الأخبار العاجلة

هل دعوة أوغلو لدستور ليبرالي رسالة لمغازلة الاتحاد الأوروبي؟

صادق باخان *

هل يمكن الافتراض بواقعية وليس جدلاً بان اختيار الرئيس التركي الجديد رجب طيب اردوغان لوزير خارجيته الدكتور احمد داود اوغلو لمنصب رئيس الوزراء ان يرغب بان يضطلع باللعبة نفسها التي اضطلع بها الثنائي فلاديمير بوتين وديمتري ميدفيديف في التناوب على منصب الرئاسة الروسية ومنصب رئيس الوزراء؟
فقد اختار بوتين الاقتصادي ميدفيديف لرئاسة الوزراء بوصفه اقتصاديا اصلاحيا شاء بوتين منه اصلاح الاقتصاد الروسي من تركة الاتحاد السوفييتي المثقلة بالمركزية في حين اختار الرئيس التركي رجب طيب اردوغان الدكتور احمد داود اوغلو لمنصب رئيس الوزراء عسى ولعل ان يقنع الاتحاد الاوروبي بفتح الابواب امام تركيا ويسمح لها ان تفوز بعضوية الاتحاد ومن ذلك فماذا يمكن ان يفهم المراقبون من قول رئيس الوزراء التركي الجديد الدكتور احمد داود اوغلو حين قال في خطاب القاه امام مؤتمر حزب العدالة والتنمية الحاكم بان تركيا في حاجة الى دستور جديد ليبرالي الطابع؟

اردوغان وإحياء الخلافة العثمانية
من خلال السياسة المتشددة التي سار عليها رجب طيب اردوغان والتي اتخذت طابعا إسلاميا منغلقا في اثناء احتلاله منصب رئيس الوزراء فانه شاء بحماسة شديدة احياء الخلافة العثمانية وصار يتعامل مع العراق غداة العام 2003 كأنه ما يزال ولاية تابعة للوالي العثماني، واكثر من ذلك فقد لجأ الاغا رجب طيب اردوغان الى العزف على الكمنجة الطائفية وسعى الى استخدام المياه للضغط على الحكومة العراقية للحصول على النفط بأسعار مخفضة وهي السياسة ذاتها التي اتبعها من قبله رؤساء اتراك سابقون وفي هذا الاتجاه عمدت حكومة رجب طيب اردوغان الى طرح مشروع (غاب) يتم بموجبه بناء 14 سدا وخزانا لمياه دجلة والدافع الجوهري من المشروع هو الضغط على الحكومة العراقية، وبهذه السياسة الفوقية العدوانية فان الاغا رجب طيب اردوغان لم يعمل على قيام توترات مع العراق فحسب وانما تجاوز ذلك الى كل من سوريا ومصر وايران واسرائيل.
بالتأكيد فقد شعر الاغا رجب طيب اردوغان بالإحباط من الاتحاد الاوروبي بعد ان صفق الابواب بعنف بوجه تركيا برفضه لها الانضمام اليه لان انقرة لم تنجز جميع الاستحقاقات المتضمنة في جدول معايير كوبنهاغن التي تؤكد على تطوير الديمقراطية واحترام حقوق الاقليات والاعتراف بمبدأ تقرير المصير بحسب بروتوكولات الامم المتحدة بقدر ما يتصل الامر بحقوق الكرد وغيرهم من القوميات والاقليات، وكان الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي من اشد المعارضين لانضمام تركيا الى الاتحاد الاوروبي وما انفك يردد قصة قيام السلطان عبدالحميد بإعدام الالاف من الارمن في اثناء الحرب العالمية الاولى من دون ان يذكر بان السلطان عبدالحميد قد اعدم المئات من الكرد ايضا ولما وجد الاغا رجب طيب اردوغان انه اصبح حبيس اسوار عالية فانه وجه بوصلته باتجاه المنطقة العربية فوجدها ارضا خصبة لمن يريد ان يزرع سياسته فيها ومن ذلك غدت الدول العربية المسرح الجديد للمشهد السياسي التركي فبدأت تركيا الاردوغانية تتلاعب بالمشاعر العربية عبر البوابة الفلسطينية فقامت برسم سيناريو دراما اسطول الحرية التي راح ضحيتها تسعة اتراك في لعبة درامية شاء رجب طيب اردوغان منها ايصال مساعدات انسانية لسكان قطاع غزة المحاصر وكسر الحصار الاسرائيلي عنه ترتب على الدراما توتر العلاقات التركية – الاسرائيلية بلغت خط اللارجعة، ثم سعت تركيا الاردوغانية الى مساندة ما يسمى الربيع العربي عبر دعمها للمعارضة السورية ضد نظام الرئيس بشار الاسد ودعم حكم الاخوان في مصر برئاسة محمد مرسي فتمكنت تركيا الاردوغانية بهذه الاستعراضات الاكروباتيكية ان تمد اكمامها الطويلة فكسبت بالتالي تعاطف البلدان العربية في موقفها البراغماتي هذا من القضية الفلسطينية ترتب على ذلك ان انفتحت الاسواق العربية بخاصة الخليجية منها امام السلع والمواد الغذائية التركية وصارت المدن التركية تستقبل السياح العرب بأفواج طويلة.
وازاء ذلك حقق الاقتصاد التركي نمواً كبيراً وصارت تركيا قوة اقليمية ساعدها في ذلك كونها عضواً في حلف شمال الاطلسي مما عزز مطامح الاغا رجب طيب اردوغان لإحياء الخلافة العثمانية ولكن ببذلة اوروبية ولهذا السبب بدأ الافندم رجب طيب اردوغان يتصرف مع العراق الجديد كأنه ولاية عثمانية ويسعى من جهة اخرى ليصبح الاخ الاكبر لإقليم كردستان العراق بدلا من الالتفات الى القضية الكردية في بلاده ويلجأ لمنح الكرد حقوقهم القومية عبر حل القضية بطريقة ديمقراطية.

العلاقة مع العراق
معروف في علم السياسة ان من اولويات رؤساء الدول هو تحسين العلاقات مع الدول المجاورة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية لكلا الطرفين الا ان الافندم رجب طيب اردوغان لم يلتزم بهذا المبدأ وسعى الى تخريب العلاقة بين بغداد وانقرة من خلال تدخله في شؤون العراق الداخلية والعزف على الكمنجة الطائفية ومنح المطلوبين للعدالة الملاذ الامن والسماح لما يسمى للمعارضة العراقية المكونة من رؤساء العشائر والتجار والسياسيين الفاشلين بعقد مؤتمرات يتولون فيها طبخ مؤامرات بقصد الاطاحة بحكومة (الصفويين).
واكثر من ذلك فقد عمل الاغا رجب طيب اردوغان على فرض مضايقات على الحريات الفردية والاجتماعية في مجتمع نشأ تحت ظلال العلمانية التي وضع اسسها مؤسس تركيا الحديثة مصطفى كمال اتاتورك الامر الذي جعل الاتحاد الاوروبي يوجه انتقادات لاذعة لسياسة الاغا رجب طيب اردوغان المنافية للديمقراطية التي تكفل حق قيام تظاهرات سلمية كالتي شهدتها المدن التركية خلال الاشهر الاخيرة.
وعلى الايقاع ذاته قامت الحكومة الاردوغانية بحجب موقع التواصل الاجتماعي تويتر مما اثار غضبا شعبيا وتنديدا دوليا فضلا عن انه تسبب في نشوب خلاف بين اردوغان وبين الرئيس التركي عبدالله غل ولم تكتف الحكومة بذلك وانما لجأت الى حجب موقع يوتيوب مما دفعت الولايات المتحدة الى التنديد بحجب الموقع عن الشعب التركي وعدت وزارة الخارجية القرار بانه يتعارض مع رغبة تركيا في ان تصبح انموذجا ديمقراطيا.

تنمية اقتصادية ضخمة
بالتأكيد، لا احد يمكنه ان ينكر بان حكومة الاغا رجب طيب اردوغان قد حققت نجاحات كبيرة في تحقيق تنمية اقتصادية ضخمة حتى صارت مشاريعها تقتحم النطاق العالمي ولكن هذا لا يكفي لتغدو تركيا مؤهلة للانضمام الى نادي الاتحاد الاوروبي فضلا عن عدم جدية السيد اردوغان بإيجاد حل للقضية الكردية منذ ان اطلق زعيم حزب العمال الكردستاني عبدالله اوجلان مبادرته بوقف اطلاق النار والدخول في مفاوضات مع الحكومة التركية لتدشين مرحلة جديدة تنهي الصراع الدامي بين الطرفين لكن الحكومة الاردوغانية لم تتقدم بخطوات جدية باتجاه حل القضية الكردية وهذا يناقض جدول معايير كوبنهاغن الداعية الى منح الحقوق القومية لبقية الشعوب والاقليات وانما جعل السيد اردوغان من القضية الكردية ورقة دعائية يدعمها بإقامة مهرجانات غنائية في مدينة ديار بكر ذات الاغلبية الكردية، ويدعو لها المغني الكبير من اصل كردي ابراهيم طاطلس ليغازل بها الاتحاد الاوروبي لكن بلدانا اوروبية عديدة قالت لتركيا الاردوغانية: يكفيك المشاركة بفريقك لكرة القدم في كاس امم اوروبا وهذا امتياز عظيم لك.

اوغلو امام تركة ثقيلة
ان ما سردناه من مشكلات وتطورات في عهد الاغا رجب طيب اردوغان تمثل تركة ثقيلة خلفها لخلفه الدكتور احمد داود اوغلو، المثقف والاكاديمي والخبير في العلاقات الدولية فهل سيتمكن من ايجاد بعض الحلول لهذه المشكلات باتباعه سياسة تتميز بالمرونة وبقدر كبير من البراغماتية والتحرر من النزعة اللاهوتية المنغلقة ذات الصبغة العثمانية التي سار عليها سلفه الاغا رجب طيب اردوغان؟
بالتأكيد، ان رئيس الوزراء التركي الجديد سيسعى الى استثمار ثقافته السياسية الموسوعية او هكذا المطلوب منه الى تحسين علاقات بلاده مع الدول المجاورة في المقدمة منها العراق والانضمام اليه في محاربة تنظيم داعش الذي من الممكن ان يتمدد الى الاراضي التركية ثم ان التبادل التجاري بين البلدين بلغ عشرات المليارات من الدولارات لصالح تركيا وان السلع والبضائع التركية تلقى رواجا واسعا في الاسواق العراقية ويفضلها العراقيون على السلع الصينية والقادمة من تايوان، وينبغي للدكتور احمد داود اوغلو ان يولي هذا الامر عناية خاصة خدمة لمصالح تركيا.
وثمة امر في غاية الاهمية فعلى رئيس الوزراء التركي الجديد ان يغلق الابواب بوجوه ما يسمى المعارضة العراقية التي تنتقل من فندق الى فندق اخر وتحمل حقائبها وتنتقل بين عمان وبيروت وانقرة ودبي وابو ظبي، فهؤلاء الفاشلون الذين اتخذوا من السياسة مهنة لهم سعياً وراء الثروة والهيبة الاجتماعية هم أميون ويضرون بالمصالح التركية الاقتصادية اذ العراق ليس بلداً مصنوعا من الغبار وانما وجوده يمتد في اعماق التاريخ وانه واحد من اغنى البلدان لما يتمتع به من ثروة نفطية وغازية وان المستقبل للعراق غداة التطورات التي حصلت خلال الايام الاخيرة بمجيء السيد حيدر العبادي ليصبح رئيسا للوزراء والذي اكد في احاديثه بانه سيحرص على تحسين وتطوير علاقات العراق مع جيرانه على وفق احترام سيادة كل بلد لصالح مصالح شعوب المنطقة وان الدكتور احمد داود اوغلو يعلم تمام العلم بان العراق دولة محورية في منطقة الشرق الاوسط وان عليه ان يترجم في سياسته دعوته لقيام الليبرالية في تركيا ليس لمجرد مغازلة الاتحاد الاوروبي فحسب وانما لفتح افق جديد من العلاقات بين بغداد وانقرة وبهذا فانه سيبرهن بأنه جدير بمنصبه الجديد في عالم بات معولماً ويتحول ديالكتيكياً من حال الى حال، وكما قال السير ونستون تشرشل: لا توجد صداقات دائمة ولا عداوات دائمة وانما توجد مصالح دائمة.

* من أسرة «الصباح الجديد»

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة