الأخبار العاجلة

العـالم أقـل أمنـاً وأكثـر قلقـاً

13 عاماً على أحداث 11 أيلول:
علي عبد العال*

تفيد الوقائع الميدانية على الصعيدين العسكري بالدرجة الأولى والصعيد السياسي بالمرتبة الثانية إن العالم برمته لم يشهد إستقرارا لا عسكريا ولا سياسيا بعد إنقضاء 13 عاما على احداث 11 أيلول سبتمر 2001، عندما تم تدمير برجي التجارة العالمي في وول ستريت بمانهاتن وسط نيويورك. ذلك الحدث الكبير الذي جسد واقعة حربية مختلفة وجديدة كل الجدة تبتعد كثيرا عن مفهوم الحروب التقليبدية عندما تم ضرب أمريكيا ضربة قوية بالصميم. لم يكن لأحد توقع هذا التطور العسكري الساذج أن يصل إلى القلب النابض للولايات المتحدة الأميركية بكل هذه السهولة المفرطة بالسذاجة والتخطيط البسيط. لقد حصل الأمر المهول بالتأكيد، حصلت تلك الكارثة التي ألحقت التشويه بسمعة الولايات المتحدة الأميركية ومرغت جميع أجهزتها الإستخباراتية والأمنية والدفاعية وقوتها العسكرية مرغتها بالوحل وأهتزت سمعة أميريكيا وكبريائها كونها أسطورة القوة الوحيدة في العالم التي تتفوق على جميع قوى العالم مجتمعة. ضُربت هذه القوة العظمى بالقلب وضُرب الأسد بعرينه كما يقول المثل. كانت حقا ضربة موجعة جعلت العالم البشري الإنساني المحايد، وجميع الدول الرسمية والحكومات بالعالم تتضامن مع الولايات المتحدة الأميركية في هذا المصاب الجلل الذي أصابها على حين غرة.

العالم يحبس أنفاسه
حبس العالم انفاسه بعد تلك الضربات المفاجئة المروعة والقوية التدمير وبموضع قدراته العسكرية والاقتصادية والمدنية؛ الضربات المباغتة أكثر قوة وتأثيرا من السلاح المجهّز للأوضاع الحربية التقليدية حتى على مستوى الصراع النووي. كانت هجمات الحادي عشر من أيلول موجعة للقيادة السياسية الأميركية خاصة وللمجتمع الأميركي عامة أشد أنواع الوجع الذي بلغ مستوى الرعب ومن ثم التفكير بالإنتقام الشديد. عندما يغضب الرجل الشديد القوي المجّهز بأنواع الأسلحة الفتاكة والقوة العسكرية التي لا تُضاهى فمن يجرؤ على الوقوف بدربه إن لم يلتحق بركبه طوعا، وهكذا فعلت جميع الدول الأوروبية وجميع دول عالم بما فيها الدول الإسلامية والعربية التي فاقت من سباتها الطويل للحاق بهذا القطار الكوني الهادر، والصعود بهذا المركب الغاضب الذي قادته الولايات المتحدة الأميركية للسيطرة على العالم بشكل كامل وبدون إعتراض من قبل أي دولة أو حكومة على وجه الأرض. هذا هو بالضبط ما كانت تطمح له الولايات المتحدة الأميركية. قيادة العالم تحت سيطرتها المطلقة ومعاقبة الشاذين عن هذه القاعدة الجديدة في المجتمع الدولي الحديث.
البيانات الرسمية التي يمكننا إيرادها في هذا السياق هي معطيات واقعية وحقيقية جاءت ثمرة جهود إستخباراتية ودراسات مفصلة لعناوين كبيرة في المجتمع الدولي. تشير هذه الدراسات إلى وقائع تدل بشكل مباشر إلى ضلوع المخابرات الأميركية لتدبير هجمات الحادي عشر من سبتمر أيلول 2001. الأهداف كبيرة ونتائجها كبيرة بطبيعة الحال لكننا يجب أن نستمع إلى قول الماضي من الأيام القريبة حتى نستطيع تكوين بعض الأفكار الخاصة بنا.
بعض من مقتبسات 11 أيلول 2001
«زعم وكيل وكالة المخابرات المركزية قد التقى بن لادن في يوليو
يدعي التقرير الفرنسي بقي الزعيم الإرهابي في مستشفى دبي
صحيفة الغارديان ، الخميس 1 نوفمبر 2001 03.17 بتوقيت جرينتش
قبل شهرين من 11 سبتمبر طار أسامة بن لادن إلى دبي لمدة 10 يوما لتلقي العلاج في المستشفى الأمريكي، حيث زار من قبل وكيل محلي وكالة المخابرات المركزية، وفقا لصحيفة لوفيجارو الفرنسية.
من المعروف أن الإفصاح أن يأتي من المخابرات الفرنسية التي تحرص على الكشف عن دور غامض لوكالة الاستخبارات المركزية، وكبح جماح واشنطن من توسيع نطاق الحرب إلى العراق وأماكن أخرى.
وذكر بن لادن قد وصل إلى دبي يوم 4 يوليو من كويتا في باكستان مع بلده شخصية طبيب، وممرضة وأربعة من حراسه الشخصيين، في أن يعامل في قسم المسالك البولية. بينما هناك كان يزوره عدد من أعضاء عائلته والشخصيات السعودية، ووكالة الاستخبارات المركزية.
واعتبر رئيس وكالة المخابرات المركزية في المصعد، في طريقه لرؤية بن لادن، وفيما بعد، ويزعم ذلك، تفاخر للأصدقاء حول اتصالاته. استدعي إلى واشنطن بعد ذلك بوقت قصير.
وتقول مصادر الاستخبارات أن وكالة المخابرات المركزية وكيل آخر كان حاضرا أيضا. وأن بن لادن كان زار صاحب السمو الملكي الأمير تركي الفيصل، ثم رئيس المخابرات السعودي، الذي كان قد تلقى منذ فترة طويلة علاقات مع حركة طالبان، وبن لادن. بعد ذلك بوقت قصير تركي استقال، ومؤخرا كان قد هاجم علنا له في رسالة مفتوحة: «أنت بذرة فاسدة، مثل بن نوح».
المستشفى الأميريكي في دبي ونفى بشكل قاطع ان بن لادن كان هناك مريض.
نفت واشنطن الليلة الماضية أيضا قصة.الطائرات الخاصة التي يملكها الأمراء الغنية في الخليج تطير كثيرا بين كويتا والإمارات، وغالبا على «رحلات الصيد» الفاخرة في الأراضي متعاطفة مع بن لادن. وتؤكد مصادر أخرى أن هذه الرحلات الصيد وفرت فرصا للاتصالات السعودية مع طالبان والإرهابيين، لأنها بدأت لأول مرة في عام 1994. وكثيرا ما تم الإبلاغ عن بن لادن ليكون في حالة صحية سيئة. وتزعم بعض الروايات أنه يعاني من التهاب الكبد الوبائي Cويمكن أن يتوقع أن يعيش لمدة عامين فقط لا أكثر.
وفقا لصحيفة لو فيجارو، في العام الماضي أمر آلة غسيل الكلى المتنقلة ليتم تسليمها إلى قاعدته بقندهار في أفغانستان.
سواء تأكدت هذه المزاعم عن الاجتماع دبي أم لا، التسريبات أوسع من المخابرات الفرنسية على مرمى ضوء مقلق على التنافس وعدم التنسيق بين وكالات الاستخبارات، سواء داخل الولايات المتحدة وبين الحلفاء الغربيين.
شكوى مألوف من المخابرات الفرنسية هو أن التعاون مع الأميريكان كانت أساسا في اتجاه واحد، معهم سعداء لتلقي المعلومات مع إعطاء القليل في المقابل.»*1
لا نريد هنا الدخول بملابسات أحداث الحادي عشر من أيلول 2001 بقدر ما نود رصده على الساحة العراقية بالدرجة الأولى والساحة العربية والإقليمية بالدرجة الثانية والساحة العالمية بما يهمنا من شعوب مسحوقة هي وقود هذه الحروب العالمية ومادتها الحيوية الأكبر بشريا واقتصاديا ودينيا بطبيعة الحال حيث كل ما يجري الآن من أعمال عسكرية مدمرة وتفجيرات عشوائية وحشية وقتال همجي بين المسلمين أنفسهم إنما يتم تحت عباءة الدين الإسلامي. نحن الضحايا من قبل الإجرام الوطني المحلي والإجرام الإقليمي الحقود والإجرام الدولي الذي لا يستطيع التمييز بين الحقيقة المؤلمة والواقع الشرير إلا عن طريق الطائرات من دون طيار. طائرات من دون طيار ومن دون ضمير ومن دون أهداف إنسانية محددة. هكذا تتطور عقول المخابرات المركزية الأميركية لتتحول إلى صياد همجي يقتل دون ريب ولكنه لا يجني الثمار.

العالم بين مزدوجين
نشهد جليا، كعرب وكعراقيين بالتحديد، مع الكثير من الشعوب القصية في أرجاء العالم المتحضر الحالي، فيها الدول الأوروبية بمجتمعاتها المتحضرة سياسيا واجتماعيا وثقافيا نشهد جميعا ظاهرة عالمية جديدة ومخيفة مصدرها الرئيس الولايات المتحدة الأميريكية. هذا القطب الأميركي يجب ان يُصار إلى قطب عالمي وحيد تدين له جميع شعوب وقارات الأرض بما فيها القارة الأوروبية التي لا تقل شأنا عن عظمة أمريكيا. الدب الروسي يعد العدة للتصدي لرجل الكاوبوي الأميركي المغامر الذي يمتلك السلاح المتطور لكن تنقصة الشجاعة وينقصه المنطق الحضاري.
نعترف جيدا اليوم، وفي هذا التاريخ بالتحديد، وبعد 13 عاما على أحداث وول ستريت وضرب مبنى التجارة العالمي إن العالم تطور بالمقلوب. ونعترف تماما أن الثقة قد فُقدت بين المجتمعات العالمية والمنظمات الدولية التي ترعى حقوق الإنسان. ونعترف بأن اللجان المدافعة عن حقوق الإنسان قد تقهقرت واصبحت عديمة النفع في محاولاتها للدفاع عن حقوق المدنيين من الأبرياء. ونعترف أمام القانون أن أجهزة المخابرات الأجنبية تجتاح الدول بقيادة الولايات المتحدة الأميريكية بسجون طائرة بالأجواء العالمية. ونعترف بأن دول أوروبية ضمنها السويد الدولة التي تدعي الحياد تسّلم معتقلين أبرياء لأجهزة المخابرات الأمريكية. نعترف بأن تلك الأمور تم فضحها وتم القصاص من المسؤولين عنها. ونعترف بأن العالم يسعى نحو الأسفل، بل إلى الحضيض بدل ان يتطور نحو الأفضل بعد 13 عاما من أحداث أيلول الدامية.

إخفاقات أمريكيا أكثر من نجاحاتها
لم تنجح الولايات المتحدة الأميركية بتقديم نموذجا يُحتذى به على الصعيد العالمي من ممارسة سياسية ضخمة تخص العالم والرخاء والبيئة والتطور العلمي الحقيقي في السنوات القليلة الماضية، على الأخص بعد مرور 13 عاما على أحداث أيلول سبتمر 2001 سوى مفهوم القوة والحرب. تدعي الأطراف السياسية والمخابراتية الأميركية والدوائر المتنفذة بالحكم أنها حققت إنجازات عظيمة في محاربة العدو الأكبر. ونطرح هذا السؤال البسيط: من هو العدو الأكبر للويلات المتحدة الأميركية؟ هل هو العدو الشيوعي المنقرض، أم هو العدو الإسلامي الحديث أم هو الداخلي الذي يتمثل بالفقر والعوز لطبقات اجتماعية واسعة داخل المجتمع التي تفرز يوميا معضلات ومشاكل اجتماعية بين طبقات المجتمع الواحد؟ أمريكيا تنقلب على أمريكا ذاتها.
تم تجنيد آلاف الشباب الأمريكيين بحروب مجانية أقل ما يُقال عنها أنها حروب قذرة. حروب رجال نفط وأصحاب شركات عملاقة تقودهم مصالحهم الخاصة فقط. يذهب ضحيتها الكثير من الشباب ويرحلون بعيدا عن ديارهم للموت في البراري البعيدة دفاعا عن مصالح الشركات الكبرى ورؤوس الأموال الضخمة والإحتكارات الكونية التي تأكل اليابس والأخضر.
العالم يتغير نحو الأسوأ بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية وسيطرتها على القرار العالمي. أوروبا المنتشية برفاهيتها ومنسوبها الاقتصادي والمالي الرفيع المستوى ليست بمنجى عن التوجه العسكري الأميريكي المدمرالقادم بحجة محاربة الدولة الإسلامية بالعراق والشام. تلك خطة معروفة: وضع الطعم للفأر لكي يلتقطه القط.

تنظيم القاعدة في معامل
التفريخ السريّة
لم يعد تنظيم القاعدة في الوقت الراهن سوى شبح عجوز منفرط الأوصال بعد تفريخه في معامل تصنيع التنظيمات الأكثر دموية والأعنف بطشا المتفرعة عنه في دوائر المخابرات الأميريكية والبريطانية وغيرها من الدول الأجنبية ضمن المحيط الإقليمي كتركيا والباكستان، إضافة لمطابخ دول الخليج العربية الرجعية. فبعد تصفية زعيم القاعدة أسامة بن لادن على يد قوة أمريكية خاصة قبل نحو عامين أخذ هذا التنظيم بالتماهي حد التلاشي بتنظيمات متشتة ومترامية الأطراف وبعيد عن المركز بافغانستان أو باكستان، لتمتد في القارة الأفريقية بالصومال كحركة الشباب ومالي كعصابات بوكو حرام وغيرها حتى الشمال الأفريقي وزمر العصابات المسلحة المتقاتلة بليبيا والجزائر وتونس ومصر وربما المغرب أيضا. وتم تفريخ تنظيمات إسلامية متطرفة وأكثر وحشية من القاعدة الأم ذاتها كتنظيم جبهة النصرة بسوريا وتنظيم داعش «الدولة الإسلامية بالعراق والشام» وكذلك الدولة الإسلامية بالعراق بزعامة خليفة المسلمين الجديد أبو عمر البغدادي، وما يلحق بهم من تنظيمات متطرفة في اليمن وغيرها من دول الجوار كالمملكة الأردنية الهاشمية التي يترصدها الخطر الإرهابي المتمدد والزاحف نحوها حتى وهو يتحول إلى فلول وشراذم منهزمة بسوريا والعراق، ليكون أكثر خطرا كالضبع الجريح. الأمر الذي توجست منه أوروبا ذاتها،بل وحتى الولايات المتحدة الأميريكية أيضا. وطفقت إلى السطح مخاطر إنتشار عناصر تلك التنظيمات المتطرفة تحت راية الإسلام المزيفة في الأجواء السياسية الغربية برمتها والتي دعت حلف الناتو يخصص المؤتمرات والتحشيد الدولي لتكوين حلف عالمي يتصدى للمخاطر المحتملة لهذه التنظيمات المنفلتة من عقالها، والتي لا تتلكأ بعصيان أوامر أسيادها في دوائر المخابرات السرية للدول الضالعة بخلق هذه القوى المتوحشة الشريرة لإثارة الرعب على المستوى العالمي.

لا توجد سياسة «النأي بالنفس» بعد اليوم
أختفت وتلاشت ما يعرف بـ «سياسة النأي بالنفس» أو بمصطلهحا السياسي الأكاديمي العام «سياسة الحياد الإيجابي» من قاموس التعامل الدولي بالدرجة الأولى والقاموس السياسي العام بالدرجة الثانية. لا يستطيع أي نظام سياسي أي دولة، بل وحتى أي فرد من أفراد المجتمع المؤثرين الزعم بأنه بمنأى عن الأحداث السياسية الجارية بالعالم وعن مستويات خطورتها على الدول والحكومات والأفراد. موجة الرعب التسونامية التي تمثلها العصابات الإرهابية المتوحشة والبربرية تجعل الجميع دولا وأفرادا وحكومات تنخرط بالعمل الجاد لصد تلك الموجة التي تتخذ شكل الوحش الحقيقي وليس تلك الوحوش التي تصنعها المخيلة البشرية في أستوديوهات هوليوود، ولو أنها منسوخه عنها في نسخها الواقعية وليس الخيالية فقط.
كان العالم إلى حد قريب، ما بعد الحرب العالمية الثانية والحرب الباردة بين المعسكرين الشرقي والغربي قد أفرز كضرورة سياسية تاريخية مفهوم بلدان الحياد التي تتخذ لنفسها خارطة سياسية تناى بها عن الإنخراط الفعلي في الحروب الدائرة بين المعسكرين الكبيرين، وشملت هذه الدول جميع الدول الإسكندافية وغيرها من الدول الأوروبية الصغرى. لكن هذا المفهوم السياسي العالمي أنتهى بعد أحداث ايلول سبتمر 2001 ومازال يتكرس في الواقع الدولي بعد 13 عاما على نحو متجذر ومقبول من قبل شعوب جميع البلدان.
يزداد العالم اليوم قلقا وهلعا وخوفا من المجهول الذي ينتظر هجمات التنظيمات الإرهابية في أي مكان وفي أي بقعة من بقاع العالم. وفقط بالأمس القريب أطل علينا زعيم القاعدة أيمن الظواهري بنبأ تكوين فرع جديد في شبه القارة الهندية الأمر الذي أثار الهلع بين السكان وجعل الحكومة الهندية ترفع درجات التأهب والإستعداد العسكري إلى الدرجات القصوى.
ينخرط العالم دول وحكومات وأفراد ومؤسسات مستقلة حرة ومدنية وطبية وخيرية وإعلامية بعملية التأهب والحذر تطارهم أجهزة مخابرات مختلطة الأجناس ومختلطة الأهداف ومجهولة الهويات، الجميع ينخرط في غمار عملية مجهولة الأبعاد ومثيرة للرعب البشري على جميع الأصعدة. سوف ينتهي هذا الكابوس المرعب في يوم من الأيام القادمة بعد أن يحصد المزيد من الضحايا الأبرياء وخلق المزيد من الدمار في العمران البشري التاريخي والثقافي للإنسانية العميقة الجذور.

*من اسرة «الصباح الجديد»
*1 عن الموسوعة العالمية اليوكبيديا

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة