جمهورية أردوغـان

جمال جصاني *

في التاسع والعشرين من شهر آب المنصرم تسلم السيد رجب طيب اردوغان مقاليد الامور من سلفه رئيس الجمهورية السابق عبدالله غول بوصفه الرئيس الثاني عشر للجمهورية التي اوجدها مؤسس تركيا الحديثة كمال آتاتورك. ومع هذه المحطة المفصلية من تاريخ تركيا الحديث، يكون اردوغان قد حقق ما رسمه من مشروعات طموحة على مختلف المستويات. صحيح ان زعيم حزب التنمية والعدالة قد تخلى عن منصبه ومسؤولياته على رأس الحزب الحاكم، الا ان خليفته السيد أحمد داود اوغلو، قد تسلم مسؤولية قيادة الحزب والحكومة الحالية بناء على توصية اردوغان نفسه، وهذا يعني استمرار النهج السياسي الذي عرفته تركيا في العقد الاخير من حياتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية. ومما لا شك فيه فان الزعيم الاكثر شعبية في تاريخ تركيا الحديث بعد آتاتورك، اي السيد اردوغان يواجه في مسؤوليته الحالية بالاضافة للتحديات التي واجهته سابقاً، حزمة من المعطيات والمستجدات، مما يتطلب تغييراً نوعياً في غير القليل من المواقف، حيث تطورت الاحداث بشكل مغاير احياناً مع ما طرحه السيد اوغلو مهندس سياسة (تصفير المشكلات) بعد ان عصفت بالمنطقة مشكلات لم تتوقعها أكثر المخيلات تشاؤماً.
إنّ المتابع للحالة التركية لابد من ان يتوقف ونوع التميز الذي رافقها مقارنة وما تعرضت له الدول والمجتمعات الاخرى في منطقة الشرق الاوسط، حيث الاستقرار والامن والتعاطي الحكيم مع المشكلات الداخلية، خاصة مع ملف القضية الكردية وحزب العمال الكردستاني، قد وفر الشروط المناسبة للتطور الاقتصادي والذي انعكس على المجالات الاخرى بشكل ملحوظ.
مثل هذه النتائج انعكست مردوداتها باتساع حجم شعبية اردوغان وحزبه، وهذا ما شاهدناه في النجاحات المتتالية له في الدورات الانتخابية منذ عام 2002 الى الانتخابات الرئاسية الاخيرة في شهر آب المنصرم. لكن هذا لا ينفي الجانب الآخر من السياسات التي اثارت حولها الكثير من الاعتراضات والاحتجاجات الشعبية، خاصة بعد ان تم الكشف عن شبكات الفساد المالي والاداري المتسللة لعدد من مفاصل الدولة والمجتمع. ومثل هذه الاعراض السلبية يمكن ان تتزايد مع مناخات الركود والثقة والاطمئنان المبالغ فيه فيما حصل من تحسن في الاعوام الاخيرة، وهذا ما يؤكد الحاجة للتجدد والمواقف الشجاعة والمبتكرة، كي تحافظ تركيا على الشروط والمناخات السليمة للاستقرار والتقدم، خاصة مع تطلعها في الانضمام لنادي الامم الاوروبية، حيث ما زال في انتظارها تحقيق عدد من المستلزمات للوصول لذلك الهدف الاستراتيجي الكبير. وفي مثل هذه المواجهات المقبلة سيكتشف العالم قدرة ومدى ديناميكية الادارة الحالية وعلى رأسها اردوغان في توجيه مركب بلاد الاناضول صوب الضفاف الآمنة، وبما ينسجم وموقع تركيا الجغرافي كجسر بين الشرق والغرب.

العلاقات العراقية – التركية
بالرغم من حجم التبادل الاقتصادي الواسع بين البلدين الجارين (العراق وتركيا)، والذي تطور بشكل كبير بعد سقوط النظام المباد، حيث اصبح العراق من أكبر واهم الاسواق للبضائع التركية، ومكان لجذب الشركات والاستثمارات التركية؛ الا ان العلاقات السياسية بينهما تدهورت بشكل غير مألوف، خاصة بما يفترض ان يكون عليه الحال بين نظامين ديمقراطيين. اذ كان يفترض بالادارة التركية ادراك ظروف العراق المعقدة بعد التغيير، وبالتالي لعب دور الاطفائي والداعم للتحولات الديمقراطية في البلد وبشكل متوازن، لا الانخراط بلعبة المحاور الاقليمية والتحول الى قطب داعم لقوى معينة ضد قوى وكتل اخرى، مما جعل من تركيا طرفاً غير محايد في صراع، كان ينتظر منها مواقف اخرى مغايرة واكثر حكمة ومسؤولية، وتتفق وقيم التعددية والحداثة والديمقراطية التي أوصلت حزب العدالة والتنمية ذا الميول الاسلاموية الى السلطة عام 2002.
واليوم وبعد الاحداث المأساوية التي شهدها العراق والمنطقة بشكل عام، حيث قوى الارهاب الدولي باتت تهدد ما تبقى من أمن هش في هذه المنطقة الساخنة من العالم، ينتظر الجميع من الادارة التركية ورئيسها ذي الشخصية النافذة السيد رجب طيب اردوغان ورئيس وزرائها المكلف أحمد داود اوغلو تحولاً نوعياً ينسجم ومتطلبات الحالة الراهنة وتحدياتها.
نأمل ان يتمكن اول رئيس تركي ينتخب مباشرة من الشعب، تحقيق ما طرحه حول (تركيا الجديدة) المتحررة من الاشتراطات الايديولوجية والشعبوية المسبقة، ليجد في الادارة السياسية الجديدة في العراق حليفاً موثوقاً في اعادة الامن والاستقرار لهذه الاوطان المنكوبة بالمنظومات والثارات الصدئة، وبما يخدم مصالح شعوبها الحيوية في الحياة الحرة والكريمة. وعلى الضد من ذلك سيكون خيار المحاور والتحالفات الاقليمية والدولية الحالية، والتي صبت الزيت على بؤر التوتر والحرائق المحلية، بعيداً عن روح الحكمة والمصالح الحيوية لسكان هذه الاوطان القديمة. ومثل هذه التحديات تحتاج الى مواقف شجاعة ووعي عميق بضرورة التحولات النوعية المنحازة لمتطلبات العيش المشترك في هذا العالم الذي حولته الثورات العلمية والتقنية والقيمية الى قرية، حيث تتساقط الحدود الجغرافية والقومية والطائفية لصالح المواطن المتعدد الهويات وشرعة التسامح والتعايش ومنظومة الحريات وحقوق الانسان. ومما لا شك فيه فان ما يجمع العراق وتركيا غير القليل لا من المصالح الاقتصادية المشتركة وحسب بل في الثقافة والتاريخ وهموم انتشال بلدان الشرق من الكارثة المحدقة بها جراء تنامي خطر الارهاب والحروب الاهلية التي يمكن ان تصل حرائقها الى مديات لا يدرك نهاياتها حتى الراسخون بعلوم الاستثمار بحروب الانتحار الذاتي واستعباد بعضنا البعض.
نأمل ان نرى في المرحلة المقبلة سياسات تضع هذه الآلام والمخاطر والمحن نصب عينيها، وتبتعد عن منهج المغامرات وضيق الافق المسؤول عن كل هذه الهمجية والانحطاط في المشهد الراهن، وحيث يتفق الجميع على ان هذا الفشل والعجز في حماية أمن واستقرار هذه البلدان المنكوبة يتحمله الجميع من دون استثناء..

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة