الأخبار العاجلة

نون و»منهاتن» ونوبات الجنون

جمال جصاني

عقود من الحرب الباردة بين الشرق والغرب، وفرت الشروط اللازمة لولادة ونمو جماعات الإرهاب الدولي من مختلف الواجهات والاشكال اليسارية منها واليمينية، الدينية منها والوضعية. لكن لحظة الحادي عشر من سبتمبر عام 2001 مثلت حداً فاصلاً في تأريخ الإرهاب الدولي، اجبرت المجتمع الدولي والقوى العظمى على أن تغير الكثير من مسلماتها السياسية وخططها الأمنية.
لقد مثل الهجوم على قلب الدولة الاعظم في عالم اليوم (الولايات المتحدة الأميركية) ورمزها الاقتصادي (برجا التجارة العالميان) في مدينة منهاتن، صدمة لا مثيل لها للادارة الأميركية والامة الأميركية وهي في ذروة احتفائها بالعصر الذي توجت فيه كسيدة لعالم القرية الكونية. واليوم وبعد مرور 13 عاماً على ما عرف بـ(غزوة منهاتن)، وبالرغم من السياسة الهجومية الجديدة للادارة الأميركية، واحتلالها لبلدين (العراق وافغانستان)، وتمكنها من قتل زعيم تنظيم القاعدة الإرهابي اسامة بن لادن، وقبله زعيمها في العراق ابو مصعب الزرقاوي وغيرهم الكثير، الا ان المتابع للمشهد العام يرى؛ ان موجة الإرهاب ومساحات نفوذه لم تتقلص بل ازدادت وولجت الى اطوار أشد فتكاً ووحشية.
ليس هناك ادنى شك من ان الحلول العسكرية في مواجهة هذا الفايروس الفتاك (الإرهاب الاسلاموي) قد برهنت على عجزها في اسئصال هذا الخطر، الذي بات يهدد الامن والاستقرار الدوليين، والتدخل العسكري والامني لمواجهته، على الرغم من اهميتهما الملحة، الا انها غير كافية، وستتيح له مجدداً من استرداد قوته ونفوذه من دون مواجهته في الجبهات الاخرى، خاصة القيمية والثقافية والمعرفية منها.
إنّ مشهد ظهور الخليفة في ثاني أكبر المدن العراقية (الموصل)، واعلان دولة الخلافة في العراق والشام، هو نتاج لتظافر حزمة من الشروط المحلية والدولية، لاسيما ما اشرنا اليه حول التحالفات التي اوجدتها ظروف الحرب الباردة بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، حيث ساندت دول ما يعرف بالعالم الحر أكثر الانظمة تخلفاً وبعداً عن منظومة الحريات والحقوق في المنطقة. كما تحالف المعسكر الشرقي مع ما عرف بالانظمة الجديدة لحركة التحرر الوطني، تلك التجارب التي انحدر من جوفها الجيل الجديد من انظمة الاستبداد السياسي (الشمولية) في العديد من البلدان مثل سوريا والعراق وليبيا وغيرها.. هذه التشكيلة من التحالفات المفروضة تركت آثارها الوخيمة على حاضر ومستقبل هذه الاوطان القديمة، حيث نشاهدها اليوم وهي وسط مخاطر وتحديات يمكن ان تعصف بما تبقى لها من أمل في العيش كباقي الامم التي وصلت إلى سن التكليف الحضاري.
الدور الأممي المفقود
بعد نهاية الحرب الباردة، تأمَّل غير القليل منا ولادة مناخات اخرى مغايرة لما كانت عليه الحال قبل سقوط جدار برلين، خاصة في الشرق الاوسط، أحد أكثر مناطق العالم سخونة وتوتراً، وتحديداً بعد عدوى التحولات الديمقراطية التي انتابت غير القليل من البلدان، وبالرغم من تأخر وصول مثل تلك العدوى لمضاربنا المنحوسة، الا ان بواكيرها وصلت للبلد الذي شكل استثناءً بينها منذ لحظة استقلاله (تونس)، حيث اندلعت شرارة ما عرف لاحقاً بـ(الربيع العربي)، الذي انتقلت لتشعل حرائق مدمرة في باقي البلدان التي وصلت اليها السنته الجامحة.
ولم يمر وقت طويل حتى تحول ذلك (الربيع) بفعل العفاريت التي انطلقت بعد سقوط ممثلي الخط الاول من انظمة القهر والاستبداد؛ الى كابوس لا مثيل له من المجازر والانتهاكات التي يندى لها جبين البشرية جمعاء. ومن المؤسف ان يعيد المجتمع الدولي وقواه المتنفذة اعادة تنظيم نفسه بشكل لم يختلف كثيراً عما كانت عليه الحال زمن الحرب الباردة. التحالفات (الجديدة- القديمة) وفرت كل مستلزمات المشهد الكارثي الذي تعيشه منطقتنا، وبالاخص منها الوطن المنكوب ابداً (العراق)، الذي اختارته قوى الردة الحضارية ملاذاً لفردوسها المفقود (الخلافة) وتشريعاتها العابرة لزجر الزمان والمكان.
بعد الفظائع الرهيبة التي ارتكبتها قطعان «الدولة الاسلامية» في العراق وسوريا، ارتفع منسوب الحماسة لدى دول حلف الناتو والمتجحفلين معه من دول المنطقة، كذلك انتقلت عدواها الى المنتسبين لنادي الجامعة العربية، حيث تضمنت قراراتها الاخيرة الوقوف الى جانب هذين البلدين المنكوبين بالقوى الضاربة لرأس الردة الحضارية الراهنة، خاصة بعد ان كشفت التطورات الاخيرة حجم الاحتياطات من الغيبوبة والهذيان والتخلف والغضب والتذمر، التي تستند اليها مثل هذه الجماعات والعصابات الدينية والإرهابية في هذه البلدان، وقد شاهدنا كيف انتقلت مشاهد قطع الرؤوس الى لبنان بعد ما جرى للصحفيين الأميركيين مؤخراً.
ومن المؤسف ان يكون المجتمع الدولي على هذا المستوى من التبلد وفقدان المعايير الانسانية في التعاطي مع الجريمة والانتهاكات البشعة في مختلف بقاع العالم. وهنا لا بد للقوى الكبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية، والتي شهدت مدنها أحد أكثر الجرائم هولاً في تاريخنا الحديث (غزوة منهاتن)، من ان تتحمل مسؤوليتها الاممية والاخلاقية تجاه هذا الفايروس المميت (الإرهاب)، لأنها ساعدت في عمليات التخصيب الذي اوجدته وتركته يتمدد ويتورم من دون أي حس بالمسؤولية تجاه مصائر شعوب وقبائل تلك المختبرات.

الإرث القاتل
ان هذا الشكل الهمجي الذي ظهرت عليه الاجيال الجديدة من الجماعات الإرهابية، والتي تمثل (داعش) نسختها الاخيرة، لا تنفصل عن ذلك الارث من العقائد والمدارس والنظم الممولة من ولايات الرزق الريعي. ولا يمكن فصل مشاهد النزوح المليوني الذي شهدته المناطق التي غزتها جحافل هذه العصابات، ووضع اشارة الحرف (ن) على عقارات ومنازل سكانها الاصليين من المسيحيين عن هذه الثقافة والقيم التي تم الترويج لها ببركة البترودولار ومدارس طالبان وباقي الطفح القيمي الذي انجب كل هذا المسوخ. هذه هي المغارات والملاذات والقواعد الخلفية لكل ما نواجهه من هزائم متتالية على مختلف الجبهات المادية والمعنوية، وحالنا سيتعرض باستمرار لمثل هذه النكبات من دون مواقف جدية محلية واممية تضع نصب عينيها أولاً وقبل كل شيء مهمة تجفيف هذه البرك الآسنة وموطن التعفن العضال لشعوب وقبائل من افترضتهم شرائع السماء ان يكونوا «أمة وسطا» لا جزر لقطاع الطرق..!
ان حالة التعاطف الواسع والاستقبال غير المحدود لمثل تلك المشاهد الهمجية والاجرامية ضد البشر، من قبل قطاعات واسعة لا في مضاربنا المنكوبة وحسب، بل تجاوزت ذلك الى غير القليل من الجاليات المليونية المعتاشة على خيرات «فسطاط الكفر» يؤشر الى خطورة الطور الذي ولجت اليه «خير امة» والمتجحفلين معها بارهاب. هذا الطفح الهائل من الجماعات والتنظيمات الارهابية من طالبان الى القاعدة والبوكو حرام وجماعة ابوسياف وشباب الصومال وذروته في خلافة داعش والمقبل من الابتكارات والورش التي ستحتضن نتاج الدورات الجديدة من التخصيب بين موروثاتنا القاتلة وآخر ما يقدمه بازار التقنيات والعلوم الحديثة. هذه الشيزوفرينيا التي اعادت الى مضاربنا آلاف من مجاهدي «الغرب الكافر» كي يكرسوا ما تعلموه هناك لخدمة النوبات المتأخرة من فتاوى الجهاد المتعدد الوظائف والاشكال.
أما الحكومات الغربية فقد ادركت متأخرة عاقبة مواقفها غير المسؤولة في التعاطي مع هذا الوباء الذي انتشر في بلدانهم وتحت رعايتهم الرسمية، فالجميع يعرف الكم الهائل للمؤسسات الاسلاموية المتطرفة بمختلف انواعها وواجهاتها المزيفة في لندن على سبيل المثال، والجرأة التي تميزت بها في الدعوة لتنظيم وتجنيد الشباب لمثل هذه النشاطات والتي انحدر من جوفها غزوة منهاتن وتحويل الحلم المفقود الى واقع (الخلافة) وغير ذلك من الممارسات الموجهة ضد ابسط حقوق عيال الله. وبعد وقوع «الفاس بالراس» قررت الدول الاوروبية انها ستفكر باسقاط جنسيتها عن اولئك المنخرطين في مثل تلك الاعمال والنشاطات المارقة. ومثل هذه القرارات لن تكون كافية وناجعة في التصدي لمثل هذا العدو الذي يمثل تهديداً جدياً للأمن والاستقرار العالميين، ويتطلب من الدول العظمى والغنية خاصة مواقفاً أكثر مسؤولية وحازمة في التصدي لهذا الخطر الذي تورطوا باعادة انتاجه، وان لا يكتفوا بالمعالجات المحدودة والموضعية، في عمليات اسئصال هنا أو هناك عبر المشرط العسكري والأمني، لأن المواجهة الحقيقة له، تتركز في الجبهة الثقافية والمعرفية والقيمية، لذا لا بد من توجيه الاهتمام الى تلك الضفة والى حيث المؤسسات التقليدية والمحافظة والرجعية التي تعيد انتاج صنوف لا حدود لها من تلك الفايروسات الفتاكة.
ان حماسة ادارة الرئيس اوباما المتأخرة لمواجهة خطر داعش على «مصالح اميركا وحلفاءها» داخل الولايات المتحدة وخارجها، يمكن ان تبقى ضمن الاجندات التي اعتادت ان تحمل عصا التأديب لمخلوقات مؤسساتها السرية، ان هي تجاوزت الحدود المتفق عليها في السيناريوهات المعدة مسبقاً، وهذا هو كعب أخيل سمعة ومكانة الولايات المتحدة الاميركية في العالم ومنطقتنا على وجه الخصوص، والقوى الديمقراطية الفعلية فيها تدرك جيداً الاثر العميق الذي تركته مثل تلك السياسات في نفوس وعقول وذاكرة شعوب هذه المنطقة في المواقف السابقة لاميركا تجاه قضاياهم التحررية المشروعة، وعلى سبيل المثال لا الحصر الموقف من الجمهورية الاولى في العراق والموقف من حكومة الدكتور مصدق الوطنية في ايران وغير ذلك الكثير.
بلا شك يقف العالم اليوم أمام اختبار حاسم في مواجهة احد ابشع اشكال الارهاب والذي يهدد الجميع من دون استثناء، وهذا ما نشاهده اليوم في الائتلاف الاممي الواسع المضاد له، حيث قرر حلف الناتو البدء بعمل عسكري واسع ضد هذا الخطر الدولي وعلى الجبهتين العراقية والسورية، وكما يقال ان تأتي المبادرة متأخرة خيرا من ان لا تأتي ابداً. لكن تبقى هذه الخطط والمواجهات غير مكتملة من دون ان ترافقها استعدادات اخرى للمواجهة على الجبهات الاخرى والتي لا تقل اهمية عن مسألة الحسم العسكري التي تنتظرها شعوب واقوام هذه الاوطان المنكوبة بنوبات الجنون وهلوسات العقائد القاتلة.

* من أسرة «الصباح الجديد»

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة