عبر محاولة تطويعها وإعادة تشكيلها بطريقة أكثر جدوى وقابلية لخدمة مصالح كل طرف وفقا للمعطيات الجديدة على الساحتين الدولية والإقليمية كما أن إعادة توزيع لعناصر الجغرافيا السياسية للإقليم وإعادة تشكيل لأطره السياسية الاجتماعية يبدو أنهما يمثلان ركيزة أساسية في استراتيجية خروج- أوخفض انخراط-أميريكية من المنطقة في ظل أزمة القيادة البادية في سياسات الولايات المتحد العالمية والإقليمية في الشرق الأوسط
5 – في ظل الصراعات التي تكرست عقب ثورات الربيع تراجعت الرؤى التي تمحورت حول أن العالم العربي بمجمله يقترب من نقطة التحول الديمقراطي وهي الرؤى التي شكلت بدايات سياسة الولاي المتحدة تحت قيادة أوباما تجاه المنطقة وبدلا من بناء نظام ليبرالي في المنطقة تشبث واضعوا السياسات الأمريكية بتفكيك نظام الدولة الذي يعود تاريخه الى اتفاق سايكس-بيكو عام 1916 حيث يبدو أن النقطة الرخوة لبدء سيناريو التفكك وألتفتيت تمثلت في اقليم الشام والعراق في ظل هشاشة انظمة الحكم في العراق ولبنان وسوريا وقامت القوى ذات المصالح في الاقليم بما يمكن تسميته «تطييف» الثراعات السياسية والجيوسياسية.

ثانياً- تحولات «الربيع» العربي والصراع على النفوذ في الشام والعراق :
شكلت أحداث «الربيع» انقلابا اقليميا في شكل الخريطة الشرق أوسطية ومضمونها وجاء موازياً لهذا الانقلاب الاقليمي أزمة حادة في فاعلية نظام القطب الواحد وربما جاء «الصراع على سوريا» بين تحالفين دوليين- اقليمين متضادين (الولايات المتحدة وأوروبا وتركيا ودول الخليج) ضد (روسيا والصين وايران تجسيدا لطبيعة التفاعل بين الأبعاد الجيوسياسية للتحولات الجارية على مستوى النظام الشرق الاوسطي بصفة عامة , وأزمة قيادة النظام الدولي بصفة خاصة كما يعد هذا الصراع أيضا مؤشرا الى مآل وضع اقليم الشرق الاوسط الجيوسياسي في المستقبل .
ويمكن فهم تأثير التفاعل بين الاقليمي والدولي على أوضاع الجغرافيا السياسية في اقليم الشام والعراق من خلال استقراء مواقف الاطراف الرئيسية المنخرطة في الصراع على سوريا وقبل ذلك في غزو العراق وتجليات هذه المواقف على الاوضاع الاقليمية .

1 – الصراع على سوريا:
بالتدقيق في موقع سوريا الجغرافي يمكن بسهولة ملاحظة أن سوريا تحيط بها قوى أقوى منها بكثير سواء كانت قوى متخامة للحدود السورية أو قوى ليست متخامة ولكن لها مصالح مباشرة في الداخل السوري.
ويبدو المتغير الدولي الأكثر بروزاً في الصراع الدولي على سوريا والذي غاب عن خبرة غزو العراق هو الدعم الروسي القوي لنظام بشار الاسد والعمل على استغلال الأزمة السورية سبيلا لاستعادة نظام الحرب الباردة-أونظام تقاسم مناطق النفوذ-في الشرق الاوسط وفرض احترام هذا النظام مجددا على الغرب في هذا السياق تهدف روسيا الى الاحتفاظ بقاعدتها العسكرية في سوريا حيث تعد قاعدة «طرطوس» البحرية العسكرية آخر موقع بحري لأسطول روسيا بمنطقة البحر المتوسط بموجب اتفاقية موقعة بين موسكو ودمشق عام 1971 كما تحتل دمشق المرتبة السابعة في ترتيب الدول التي تشتري أسلحة من روسيا وصرح وزير الخارجية الروسي لافروف بأن مبيعات بلاده من الأسلحة إلى سوريا تهدف الى تعزيز الاستقرار والحفاظ على الأمن في المناطق القريبة من الحدود الروسية»وقد اصطدمت إرادة موسكو في استغلال الأزمة السورية لاستعادة دورها الاقليمي واستعادة جزء من دورها كقطب شريك للغرب في السياسة الدولية مع ارادة الولايات المتحدة في استغلال الأزمة ذاتها لاعادة تعريف الدور الاقليمي لسوريا سواء فيما يتعلق بتحالفاتها مع إيران أوبشكل أكثر بمركزها الاستراتيجي تجاه إسرائيل.
اجمالا يمكن القول انه بينما تحاول روسيا عبر دعم النظام السوري ان تقنع الغرب بانه لاامكانية لاعادة رسم خرائط الجغرافيا السياسية في سوريا والمشرق العربي عامة من دون التعاون معها وضمان مصالحها في المنطقة تسعى الولايات المتحدة عبر تمديد القتال الى ان تخرج سوريا من المعركة غير قادرة على أن تشكل أي تحد لاسرائيل أو لأي دولة اخرى خلال المستقبل المنظور وهو ماقامت به من قبل في العراق أيضا .
التباين الرئيسي هنا يمكن فيما يبدو من أن دور روسيا يستهدف تكريس عودتها بفعالية الى الاقليم بينما يبدو أن السياسة الامريكية تسهدف فرض اوضاع جيوسياسية جديدة تتيح لها تنظيم عملية خف انخراطها في السياسات الشرق ألاوسطية عامة لمصلحة استراتيجية الاستدارة شرقا باتجاه جنوب وجنوب شرق آسيا ويبدو أن الصدام بين هذين التوجهين سيحدد بشكل كبير المآلات الجيوسياسية للأوضاع في منطقة الشام والعراق وخرائط النفوذ بل وخرائط الحدود الجديدة التي قد يشهدها الاقليم في أمد قريب جدا يرتبط هذا التوقع بتغير خرائط النفوذ والحدود في المنطقة بالمأزق الذي يبدو أن سياسة الولايات المتحدة المتعلقة ب»اطالة أجل النزاع» السوري باتت تواجه وفي هذا الصدد يشي الباحث الاميريكي والتر راسل الى ان التلكؤ الأميريكي في التعاطى مع الملف السوري أفضى الى تعقيد الأوضاع هناك فتكلفة الصراع أصبحت مرتفعة والدولة دخلت في حرب اهلية تخطت حدود الداخل السوري وانتقلت الى دول أخرى بالمنطقة كالعراق ولبنان هذا على الصعيد التكلفة بالنسبة لدول الجوار أما بخصوص الجانب الامريكي فقد منح تأخر التدخل في الأزمة السورية منح فرصة سانحة لأطراف أخرى لتحقيق مكاسب على حساب المصالح الأميريكية بالمنطقة أذ اصبحت روسيا وايران تلعبان دورا بارزا في الملف السوري عبر دعمها الواضح لنظام بشار الاسد وهو الأمر الذي كشف عن عجز إدارة أوباما لاسيما أنها تطالب برحيل النظام ولكنها حتى الوقت الراهن لم تحقق ذلك الأمر .
عدا ذلك فقد أنهت «الازمة السورية» التي تفجرت في 18 مارس 2011 دور دمشق الاقليمي الذي رسخته منذ عام 1976 حيث كانت سوريا لاعباً رئيسياً في الأزمة اللبنانية وفي المسألة الكردية وقبل ذلك كله كانت مفتاح طهران نحو منطقة شرق المتوسط وأضحت سوريا بدلا من ذلك مسرحا للحروب بالوكالة بين شتى القوى الاقليمية والدولية الأمر الذي أعاد تشكيل العلاقات بين تلك القوى جميعها مثل ايران والولايات المتحدة وتركيا ودول الخليج العربية وفي هذا الاطار تعد مذكرة التعاون الدفاعي التي وقعتها سوريا مع طهران في منتصف يونيو 2006 الوحيدة من نوعها بين بلد عربي وايران على سبيل المثال أدت الأزمة السورية الى تراجع تقاربات طهران مع أنقرة خاصة أنه كان هناك توجه استراتيجي لدى كل من طهران وأنقرة لكي تشكل كل منهما زعامة أقليمية ولكي تتقاسما النفوذ في المنطقة في ظل الضعف العربي البادي وقد عبر الرئيس الايراني السابق محمود أحمدي نجاد عن هذا التوجه في أثناء زيارة له الى اسطنبول عام 2009 بهدف ملء فراغ الانسحابات الاميريكية من العراق الا ان تباعد أنقرة عن طهران بفعل مايجري داخل سوريا أدى الى تقاربات خليجية-تركية كما أدى تطور الاحداث وانتشارها اقليميا الى علاقة صدام/تعاون معقدة بين الولايات المتحدة وايران كما سيأتي ذكره.

2- الازمة العراقية:
خلافا للمعطيات التي صاحبت اندلاع الازمة السورية فان غزو الولايات المتحدة للعراق عام 2003 لم يشهد تلك الخريطة المعقدة من المنافسة الدولية وتبلور مواقف اقليمية مناوئة ولم يشهد غزو العراق معارضة روسية مؤثرة كما رحبت به اغلب دول الجوار الانه أطلق في الواقع –لاحقا-منافسة اقليمية شرسة على النفوذ داخل العراق وعبره بين ايران ودول الخليج العربية وسوريا وتركيا أضحى العراق وبنيته الاثنية الهشة طوال نحو عشر سنوات موضوعا لتدخلات اقليمية ودولية عاصفة دفعت بالبلاد الى حافة الهاوية مرتين :أولاهما عام 2006 مع انطلاق حرب اهلية حقيقية بين السنة والشيعة حال دون تصاعدها تدخل تعزيز للوجود العسكري الاميريكي خلال ولاية جورج بوش الابن الثانية اما ثانيتهما فتبدو الان كرد فعل لاعاقة بناء الدولة القومية في العراق طوال فترة مابعد الغزو بسب سياسات الاقصى الاثنى للسنة وكذلك كرد فعل للازمة السورية التي منحت التنظيمات شديدة التطرف مساحة حرة للنمو والحركة لتعود وتهدد بقاء العراق كدولة مع تمدد سيطرة تنظيم الدولة الاسلامي في العراق والشام (داعش) على اجزاء كبيرة من غرب ووسط البلاد واجمالا يمكن القول ان التداعيات الجيوسياسية لغزو العراق كانت شديدة العمق والتباين وشكلا احتلال العراق حدثاً مفصلياً في تاريخ المنطقة اذ فتح احتلال العراق باب الصراعات الاثنية واسعا كما فتح المجال امام نمو ظاهرة الاصوليات المذهبية المتطرفة لتصبح عاملا حاسما ومتنقلا يحدد بشكل كبير مستقبل المنطقة الجيوسياسي واحتمال بقاء دولها من عدمه ومن شأن أي تغيير لحدود احدى دول الاقليم اغراقه كله في فوضى جيوسياسية عارمة وهذا ماحدث-تحديدا-بسبب احتلال العراق فلقد أدت الحرب على العراق الى التاثير المباشر على الروابط بين التغيير الجيوسياسي والديناميكية الاجتماعية وفي الواقع فقد جسدت السياسة الامريكية تجاه العراق منذ مابعد تحرير الكويت عام 1991 المؤشر الاول لازمة قيادة الولايات المتحدة للنظام الدولي وعجزها عن فرض الاستقرار في الداخل العراقي كما تجسدت هذه السياسة في قبولها لواقع الانقسام الاثنى في العراق بدلا من السيطرة عليه كذلك لم تستطع انتاج بديل سياسي جديد يتيح التفاعل السلمي للمكونات الاثنية والعرقية والسياسية المختلفة داخل العراق هذا العجز في التعامل مع مكونات الجغرافيا السياسية دفع الولايات المتحدة الى استغلال تلك المكونات كأحد عناصر سياستها في المنطقة مما أدى الى تكريس عوامل الانقسام المؤسسة على الجغرافيا السياسية والاثنية وعلى سبيل المثال استغلت الولايات المتحدة الانشار الكردي عبر الاقليم من اجل الضغط على دول المنطقة وتهديد وحدتها وسلامتها الاقليمية وفرضت منطقة حضر جوي على مناطق الأكراد في كردستان العراق الأمر الذي دفع الأكراد الى الاعتماد على الوجود الاميريكي لتأمين الوضع الاقليمي لهم وفي المقابل استخدمتهم الولايات المتحدة كعنصر ضغط في مواجهة العراق نفسه فضلا عن تركيا وسوريا.

ثالثا- أبرز قضايا الجغرافيا السياسية المثارة داخل الاقليم بعد «ثورات الربيع»

قضايا الأمن:
أ- الوضع في سوريا:
– يمثل الصراع في سوريا وعليهما أهمية كبيرة في مستقبل الخريطة السياسية العربية بشكل عام ومنطقة المشرق العربي بشكل خاص فضلا عن تأثيره على مجمل العلاقات الدولية وتطور اشكال المنافسة والصراع بين القوى الاقليمية والدولية لذا يمكن القول ان تحول النزاع الداخلي السوري الى نزاع اقليمي-دولي يعكس صراعا استراتيجيا بين شتى القوى المنخرطة فيه يهدف الى تحديد مستقبل المنطقة وأمنها الاقليمي استناداً الى تلك الرؤية يلاحظ ان تطورالأزمة السورية اتخذ ثلاثة مستويات : تمثل المستوى الاول في أقلمة النزاع السياسي السوري عبر انتقال النزاع من أطاره الوطني المطالب بتغيير بنية النظام السياسي الى نزاع اقليمي الأمر الذي دفع القوى الاقليمية الأخرى-مثل ايران والسعودية-الى مساندة أطراف النزاع وفي هذا الاطار برز دعم خليجي-تركى للقوى السلفية المناهضة لنظام الاسد الاأن ذلك لم يحل دون بروز تنافس سعودي-قطري على تصدر مشهد الدعم وتعزيز العلاقات مع القوى المسيطرة على الارض لتعزيز نفوذ كل منهما في سوريا حال انهيار نظامها السياسي وفي المقابل تتمحور استراتيجية ايران والفصائل السياسية المتحالفة معها حول دعم النظام السياسي في سوريا ومنعه من الانهيار قد يجعل مع استهدافهم سياسياً وعسكرياً أما المستوى الثاني فيتمثل في تدويل النزاع السوري حيث نلاحظ المساندة الاوروبية-الاميريكية للمعارضة المسلحة لتحقيق أهداف جيو أستراتيجية أهمها عزل ايران وتعزيز أمن اسرائيل وأحتواء نفوذ روسيا والصين المتنامي والحيلولة دون تغلغله سياسيا واقتصاديا في بلدان المنطقة العربية انطلاقا من خشيتها من ضياع مصالحها الاستراتيجية في الشرق الاوسط وأخيرا فان المستوى الثالث تمثل في «تطييف» الصراع ومذهبته ليمثل موجة ارتدادية بيدو أنها تشكل حاليا للانتشار غب الاقليم وربما عبر الشرق الاوسط كله وماورائه مع تنامي قوة العديد من التنظيمات الأصولية التي تنتهج العنف أداة للتأثير والحضور السياسي وبدا ذلك جليا مع عودة تنظيم «داعش» الى العراق مجدداً بعد أن وجد في الازمة السورية ملاذاً وبيئة حاضنة نما في ظلها. اجمالا يمكن القول ان النزاع السياسي الدائر في سوريا بسبب الموقع الاستراتيجي لهذا البلد تحول الى معركة دولية/اقليمية تتنوع فيها اساليب الصراع بين الاقتصادي والسياسي والعسكري معركة لايبدو انه من الممكن حسمها الا عبر مساومة/دولية/اقليمية تمثل فيها مصالح الجميع وسرعان ماتحول النزاع داخل سوريا الى نزاع/اقليمي /طائفي خاصة مع انتقال العناصر الجهادية والتكفيرية من شتى الدول الى سوريا فضلا عن دفع اطراف اقليمية الى المشاركة في الصراع السوري بشكل مباشر خاصة ايران وحزب الله وأتخذ «تطييف» النزاعات الاقليمية أبعادا اجتماعية شمولية امتدت الى التشكيلات الاجتماعية للدول العربية المجاورة مثل العراق وهو الامر الذي دفع بالولايات المتحدة بداية الى التفكير في التعامل مع نظام الاسد لاعتقاد الولاي المتحدة أن خطورته أقل وطأة حال سقوطه واستيلاء القوى الجهادية على الحكم في سوريا ما بعد بشار ولاحقا الى التعاون مع ايران لمواجهة صعود تنظيم «داعش» داخل العراق.

* باحث زائر في مركز دراسات الشرق الأدنى, جامعة كاليفورنيا مدرس العلوم السياسية,جامعة القاهرة.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة