الأخبار العاجلة

عندما تطير الجيوش كالكراكي!

ميثم الحربي*

يرمي حدث «11 أيلول/ سبتمبر» بين نشأته وذكراه العالم المنقسم بين حكمة الشرق، وعلم الغرب في أتون الغضب المتبادل والتنابز بالذرائع البيزنطية حول النجاح في درس الفضيلة الغائب. وكلما اشتد الخصام، والمعاندة حضرت القوة بعضلاتها إلى الميدان وعبثت بسلالة الإبراهيميين على مرأى من المكان، والشخص، والموقف، ولاسيما إذا عرفنا أنّ الأزمات الدينية التي تجرفنا في مهبها تقرأ «يهودا» كمكان، و»المسيحية» كشخص، و»الإسلام» لازمان ولا مكان ولا شخص إنما هو»موقف».. وتحت التحولات في السياسة الدولية، واحتشاد الخيال لدى راسمي استراتيجيات إطفاء التهديدات من شاشات العالم نجد أن «ما يدعى بـ «الأصولية الإسلامية» وبالمعنى السلبي قطعا، هي أثر من آثار الإعلام الرأسمالي. بل إن هذا الإعلام روج وسوق هذه «الأصولية» أكثر مما فعل لها المنتسبون إليها، كما لو كانت هذه «الأصولية» مشجبا أيديولوجيا ضروريا/ بؤس العالم- بيير بورديو».
وبعد هذا الحدث المزلزل برزت حزمة من التصورات والإشكالات حول ما الذي مثّله عمل بن لادن والقاعدة في إطار صورة العالم الجديدة هذه؟ اعتراض عنيف على النظام العالمي القائم؟ احتجاج قاتل على السياسة الخارجية للولايات المتحدة؟ فضح بالحديد والنار للسياسة التي تنتهجها إسرائيل في الأراضي التي تحتلها بدعم من الولايات المتحدة؟ انقلاب الشبكات التي استخدمتها واشنطن في مقارعة الاتحاد السوفياتي على حلفائها السابقين؟
هذا الخليط من أهم الأسئلة/الإجابات/ الأسباب التي طوّقت حدث «11 سبتمبر» وعلّقت على حاشيته في كتاب «من منهاتن إلى بغداد- ما وراء الخير والشر» .. تحرير: محمد أركون وجوزيف مايلا الصادر عن دار الساقي عام 2008.
إلا أنه منذ عام 2008- زمن إصدار الكتاب، وما أعقبه من تحولات في متون «الحركاتيين الإسلاميين»، وما برز من صدمة قاسية أخرى شبيهة بهجمات منهاتن في موصل العراق على يد الدولة الإسلامية في العراق والشام «داعش» قد أسهم بأمشاجه في اندثار أسئلة وتجاوز ملاحظات باتت اليوم أيضا في عداد الذاكرة.. لكنها الذاكرة القريبة التي بُنيت على قواعدها الشاحبة خطوط تصادم مستجدة، حوّلت الكثير من التعليقات إلى روائح تنوس في باحة قريتنا الكونية التي تعاني جميع بيوتها من الدهشة، والتوتّر، حيث أخلت الدبلوماسية الهادئة التي يبدو أنها طعنت بالسن المكان للآفاق المشتعلة بالحريق الكبير، الذي يتناول حاضر ومستقبل العراق حصة الخراف والأسد من ألسنته الرّهيبة.
نتذكر اليوم معا قبلة الموت والعناق الناري الذي أخفى الطائرة الغاضبة وبرجي التجارة في سحب من الدخان الكثيف، والجثث. وسيصبح هذا التذكر الخلفية أو الأرضية التي نشأت على رمادها العاصفة المغناطيسية التي مَنحت تردداتها كيانا ماديا لـــــــــ»داعش» وجغرافيا واضحة المعالم، ستكون مبررا غليظا من جديد للقضاء على تهديد الجيل الثالث للقاعدة، وأعراضه الجانبية في رأس مجتمعاتنا، فهل سيتم رميهم بالنهر كما تمّ رمي بن لادن في البحر؟
ووسط شجون هذا التذكر نجد أنّ العالم يتوتر حاليا على شكل «حَدث» يتلقاه الشرق والغرب وهما يتكوّران على شكل كرة منضدة تتحرك بين السياسة والأعلام الدوليين. فالغرب مازال يتلقى الحدث على أنه اعتداء ويقوم بتفريغ مشاعر الغضب في متن الجاليات العربية – الإسلامية، ومازال الشرق يرتبك في التماس الذرائع ويلقي باللائمة على كتلة أيديولوجية جهادية لا تمت للإسلام بصلة. وعلى هذا المنوال مازال نوع التلقيين ينحرجان في أزالة غمامة الإفساد الكثيفة الذي مزّق كل الحبال الهشة لود القضية!
كما أن الحيرة لفي ازدياد أمام العرب والمسلمين وهم يتلفظون بأسمائهم غير الصلبة من قبيل عرب/ إسلام/ وطن/ هوية/ معاصرة… وما إلى ذلك مما تدره عليهم قواميسهم المجدبة، وما يحفل به حاضرهم المفكك من «سبات ديني» مريع تضخه علينا كمية «لا، النافية» أزاء كل تلفظ من تلك التلفظات!
أما شباب الغرب، فقد وجدوا اليوم من يزيل عنهم حالات الاكتئاب، والحياة الفقيرة من المغامرات في «اليوتيوب» عندما يظهر بريطانيون متعلمون، وأفارقة، وهلم جرا… وهم يكشفون تأثرهم التضحوي بخطاب «السلفية الجهادية» ويدعون أقرانهم لجلب الكوكب والبدء بالتكبير تحت راية «دولة الخلافة». ففي موصل العراق «الديمقراطي» أطلقت الصافرة، وليركض الجميع قتلة ومقتلون في مضمار حروب اليقين، إلى الأبد!
في المقابل، لابد من وضع النقاط على حروف «سجون الإرهابيين» في العالم.. غوانتانامو ومن لفّ لفه في الشرق والغرب. ففي تلك السجون – على وفق تتابع عنجهية المعطيات- يتم تأهيل الجهاديين ليس على الاندماج بالعالم، بل على الارتطام المتفجر بأساساته، ومنه بمستقبله. لكون المتخرجون من تلك السجون سيخرجون محملين بقصص السعلاة التي قتلها «دينهم الشجاع»، كذلك سيقوم هؤلاء المسرنمون -الماشون في غيبوبتهم- بمحاولة تلو أخرى لزعزعة الاستقرار وتوليد «دفعة مأساوية بطرف الإبهام تُوجّه إلى التاريخ على أمل/رجاء أن يسرع في التحول إلى ثورة عالمية للإسلام/أركون-جوزيف مايلا».
وقد يصح قليلا أو كثيرا ونحن نتلقى النتائج المتفجرة النابعة من أحزمة الجماعات المسلحة في منطقتنا أننا في صدد «حروب يقين»، التي حين تنتقل إلى أرض وجمهور «الأعداء والكفار» ستكون حرب مصالح واستعراضا ضاريا للقوة التي سيتم بها تدويل الجهاد ويرتفع كخلاصة بربرية نهائية على أربع قوائم وتندفع كوليد آخر عنقود لمثلث المراحل التي عصفت بالمنطقة منذ تشنجات مخيلة الخطاب السياسي الدولي للقرن العشرين إلى الآن بعدما انتقلنا بصخب وعنف من الاستعمارية، فالامبريالية، فالعولمة كمجتمعات معاناة لا تكف عن الجلوس في كرسيّ الاستقبال العاصف للنتائج أو لا تكف عن كونها مطمرا للنّفايات المشعّة.
وخلال تلك المراحل وقف الجميع على تردد القلم «الشاطب والمضيف» لشتى لوائح الإرهاب، التي حفلت بالشخصيات، والمنظمات، والحركات.. وكان يتم ذلك وفقا لحركة بوصلة المصالح وتوازنات العوامل الدولية وهي تنتقل من صيف الحروب إلى شتائها.
ووصولا إلى اليوم، وذكراه.. سنبقى ننظر في وجوه بعضنا بغضب في جنازة المعنى واندثار خيال الحكمة الذي لم نعد نضرب به ونقيس حيث «يأتي غياب أفق المعنى والأمل في السياسات السائدة ليشل الطموحات ويدمر المواهب، وليحبط أصحاب المشاريع وليشجع تشكل المافيات السياسية – المالية، وكل ذلك مع خنق مبادرات الجماعات الاجتماعية المجدِّدة على غرار البرجوازية الصاعدة التي تكفلت بنهوض أوروبا الحديثة، وإذا كان هذا الوصف منطبقا على المجتمعات الغنية والمتخمة، فالأولى أن يمتد إلى المجتمعات الفقيرة مقترنا بعوامل قوية تضاعف المشكلة كالجهل السياسي على مستوى أحزاب الدولة والقادة الرؤساء لمدى الحياة والديمقراطيات الشكلية.. وبعد أربعين أو خمسين عاما من ممارسة السلطة لابد من كشف حساب نقدي لوضع حد نهائي لخطاب تبرئة الذات حول موضوعات الاستعمار الجديد والامبريالية والعدوان الثقافي من قبل الغرب، وحد نهائي «مقابل» لأوهام بناء الهويات الوطنية، وللإثراء الفضائحي للفئات المتحصنة في جزر مريحة ومحمية من الاجتياحات الخاطفة من قبل الجماهير «الخطرة» المتروكة بين أشكال العزاء الديني والانجراف الإرهابي/ جوزيف مايلا».
وبين أمس «أيلول» في الولايات المتحدة الأمريكية، وحاضر «حزيران» في العراق.. تطأطيء الاستراتيجيات، والجغرافيات التي ستستقبلها كفأرة مختبر تحت مقولة منفعلة: التدمير. لكون الدبلوماسيات المتاحة مرتهنة ومحشورة بين حلقة الزناد، وبيت الترباس.. وكل ظنها أن المستقبل سيخرج آمنا من هناك. وأمام هذا الهوس في استعراض القوة يقبع بين ظفرين سؤال وحيد ومعزول: هل حقا تعطّل الحل، ولاوجود – مطلقا- لقطع غيار أخلاقية عليا تصنعُ لنا الملاذ؟
إن استراتيجيات القضاء على تهديد أحفاد «11 سبتمبر» تتحرك اليوم في فضاء مُؤسف؛ ذلك أنّ الخلل المباشر لتوليد هذا الأسف كان بسبب طريقة عرض الديمقراطيات على بلدان غنية بالمصالح السائلة لكنها لا تمتلك سيولة الشراء، وعلى هذا المنوال يتمّ تخويفها بين الحين والأخر بأنّ «حلف الناتو» سيأخذ حاضرها ومستقبلها مخفورين إلى التوقيف وسط استمرار دوران كرة الروليت المجنونة في دائرة لُعبة المحاور، والنوايا المريبة للأقوياء بين فارضين للتهديد، ومدمرين له في آن. وبغض النظر عن حبنا للأحزان، لنقل إنّ القاعدة ومركباتها جاءت في زيارة سريعة إلى العالم وصرخت بجنون في أذنيه، وبذلك سيكون التفاؤل أنّ الطنين العارم الذي أحدثته في قناتنا الوسطى لابد له أنْ يعود أدراجه ويخفت هذا الطنين شيئا فشيئا إلى درجة الصفر. عندها سنطلق حفلة الحوار وندير وجه الحضارات العبوس من التصادم إلى التصالح. ويا ترى هل سنستطيع أنْ نخلع هالات القداسة المتبادلة ونضخّ في روع العالم حدوسنا الرومانسية الجديدة بشأن القيم العصرية، والمدن الفاضلة؟
وأخيرا لقد اتضح اليوم بشكل جلي «أنّ بيانات وتبنّيات القاعدة انتمت إلى أدب يختلط فيه السياسي والديني ويقدم نفسه على أنه عمل خلاصي يدحو فيه الجهاد أبواب المدينة الأرضية ليفتح أبواب المدينة السماوية.. لكنه لم يدحُ غير أبوابنا ولم يبقر غير بطوننا/ جوزيف مايلا».
كما يحلو القول إننا في خضمّ حريقنا الكبير محتلون من قبل التطرّف والحياد العاطل الذي جرفنا بشكوكيته غير المنتجة، إلى حافة العدم. أين نذهب؟ أمامنا جدار مكتوب عليه: هذه نهاية التاريخ. ربما علينا أنّ نرجع ولكن ليس إلى الرجعية والارتكاس، بل إلى أنفسنا وبحبوحة انتمائها الهاديء إلى السلام والمصالحة، مع أصحابها الثلاثة: الذات، والموضوع، والآخر.. بعد رفع الأنخاب عاليا في ختام «فاصلنا الحربي» الطويل.
إنّ ملايين الجثث اليوم، تطفو فوق مياه المشاعر الشائكة وهي ترسم على محياها الأزرق الصامت مطالبات بُحّ صوتها حول العدل، والحرية، وترنيمة المستقبل الزاهر.. وهذا المنظر الجاثم على الذاكرات عليه أنّ يحرّك الجميع صوب تخليص الإنسانية المُحطّمة من «تشاؤمها العقلي» الذي طال به السفر المضني في سبيل إنتاج قيم الحياة وطرد «بومة مينيرفا» بمصباح «ديوجين» أو إنْ شئت بلهيب ولاعة سكَائر.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة