الأخبار العاجلة

هل الإسلاموية قدر العرب؟

عزيز العظمة*

وكما هو الأمر في أماكن أخرى، فإن الدين في العالم العربي وعلى مدى فترة من قرن ونصف، موضوعياً وتدريجياً قد انسحب تقريباً، grosso modo، من اشتباكاته بمساحات مختلفة من الحياة، التعليم على نحو رئيس والقانون والتنظيم الاجتماعي والثقافة والسياسة والنماذج المعرفية، مخلياً الطريق إلى القانون المدني والمحاكم المدنية والدولة والمؤسسات التعليمية الخاصة (بما يشمل الجامعات الحديثة) والتخصصات العلمية الطبيعية والجغرافية والتاريخية والحديثة والأفكار الحديثة عن التنظيم الاجتماعي والسياسي، بما يشمل ذلك الأيديولوجيات الحديثة الدستورية والقومية والليبرالية والاشتراكية وغير ذلك الكثير. هكذا، فقد تراجعت الشخصيات الدينية ومحافلهم المؤسساتية، ليس أقله الثقافة الدينية المعايير الدينية السلوكية للسلوكيات الشخصية والأخلاقية، كل ذلك قد تراجع إلى الهوامش، على الرغم من وجود الحضور الرمزي الرسمي، مخلية الطريق بذلك إلى القضايا والمؤسسات الحديثة التي انبثقت من الشروط السائدة، لكن ذلك ليس من خلال التقليص، ومن دون أن يحمل هذا أيديولوجيا العلمانية التي تمأسست مركزياً. كما أنّ الوجود الرسمي للدين قد تمّ قيادته تحت نطاق السيطرة البيروقراطية للدولة، الدولة التي، في كثير من الحالات، قد تعلمنت، كما هو الحال في أوروبا قبل قرون، وغدت الممتلكات تحت وقف الأوقاف التي سيطرت عليها المؤسسات الدينية. هكذا، فقد تم التعبير عن الدين الرسمي على نحو كبير تحت ظل تأثير تقنيات التفسير القانوني الرسمي التي قال بها الإصلاح الإسلامي في الجزء الأخير من القرن التاسع عشر، وأصدروا مدونات في توافق مع الاتجاهات السائدة للدول الحديثة والمركزية، تتراوح بين التأمين والترتيبات المصرفية والجمعيات إلى الاشتراكية في الفترة الناصرية والمعاهدات مع إسرائيل في عهد السادات. كل هذا، بالطبع، على نحو غير مقبول مفارقة، كما هو حال مع ترجمة اصطلاح الشورى القرآني إلى الديمقراطية. إنه يعتمد على نموذج معياري في مفاهيم تتسم بالبهلوانية والالتواء لخطابات اعتذارية عامة.
ومع ذلك، لقد كان هناك تطوراً موازياً، ناجماً عن التمايز الاجتماعي والمرتبط بأطروحة العلمنة. وقد كان هو تشكيل منظمات تقووية مدنية، قد تنظمت كأندية، وعلى نحو أقصى بالترافق مع التطور السياسي المنوجد، وفي لحظات معينة، عندما أصبحت الاشتراكية القومية نموذجاً للإصلاح القومي، في نشوء تشكيلات شبه عسكرية- جماعة الإخوان المسلمين في مصر يعتبرون مثال على ذلك، كما كان حال راشتريا سويميسفاك سناغ (the RSS) القومية الهندية في ظل جولو ألكار وحتى اليوم. لقد عملت مثل هذه المنظمات كتكثيف وإعادة تشكيل وتوجيه الرموز الدينية و المشاعر في قنوات محددة جيداً ومنظمة تنظيماً جيداً، مضفين عليهم شكلاً واتجاهاً منظماً سياسياً واجتماعياً، ما أسفر عن شبكات دوائر تنظيمية وأيديولوجية واتساقاً دلالياً ذاتياً.
التحديث والعلمنة وتسونامي الأسلمة
هكذا، فإنه من خلال الإمكانيات التي توفرت بواسطة التمايز الاجتماعي المفسر من خلال أطروحة التحديث والعلمنة، فقد كان على الدين أن يغدو وفق هذا النحو نموذجاً محدداً واجتماعياً وثقافياً مستقلاً، مثل كل النماذج الأخرى التي تصعد جراء التمايز الاجتماعي. إنه من خلال الهوامش، فإنه غدا ممكناً تحرك الشروط اللوجستية إلى المركز، على افتراض تقديم معايير مكتفية ذاتياً للفعل الشخصي والاجتماعي والسياسي. لقد غدا الدين برنامجاً للتحول الكلي: لم تكن الإمكانيات اللوجستية هي التي جعلت هذا ممكناً فحسب، ولكنْ التحول المفاهيمي الحاسم كذلك. فبينما كان القرآن قبل نهاية القرن التاسع عشر، بصرف النظر عن الأغراض التعبدية، نادراً ما يقرأ وفق شرطه، وبصرف النظر عن التفاسير والتراثات المتراكمة للتفسير، ومن ثم على نحو متقطع حدث تحول مهمّ باتجاه الفكرة البروتستانتية للكتاب المقدس بكونه موضوعاً قائماً بذاته حيث ظهرت هذه الفكرة في الأفق- تراث كتابي وفق المعنى الذي يقدمه طلال أسد. لقد قُرأ القرآن على نحو كليّ، ووفق شرطه، بغض النظر عن التراثات المتراكمة- متميزاً عن تاريخه الطويل من التلقي، وتم تحويله إلى موضوع قائم بذاته ونموذج مجرد، قادر على الإحياء. هكذا، نجد بالتالي أنّ الأصولية غدت ممكنة.
ما يسميه البعض بالتسونامي الإسلامي بعد الربيع العربي يستمد مما قيل، والذي جرى تهيئته بواسطة الشبكات التعليمية الهائلة والمعلومات والشبكات الأيديولوجية واللوجستية- أولاً من المملكة العربية السعودية في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، أي في الوقت الذي عملت فيه هذه الشبكات باعتبارها عناصر في الحرب الباردة، كقالب ثقافي واجتماعي لعقيدة ترومان. وقد وُجّه هذا إلى خلق قوات محافظة متموضعة اجتماعياً وقوى مناهضة للحداثة وللاشتراكية في المنطقة. وبالتزامن مع هذا كان هناك سياسة الشيوع: فكرة المجتمعات الفسيفسائية، حيث الخيال المناهض للحدثة السياسية غدا برنامجاً سياسياً وقد حقق نجاحات دلالية: وهو واحد يحول الفئات الاجتماعية والدينية إلى فاعلين سياسيين. لقد كانت ماليزيا في خمسينيات القرن الماضي مثالاً مهماً في هذا، وكذا الأمر بالنسبة لإندونيسيا في الستينيات، وإن كان أكثر خطراً بكثير. هكذا، كان هناك أمر الأسلمة في باكستان في السبعينيات والسودان في وقت أسبق إلى حد ما، وبالطبع خلق قوات من الإسلاميين ضد السوفيات في أفغانستان. وأخيراً، إنه أثناء الحديث عن الشبكات اللوجستية من التعبئة والتنظيم، ينبغي على المرء أنْ لا ينسى القنوات البترو-إسلامية والقنوات الفضائية في العقديين الماضيين.
ومنذ ذلك الحين، اكتسبت المشاعر الأصولية زخماً قوياً في أن تكون مكتفية ذاتياً، بصرف النظر عن المجتمع المحدّث والمعلمن، وحاولت الانتقال إلى مركزه. لقد بنوا في شروط التفكك الاجتماعي والتراجع في كفاءة النظم التعليمية والركود في مهمة تحديث الدول العربية وانجرافهم نحو التخلف الاجتماعي، بما في ذلك التشجيع غير الرسمي الإيجابي للجماعات الإسلامية. وقد بنوا أيضاً في ظل تزايد الفجوات بين الأغنياء والفقراء والنهب المدمر للاقتصاديات النيو-ليبرالية والحكم الفاسد الذي أنتجوه، وجمعٌ من القضايا الأخرى. لقد بنوا على أسس ركود الأيديولوجيات الوضعية والحداثية القومية التي صاحبت الهزيمة العسكرية، الأمر الذي مهد الطريق إلى القومية الثقافية والهوياتية التي استخدمت الدين كصرخة لكي تحشد بها الجماهير.
أسلمة الدستور
أما في الآونة الأخيرة، فقد بنوا وسط العناصر المتعلمة على أسس قوالب ما بعد الكولونيالية وما بعد الحداثية وضد التنويرية، وأيضاً وفق أسس الظاهرة العالمية لسياسات الهوية، سياسات الهوية التي غالباً ما يُمنح فيها الدين الأوالية على حساب الوطنية. لقد كان شرط التعددية الثقافية في أوروبا عاملاً مهماً رئيساً في هذه العملية؛ هكذا، فقد أخذ يوصف الأتراك وغيرهم بكونهم «مسلمين»، بصرف النظر عن الرغبات والأماني لهؤلاء الذين يوصفون بكونهم مسلمين. وفي ظل هذه العملية، أصبح للأسلمة تأثير على رقعة واسعة من الفئات الاجتماعية، والتي لم يكن لها في السابق أي شأن في تسييس الدين: هوية إسلامية ضمن المعايير ترسم الاندفاع الباكر، في الأساس، على الميل الطبيعي إلى التماثل الاجتماعي، أولاً كتأثير، ومع الوقت تغدو طبيعة وعادة في المرتبة الثانية، وفي الوقت اللازم يتم تخيلها بكونها منوجدة مسبقاً، طبيعة إسلامية تسبق التحديث.
الأسلمة الدستورية هي نتاج حزب سياسي، الإخوان المسلمين: وهذه جماعة شريرة إلى حد ما مع العديد من التقلبات الكهنوتية في أسالبها، والجائعة على مدى طويل للسلطة وتتمرس من خلال إحساس قوي في الأهلية والاستحقاق- استحقاق بسبب العلاقة الخاصة بالرب، وبسبب الافتراض الشعبي أنّ الإسلام والشريعة الإسلامية القديمة تتوافق، في قالب نموذج حيوي، مع طبيعة الناس، وبسبب تاريخ طويل من السرية المواربة والقمع: وهذه الأخيرة يجب النظر إليها بحذر. وبممارسة طغيان الأغلبية الرسمية، فإنه من غير المستغرب أنّ الحزب وممثله في مركز رئاسة الجمهورية، محمد مرسي، (المنتخب بهامش صغير جداً) أن يختطفوا الثورة المصرية الأخيرة التي دُعم فيها انتفاخهم، وحاولوا إضعاف القضاء وأخونة جهاز الدولة، وكذلك الأمر وسائل الإعلام وذلك باستخدام الإمكانات السلطوية والقمعية وتنظيم الدولة المصرية، جنباً إلى جنب مع العمل في الشارع من قبل عصابات الحزب- بما في ذلك في مثال واحد بما يعرف بـ التحرش الشرعي ضد النساء غير المحجبات في الشارع (وقد انحسر هذا)؛ نذكر أنه في 23 يناير من سنة 2013 حينما افتتح محمد مرسي معرض القاهرة للكتاب، فقد تم إعلام غير المحجبات أو اللواتي يرتدين بنطالاً من قبل حرسه بأنْ يبقين بعيداً عنه (جريدة السفير، 24 /1/ 2013). حاول مرسي في إعلانه الدستوري في 22 /11/ 2012 موضعة نفسه في الأعلى وإلى إضعاف وشق القضاء سياسياً. وقد أرسل جمهور الإخوان (مع عناصر مسلحة) لتفريق المظاهرات خارج القصر الرئاسي في 5 ديسمبر. وكان جمهور الإخوان قبل يومين قد حاصروا المحكمة الدستورية. وبالمثل، في نفس الوقت تقريباً أكثر أو أقل، هاجم جمهور حزب النهضة الاتحاد العام للشغل، وفي الخامس من ديسمبر دعاهم الغنوشي بالمخربين وبكونهم ضد الثورة. الإخوان المصريون تخلفيون، متأثرون بالسعودية، لم يجددوا أبداً أنفسهم أيديولوجياً. ماكرون.
وبعد التظاهرة الشعبوية لجمهور من أجل مرسي والشريعة في مصر، لم تعد المحكمة الدستورية قادرة اليوم لتجتمع وتعلن اللجنة التأسيسية والدستور غير دستوريين وغير شرعيين، وذلك بسبب التظاهرات، واستطاعة الإخوان حشد جمهورهم إلى الشارع. لقد كان الإخوان المسلمون ينتظرون مثل هذه اللحظة لأكثر من ثمانين سنة من النشاط الشرير والانتهازي: موقفهم موقف طامع للسلطة بعيون جائعة واستياء على مدى طويل وشعور يتزامن مع هذا من بالاستحقاق والأهلية ( استحقاق: الرب وشعبويتهم، مفاهيم حيوية ورومانتيكية عن الشعب والفعل السياسي). تقول المادة السابعة: «يقوم المجتمع المصري على العدل والمساواة والحرية والتراحم والتكافل الاجتماعي والتضامن بين أفراده في حماية الأنفس والأعراض والأموال (الشاطبي)…»، من دون تحديد، فلسفة مجتمع وضمنياً طبيعة للاتقاء والأمر بالمعروف. وتقول المادة 219: «مبادئ الشريعة الإسلامية تشمل أدلتها الكلية وقواعدها الأصولية والفقهية ومصادرها المعتبرة في مذاهب أهل السنة والجماعة». ويقول السلفيون أن هذا تجاوز للعلمانيين والمسيحيين وذلك من قبل القائد السلفي ياسر برهامي في فيديو مسرب يعود تاريخه إلى 24 /12/ 2012. وقال أيضاً بشأن المادة 76: «لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص دستوري» الذي يحدد الشريعة.
عودة أم ردة؟
هكذا، نجد بأنّ الأشد دراماتيكية ربما هو الزيادة الملحوظة للجهادية، المحلية لكن في الغالب الأجنبية، وسط جماعات المعارضة المسلحة في سورية التي تشارك في رقصة الموت danse macabre مع النظام هناك. كل هذا رغم ما تقوله استطلاعات الرأي: لقد كشف استطلاع سنة 2011 لـ 16.000 من المستطلعين في العالم العربي بواسطة المركز العربي للأبحاث والدراسات السياسية (الذي يحتل الآن الأولوية في تحديد الاستطلاع في المنطقة) بأنّ 47 % يعتقدون أنّ الإسلام هو مسألة خاصة حيث ينبغي أن يتم فصله عن الحياة العامة. و38 % يعتقدون بأنّ الحياة العامة ينبغي أنْ تسترشد بالدين. وعارض ثلثان تدخّل الشخصيات الدينية في السياسة. هذا رغم أنّ النساء في موقف دفاعي في كلّ من مصر وتونس، ويبدو أنهن يُعدن النضال بغية التقدم الاجتماعي الذي حققوه سابقاً.
لذلك، فإنّ ما نشهده وما نراه من الصور التي عرضت ليس «عودة» مقدرة؛ إنّ هذه الصور تتحدث عن الانحدار الاجتماعي وليس عن عودة شيء أصيل وطبيعي وملزم. إنهم بدلاً من ذلك خلابون، تسهب بهم قوى سياسية واجتماعية. يتحدثون عن مناهضة العلمنة، كقوى ارتكاسية اجتماعية يعملون إلى جانب الروحنة للمجال العام، حيث تغدو فيه السياسة، على حد تعبير أحد أعضاء الإخوان المسلمين (والآن هو ميت) «التقوى الاجتماعية»: وهذا ما ينطوي عليه صعود نخب جديدة، وإعادة تنظيم اجتماعي وتدمير التعليم والثقافة الحديثة وتسلل الدولة البيروقراطية والشرطة والقوى والمسلحة والقضاء، وأخيراً و ليس آخراً إعادة ضبط اجتماعية المواطنين وإعادة تحديد الثقافة الوطنية وفقاً للقوالب الدينية الجديدة. إن المناهج الدراسية في مصر وتركيا هي الآن في خطر إدخال نظرية الخلق الأميركية الطراز في دروس البيولوجيا. وقد تمت إزالة صورة لمؤلفة نسوية مصرية بارزة، وهي درية شفيق، من كتب التربية المدنية للمدارس الثانوية في يناير عام 2013، بسبب أنها ظهرت غير محجبة (طلب من وزارة الأوقاف، وقد تم الطلب منها به من قبل وزارة التعليم للنظر في المسائل المتعلقة بالدين). أيضاً مما أزيل: صور ارتباط القرآن مع الصليب في اللوحات لثورة 2011. لقد رفض أحمد أمين في أربعينيات القرن الماضي تعيينها في الجامعة: «لا تعيين لامرأة جميلة». وقادت شفيق سنة 1951 على نحو ناجح نساء للمطالبة بمنح المرأة حق الانتخاب. كما شفيق احتجت في سنة 1954 ضد مسودة دستور لعدم وجود امرأة واحدة (جريدة السفير، 9 /1/ 2013). كل هذا ينطبق على الحزب الحاكم في تركيا: نموذج «الديمقراطية المسلمة»، أياً ما يعني هذا، بيد أنه في الواقع نموذج في معنى الهندسة الاجتماعية المعين وفي الاستخدام الأداتي.
ولإعادة صياغة سؤال عنواني في هذه المحاضرة «هل الإسلاموية قدر العرب؟» من دون كلمات منمقة: هل الانحدار تاريخي والتقهقر اجتماعي مقدّر؟ جوابي على هذا: لا. إن في ما يجري في العمليات التاريخية، ليس كقوى قدر، ولكن كحقائق سياسية، ومجتمع وهندسة اجتماعية والتي تشتد على نحو واضح.

*فصل من محاضرة
ترجمة: حمّود حمّود ـ عن موقع الأوان

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة