أحمد أوغلو.. من أكاديمي إلى رئيس الوزراء

هاكان ارسيانبنزر*

سيصبح احمد داود اوغلو ، الخبير بالشؤون الدولية والاكاديمي ووزير الخارجية الحالي ، رئيس الوزراء الجديد لتركيا ، فهذا الرجل قد تصارع مع الكثير من المشكلات منذ طفولته لكنه مع ذلك تمكن من بناء مهنة براقة بلغت ذروتها مع رئاسة الوزراء . اصبح لتركيا بين العامين 1990 و 2003 اربعة عشر وزيرا للخارجية من مختلف الاتجاهات ويمكن لهذا الامر ان يتم قراءته بوسائل متنوعة لكنه واضح بان هذا ليس صورة عن الاستقرار او عن الموثوقية ، ونرى انه حتى في العقد السبعيني الكارثي فان مثل هذه القائمة الطويلة من وزراء الخارجية يمكن ان يكون اشارة عن عدم استقرار كارثي للبلاد بين المجتمع الدولي ، وبرغم ان العقد السبعيني كان وقتا لمجالس وزراء ائتلافية فان احسان صبري كتشلاينغل ، مع خمسة وزراء خارجية اخرين كان بوسعهم البقاء في مناصبهم لفترات قصيرة فقط ، سيطر على السياسة الخارجية لتركيا من العام 1965 الى العام 1980 ، وهذه المدة جعلت بعض الناس يسمون كتشلاينغل ( كيسنجر التركي ) .
هل ينبغي لتركيا ان يصبح لها كيسنجر خاص بها ؟ وهذا له مغزاه اذا ما اعتبرنا كيسنجر رمز الدبلوماسية بوصفها فنا لإجراء المفاوضات ، ولكي نكون اكثر دقة فان طريقة كيسنجر قد تكون ذات مغزى مقابل معضلات الحرب الباردة التي بدت من غير حلول وهذا يفسر كيف ان كيسنجر ومن يوازيه في دول قوية اخرى انهمكوا في مباراة للشطرنج مع القوى العظمى ومعارفهم .
ومع ذلك فان الحرب الباردة انتهت في اواخر ثمانينيات القرن الماضي وغدت الدبلوماسية بين الدول مهنة يومية اكثر انفتاحا واصبح العالم اليوم لا يخشى احتمال نشوب حرب نووية بين الولايات المتحدة وبين روسيا لكنه يعاني من الحروب بين وداخل بلدان صغيرة، فنرى روسيا بين الحين والحين تضرب جيرانها في حين ان الولايات المتحدة تأخذ احتياطات في عقر دارها من اجل منع حصول اي اضطراب تتعلق بوصفها منيعة ( لا تمس ) من قبل العالم كله .
فاين ستقف تركيا في مثل هذه الفوضى الدبلوماسية اليومية والحروب التي تقام مرة في كل اسبوع ؟ لم تتمكن من الاجابة على هذا السؤال بطريقة موثوقة بها في العقد التسعيني من القرن الماضي مثلما حاولت اظهاره اعلاه ، مع ذلك فانه ابتداء من اواسط العام 2000 فقد بدأت السياسة الخارجية التركية بالكشف عن نفسها بوصفها محاولة باتجاه (تصفير المشكلات) ، وكان واحداً من مهندسي هذا السلوك الدبلوماسي ولعله ابرزهم هو وزير الخارجية احمد داود اوغلو الذي شغل منصبه منذ العام 2009 وكان المستشار الرئيس للسياسة الخارجية لرجب طيب اردوغان فبل تلك السنة ، ومن الطبيعي فان ذلك لم يكن مصادفة وانما اختيار مترو فيه من جانب ادارة اردوغان بما ان داود اوغلو هو شخصية معروفة لديهم ، ونرى ان وجهة نظره الدبلوماسية مشروحة في كتبه بضمنها كتابه العمق الاستراتيجي ، ولقد لخص عالم يوناني هذا الوضع بقوله ( من المستحيل في الواقع مناقشة السياسة الخارجية التركية منذ العام 2002 من دون الاشارة الى احمد اوغلو ) وحسبما قاله هذا العالم اليوناني ويدعى غريغورياديس بان داود اوغلو ( ينتمي الى جماعة اكاديمية تتمتع بامتياز منحت لهم الفرصة لوضع نظريتهم قيد التطبيق ) .

حياته الباكرة
ولد احمد داود اوغلو في 26 شباط من العام 1959 في قرية صغيرة من مقاطعة قونيا التي تقع في قلب جبال طوروس ، وكان اهله متدينون اذ كان والده محمد بيه تاجرا لكنه لم يدفع بابنه الى يصبح تاجرا مثله ، فقد داود اوغلو امه حين كان في الرابعة من عمره وعقب وفاة امه انتقل اهله الى اسطنبول التي كانت بيئة تاريخية ودينية تركت تأثيراتها ايضا في طفولته ، دخل المدرسة الثانوية التي كانت مدرسة المانية – تركية مشتركة كطالب داخلي فوجد نفسه بين امور كثيرة ، بين لغة المانية وتركية وبين الشرق والغرب وبين الدولة العثمانية وتركيا وبين التاريخ والحاضر ، واخذ يقرأ الادب الكلاسيكي الالماني بما فيه اعمال غوته وكافكا وبريخت كما انه اولى اهتماما بالماركسية فقرأ كتب ستالين لكنه وجدها ميكانيكية كأيديولوجيا ومع ذلك فانه لم ينضم الى المنظمات الاسلامية الشبابية مثل الاتحاد الوطني للطلبة الاتراك الذي كان مشهورا جدا في العقد السبعيني .
اتخذ قراره لدراسة العلوم الاجتماعية بما انه كان مولعا بالثقافة القومية وتاريخ تركيا واظهر تفوقا كبيرا في العلوم السياسية والاقتصادية في جامعة بوغزتشي وحصل على شهادة الماجستير في الادارة العامة وعلى شهادة الدكتوراه في العلوم السياسية والعلاقات الدولية من الجامعة نفسها .
تزوج من طبية نسائية في العام 1984 ولهما اربعة اولاد .

البحث عن بديل
كان كتابه الاول الذي حمل عنوان النماذج البديلة تكييفا لمبحثه لشهادة الدكتوراه قارن فيه الايديولوجيات الاسلامية والغربية ضمن النظرية السياسية وفي مختتم كتابه فهو ينتقد تماثل الحضارة الغربية بقوله ( برغم شعارات التعددية السطحية فان التعددية بمعنى بقاء الثقافات الاصلية هي اليوم مجرد عذر لمنظمة اليونيسكو لإقامة متاحف في مناطق مقيدة ليس لها اية علاقة مع الحياة الواقعية )
كما نرى ان داود اوغلو ينتقد دائما فكرة التلميح بان الغرب هو المتحد مع العالم والتي تعني بان الحضارة الغربية تحافظ على القيم الجوهرية للعالم بحد ذاته ، وهذه الفكرة قادت ، على سبيل المثال، العالم السياسي والاقتصادي الاميركي فرانسيس فوكوياما الى الفكرة السيئة الصيت عن ( نهاية التاريخ ) التي منحها داود اوغلو اجابة واضحة مؤكدا بان التاريخ ، على العكس من ذلك ، سيكسب التعجيل وان فرضية نهاية التاريخ كانت مجرد وهم القوة .
ويبدو ان الزمن قد دعم فكرة داود اوغلو عن التعجيل مقابل نظرية فوكوياما لان داود اوغلو يحاول الان مواجهة تطورات دولية متسارعة بوصفه قائد السياسة الخارجية التركية في حين ان لا احد يذكر نهاية التاريخ على الاطلاق ، ويلاحظ انه غداة حصوله على شهادة الدكتوراه فان داود اوغلو غادر الى ماليزيا حيث عمل في الجامعة الاسلامية الدولية في كولالمبور وراح يشرح في اول محاضرة القاها في الفصل بقوله ( كان الدرس اشبه بلقاء في الامم المتحدة حيث الصف ضم اثنيات شتى من ماليزيا والصين والهند وافريقيا ) وبهذا فقد غير منهاج محاضرته وقدم نصوصا من الشرق الى جانب النصوص الغربية المطلوبة مثل نصوص افلاطون وارسطو .
وغداة عامين من القاء المحاضرات في كولالمبور عاد داود اوغلو الى اسطنبول وبدأ العمل في جامعة مرمرة حيث اصبح استاذا متفرغا في العام 1999، وفي هذه الاثناء تولى تأسيس جمعية العلم والفن حيث هو وعلماء من مختلف الجامعات ومثقفون القوا محاضرات تتعلق بالعلوم الاجتماعية والفنون وصارت هذه الجمعية قاعدة لنشر مطبوعات جادة ومئات الكتب.

من عالم الى سياسي
ومن ذلك اصبح داود اوغلو الان معروفا عن اعماله في الاستراتيجية ، ومن المثير بانه قد تمت دعوته ليتولى التدريس في الاكاديمية العسكرية التركية وبين العامين 1998 و 2002 القى محاضرات في اكاديمية القوات المسلح التركية واكاديميات الحرب بصفة استاذ زائر .
بالتأكيد ان النصر الذي حققه حزب العدالة والتنمية في انتخابات العام 2002 قد غير مصير داود اوغلو ، وبرغم انه لم يقصد ان يصبح سياسيا فانه دأب على منح نصائح سياسية للسياسيين بضمنهم رجب طيب اردوغان وعبدالله غل في تسعينيات القرن الماضي ولهذا فحين بدا حزب العدالة والتنمية الحكم فكان من السهل بالنسبة لهم ان يختارو داود اوغلو مستشارا لهم .
اصبح مستشاراً لرئيس الوزراء عبدالله غل وفي العام 2003 منح لقب السفير وبعدها صار مستشار السياسة الخارجية لرجب طيب اردوغان الى ان اصبح وزيرا للشؤون الخارجية في العام 2009 ، والان فان اسمه على القائمة رئيسا للوزراء خلفا لرجب طيب اردوغان .
* ترجمة «الصباح الجديد»

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة