11 ايلول وانقلاب السحر على الساحر

علي صابر محمد*

بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية شهد العالم ولعقود حربا باردة بين المعسكر الغربي متمثلا ببريطانيا وفرنسا وأوروبا الغربية وبقيادة اميركا ضد المعسكر الشرقي المتمثل بالاتحاد السوفييتي والصين ومجموعة الدول الاشتراكية آنذاك ونتيجة عوامل داخلية وسوء الادارة في الجانب الشرقي وعمل الغرب المتواصل على تفكيك المعسكر الاشتراكي حصل انهيار للبناء الاشتراكي وانفرط عقد الاتحاد السوفييتي وظهرت للوجود دول في اسيا كانت بالأمس القريب ضمن منظومة الاتحاد السوفييتي ، ولم يقف الغرب في مسعاه للإطاحة بهذا التحالف بل سعى لتدمير القدرات الروسية باستنزاف امكانياتها الاقتصادية من خلال خلق ساحة حرب مستمرة تدمر وتحرق الالة العسكرية لها وتزرع بذور التذمر داخل مؤسساتها المدنية والعسكرية وكانت افغانستان المكان الامثل لهذه المهمة حيث كانت القوات الروسية تحمي الحكومة الموالية لروسيا ولما كانت السياسات الغربية تقوم على دعم كل الحكومات الديكتاتورية والفاسدة والمنظمات الدينية بغية توظيفها لمحاربة الشيوعية ونظامها الاشتراكي المتمدد في العالم والذي يلقى قبولا واسعا خاصة من شعوب دول العالم الثالث وضمن متطلبات الحرب الباردة لذا جندت المجاهدين العرب لمحاربة الجيش الروسي تحت غطاء ديني حيث تتلاقى مصالح الغرب الاستعماري ومصالح قوى الاسلام السياسي المتطرف المتحالف مع الانظمة الرجعية والمتخلفة لدول الخليج وتبنت اميركا تدريب المجاهدين العرب لدى مؤسساتها على احدث التقنيات ومولت تنظيماتهم وسلحتهم بأحدث الاسلحة المتطورة وبات العالم يعرف منظمة القاعدة المتمركزة في افغانستان واذرعها الممتدة الى الكثير من دول العالم وخاصة العالم العربي والاسلامي وفتحت امامها سبل الاتصال بالشباب عبر المساجد الرسمية وبحمايات حكومية ، وقد تمكن هذا التحالف التخريبي من الحاق الاضرار الكبيرة بالجيش الروسي مما اضطره الى الانسحاب من ساحة المعركة لتسقط الحكومة المحلية بيد القتلة ويجري اعدام القيادات السياسية لها بطريقة بشعة وتحت انظار العالم ، وما ان انتهت المهمة وسقطت افغانستان بيد قوى الظلام وانتشرت الفوضى في البلاد وتمزق المجتمع الافغاني حتى اصبح هؤلاء الماجورين بلا عمل لذا بدأ الخلاف يدب بين الشركاء واختلفت مديات الاهداف بين اميركا والمجاهدين وكان تنامي قدرات القاعدة بمستوى اصبح بمقدورها الاستقلال بسياستها ونهجها حيث ان الشراكة بدأت بتوافق الرؤى والاهداف ، ولكي تبدا نقطة الطلاق والانطلاق المؤثر اعلاميا اقدمت القاعدة على تفجير برجي التجارة الدولية في نيويورك وتوجيه ضربة قوية لأعتى قوة عسكرية على الارض ، الضربة التي اذهلت العالم وغيرت مسيرة احداث الكون وقلبت المفاهيم والاستراتيجيات ، فاصبح العدو الاول لأميركا هو القاعدة وفروعها ونشاطها المسمى بالإرهاب ، الا ان ذلك لم يمنع اميركا من توظيف نشاطات هذه المنظمة الارهابية وتسخيرها في خدمة اهداف امريكية سيما وانها مخترقة من قبل جهاز المخابرات الامريكية حتى ظن البعض بان هذه المنظمة لا زالت تعمل لحساب المخططات الامريكية حيثما توجب الامر وكثير من الظن صواب ، واجتهدت مراكز الدراسات الاستراتيجية في طروحاتها لتخليص العالم من هذه الآفة المدمرة وكان الرأي الاكثر قبولا هو معالجة انتشار التطرف بتجفيف منابعه وقطع مصادر تمويله وزرع الديمقراطية في البؤر المتوترة لتساهم بتحجيم المد المتطرف اضافة الى مقاتلة مراكز القوة لهذه المنظمات الارهابية ، فبدأت اميركا بتحشيد الراي العام العالمي وبناء تحالف دولي للقضاء على منظمة طالبان في افغانستان وهي مأوى وملاذ القاعدة في المنطقة ونجحت بكسر ظهر القوة العسكرية لهذه المنظمة ، واعقب ذلك تحويل فوهات المدافع نحو العراق لإسقاط نظام الطاغية كونه يشكل تهديدا للأمن العالمي وحليفا لأسامة بن لادن زعيم القاعدة .

العراق في عين العاصفة
نعم نحن ندرك بان العالم بات اكثر أمنا من دون صدام حسين الذي كان يشكل تهديدا لعموم المنطقة ، وانه كان يحث المنظمات الفلسطينية العاملة تحت خيمته على التنسيق مع القاعدة خاصة وان الموقف الامريكي تجاه القضية المركزية للشعوب العربية والاسلامية وهي القضية الفلسطينية موقف سيء يتلخص بدعم اسرائيل المغتصبة للأراضي الفلسطينية وعلى حساب حقوق شعب شرد من ارضه ، ولاحظنا كيف تم منح التنظيمات الوهابية حرية العمل في المساجد العراقية استجابة لتأثير السعودية من خلال تنفيذ ما يسمى بالحملة الايمانية كشرط لكسر طوق الحصار المفروض على العراق ، ولعل حصول الاجتماع الموثق بين احد قياديي جهاز المخابرات العراقية مع محمد عطا رئيس المجموعة المنفذة لتفجير برجي التجارة الدولية في احدى المدن الاوربية وقبيل التفجير دليل على تورط النظام العراقي في انشطة المنظمة الارهابية وتوظيف نشاطها لصالح النظام ، ثم ان ما طرح على الراي العام العالمي بوجود اسلحة دمار شامل لدى النظام العراقي مما يستوجب تدميره لم يكن سوى ذريعة لتجييش الجيوش لإسقاط النظام ، وفي الوقت الذي كشفت الاحداث خلو العراق من هذه الاسلحة المزعومة فإننا نعتقد بان ما جرى رغم مرارته هو السبيل الوحيد للإطاحة بالنظام الذي يشكل بحد ذاته سلاح دمار شامل ولكن كان من الاجدر بالقوات الغازية ان تقوم بواجباتها القانونية والاخلاقية بعدم تدمير البنية التحتية لمؤسسات الدولة العسكرية والمدنية وزرع الفرقة بين مكونات المجتمع ، وان اميركا تدرك قبل غيرها بان لبننة العراق لا يخدم مصالح العراقيين وانما يصب في خدمة مشروع الشرق الاوسط الجديد والذي يهدف الى تفتيت المجتمعات على اسس عرقية وطائفية والغاء للهوية الوطنية وبذلك تجعل ربيبتها اسرائيل هي الاقوى في المنطقة وتفرض سيادتها على الجميع وتضمن الهيمنة على نفوط المنطقة وتدفقه الى اميركا والتحكم بالسياسة العالمية من خلاله.
لقد اثبتت التجربة العراقية خلال الفترة بعد التغيير في 2003 بوجود خلايا نائمة للقاعدة في العراق منذ زمن النظام المباد وقد ظهرت على سطح الاحداث مع البناء الديمقراطي للبلد والاحتكام الى صناديق الاقتراع في تداول السلطة ولكي تثمر المعوقات تغيرت سياسة القاعدة وتحولت الى العزف على الوتر الطائفي ، وعملت هذه العناصر على اشاعة الفوضى وبث الرعب بين الناس وذلك باستخدام العنف ضد كل من يقف مع العملية السياسية وفي بعض الحالات نجد انها تنفذ اجندات تخدم الموقف الاميركي وتوجه بوصلتها بالاتجاه الذي يشار اليها من واشنطن لتغيير المعادلة على الارض ، وهذه المنظمة رغم دمويتها وشراسة اعضائها الا انها انجبت جيلا جديدا من الارهابيين باسم داعش خرج عن السياقات المألوفة في القتال واظهر صورا تفوق الخيال في خرق القيم الانسانية عند ذبحهم للبشر كالخراف وهدم المقدسات وسبي النساء وبيعهن في سوق النخاسة والاعدام الجماعي لمن لا يبايعهم كذلك اجبار الاقليات على ترك دياناتهم واعتناق اسلامهم ، وكان سجن بوكا في العراق هو المعهد الذي تتخرج منه هذه الجماعات بعد خضوعهم لدورات مكثفة والتحاقهم بالعمل الميداني في سوريا وبدعم وتمويل اميركي وخليجي ، اما وقد بدا العالم يقلق من تزايد الجرائم الوحشية لهذا التنظيم ونجاحه في تجنيد الاف الشباب من داخل اميركا وأوروبا والمخاوف تزداد عند عودة هؤلاء الى بلدانهم تغير الموقف الاميركي من المنظمة ففي الوقت الذي لا زال الدعم للإرهاب في سوريا مستمرا بدأت القوات الامريكية بدعم العراق لمقاتلة هذه الفئات الضالة وطردهم خارج الحدود ، هذه النظرة الامريكية المزدوجة لداعش في العراق وسوريا تبين القراءة الخاطئة للإدارة الامريكية لمجريات الاحداث والموقف الحرج الذي وقعت فيه بدعمها ما يسمى المعارضة السورية .
ما زال هناك الكثير من تجار الحروب في العالم وفي داخل الادارة الامريكية يرون بان انتشار الحروب في العالم هو انتعاش لهم لذا فانهم لا يبخلون بجهدهم بزراعة بذورها الا ان ذلك سيرتد عليهم في نهاية المطاف وكما يحصل اليوم ، وان افضل سبيل لإيقاف تمدد هذه التنظيمات هو انشاء تحالف دولي حقيقي لمحاربتها في كل المجالات وقطع قنوات تمويلها ودعم الحكومات المحاربة لها وان انتشار الديمقراطية بين الشعوب كفيل بتجفيف ينابيع هذا الوحش ودحره ، وفي عراقنا المنكوب لا يمكن القضاء على الارهاب والكتل السياسية متناحرة ومتلهفة عل كرسي السلطة والنفوذ ، وان توحيد الخطاب ورص الصفوف سيبعث برسالة صادقة الى العالم ليقف معنا في دحره ، ثم ان الموقف غير الواضح من اميركا من قبل العديد من الكتل وخاصة بعض مكونات التحالف الوطني يجعل الادارة الامريكية تنظر بعين الريبة تجاه العمل مع الحكومات المحسوبة على حلفاء ايران في حين ان التحالف الكردستاني قد حسم امره واعتبر اميركا الحليف المتين لها لذا تلقى الرعاية والدعم القوي والحماية العسكرية في الوقت الذي تتلكأ الادارة الامريكية وبتنصل خجول من تنفيذ بنود الاتفاقية الاستراتيجية المبرمة مع بغداد.

*كاتب عراقي

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة