الأخبار العاجلة

المجتمع المدني التركي: توجيه سياسات الذاكرة

جنغيز اختار*

خلال فترة العقد الماضي, حينما كان النقاش بخصوص الذاكرة مفتوحا في الاسواط الشعبية التركية, لعب المجتمع المدني التركي دورا في مبادرات تعدت تلك المبادرات التي اطلقتها الدولة و النخبة السياسية, لاسيما فيما يتعلق بالسياسات المرتبطة بالذاكرة و الثقافة و البيئة. و ضمن هذا التوجه, مثلت مبادرة كانون الاول من العام 2008 التي كانت اعتذارا عن المأسات الكبرى التي وقعت على الارمن العثمانيين في العام 1915, مثلت معلما هاما جدا. و تختبر هذه المقالة طبيعة المبادرات التركية المدنية في التعامل مع الرواية الحكومية الرسمية عن التاريخ, لاسيما منظوراتها فيما يخص تعبيد الطريق نحو عودة ذاكرة صحية عبر فتح المجال امام النقاش في الاوساط الشعبية التركية.
خلال فترة العقد الماضي, حينما كان النقاش بخصوص الذاكرة مفتوحا في الاسواط الشعبية التركية, لعب المجتمع المدني التركي دورا في مبادرات تعدت تلك المبادرات التي اطلقتها الدولة و النخبة السياسية, لاسيما فيما يتعلق بالسياسات المرتبطة بالذاكرة و الثقافة و البيئة. و تضمن هذا الكلام حملات للفت الانتباه الى وضع غير المسلمين و الاقليات الاسلامية, و المسيرات ذات الطابع العالمي بغية الترويج للامكانات الثقافية و الفنية, و الاحتجاجات التي تتطلب جهودا بشرية فائقة بغية حماية التراث الثقافي و البيئي في تركيا, لاسيما تلك المبادرات المتعلقة بالاقليات و التحدي الذهني المتمثل بالجماعات المنبوذة, الامر الذي يتطلب عملا معمقا و مركزا.
لذلك, فأن هذا النمط من المبادرات سيكون اكثر جوهرية و امتدادا لفترات مطولة منها عن مبادرات الدولة.
من بين هذا المبادرات, تأتي مبادرة «الاعتذار» التي اطلقت شهر كانون الاول من العام 2008 و تتصدى لموضوع الاعتذار عن المأسات العظيمة التي حلت بأرمن الدولة العثمانية عام 1915. و قد قادت هذه المبادرة الى تبني منظورات جديدة ضمن مرحلة اليمة جدا كانت بمثابة جزء من عملية بناء الامة, و هو الذي اثر على غير المسلمين عموما بالنسبة للحالة التركية, وحتى جماعات بعض المسلمين معهم كذلك. كما ان حملة الاعتذار تضمنت اشارة عميقة للاكراد الذي لعب اسلافهم دورا كبيرة في مأساة الابادة الجماعية التي تعرض لها الارمن. ففي الوقت الذي تواطئ فيه العديد من الاكراد في تلك المذبحة مع الحكومة التركية التي كانت بقيادة الشباب انذاك, فقد رفض آخرون المشاركة فيها, اضافة الى من قرر من هؤلاء الاكراد ابقاء اطفال الضحايا الارمن في منازلهم و تربيتهم. لقد وردت الكثير من الشهادات على هامش الحملة, شهادات تشير الى ان كل عائلة كردية احتفظت بطفل من هؤلاء الارمن الضحايا على الاقل, طفل بات اليوم جدا او جدة لعائلة كردية حالية, فضلا عن ان هؤلاء الذين بقوا كانوا من الفتيات الصغار عموما. ان تلك الذكريات الكردية كانت بارزة و ملفتة بمجملها, بالنظر الى ان منطقا مشابها و متجانسا ساد العلاقة حينما تكرر الموقف مع الاكراد الذين اهتم بهم الارمن بالمقابل.
اعادت حملة الاعتذار, اعادت الى الاذهان ذكرى اخرى اليمة تمثلت في هرب المسلمين من المذابح المنظمة التي شنت ضدهم, و تلك التي وقعت في البلقان و القوقاز و الاناضول منذ منتصف القرن التاسع عشر صعودا, تلك الفضائع التي تسببت بتقويض التوازن الاجتماعي في المنطقة التي اراد هؤلاء اللجوء اليها. لقد تسبب ذلك بحالة من الاستياء ما بين الجماعات الاناضولية الاصلية, و من بينهم الارمن.
لذلك, تسبب استحضار مأسات ابادة الارمن ذكرى سيئة اخرى, ذكرى ليست مزعجة في حد ذاتها و حسب, و انما كل ما بقي من الم دفين في اللاوعي. في واقع الحال, فان هؤلاء المسلمين ما كانوا قادرين ان يندبوا تلك المذابح كليا و قد واجهوا التهجير هم انفسهم و تحملوا المه, فضلا عن انهم لم يستوعبوا ذلك الدور الارادي الذي لعبوه او اوكلته الدولة لهم على امل ان يصبحوا عصب الامة التركية التي تشكلت لاحقا.
ان هذا السياق قد يفسر الافتقار الى التقمص العاطفي نحو الارمن ما بين من تحدروا من ذلك اللجوء الاليم. لكن الاعتراف المفتوح من قبل المسلمين الاتراك بذلك التاريخ الاليم, و ما شابهه من ألم كذلك, الذي اختبره الارمن في الماضي انما يمكن له ان يفتح الطريق نحو وعي مؤكد.
و بالشكل ذاته, فأن استدعاء الذاكرة يمكن ان يفتح الابواب امام افاق غير متوقعة عبر فسح المجال امام اصوات مسلمة من جنوب شرق اوروبا ممن هجروا و ابعدوا عن بلدانهم, و سلبوا ممتلكاتهم, و ذبحوا في فترة العقود ما بين معاهدة برلين العام 1878 و حتى اندلاع حرب البلقان الاولى في العام 1912.
ان استذكارات من هذا النوع يمكن ان تشكل خطوة مهمة الى الامام على طريق تحديد مكان تركيا ضمن الذاكرة الاوربية التي اقصيت منها مع حلول نهاية الحرب العالمية الاولى عام 1918.
من جانب آخر, فأن استدعاء الرعب الذي اختبره الارمن ابان تلك التجربة المروعة انما يفتح الباب امام استجواب يشمل العديد من الدعامات الرئيسية في تركيا الحديثة. فألى جانب اليونانيين الارثوذوكس (الروم), شكل هؤلاء مع الارمن القوة المحركة لانشطة الاناضول الاقتصادية. لذلك, فأن قطاعا اقتصاديا كاملا تعرض للانهيار نتيجة اختفاء هؤلاء او رحيلهم. ان هذه المناطق ما قدر لها ابدا ان تتعافى من نتائج ما سمي بالمآساة العظمى او الكارثة الشاملة, ممثلة في تلك الاحداث التي بقيت عالقة في ذاكرة من تشاركوها. ان تعريف حدث الابادة الجماعية بوصف «المآساة العظمى» انما يهدف الى تعريف تلك التجربة الكارثية و التعبير عنها ما بين العديد من الجماعات اثناء مرحلة الابادة في تاريخ الاناضول, و كما بدأ بعض المسلمين و الاكراد بالاعتراف بها بهذا الوصف. و كما هي الحال مع الاكراد كذلك, فأن حملة الاعتذار يمكن ان تلهم العديد من المواطنين الاتراك الباحثين عن الذكريات المتجذرة في ماضي عوائلهم.
لقد برزت تلك القصص فيما يخص الضحايا المباشرين و غير المباشرين لتلك الابادة الجماعية, فضلا عن الناس الاتقياء الذين انقذوا الارواح, لاسيما بصورة مباشرة عبر معارضة هؤلاء الاكراد لحكومة الاتراك الشبان التي سعت للقضاء على جيرانهم الارمن.
و بعيدا عن بعض القضايا, فأن الاعمال الشجاعة التي قام بها بعض هؤلاء الافراد انما لم تجد من يتحدث عنها و يذكرها بالمقارنة مع التاريخ المصور و المنقول لتلك المذبحة الاليمة التي ارتكبت خارج تركيا, و التي وثقها اكثر من 26000 مطبوع.
لكونهم لم يتمكنوا من الحديث عن الارمن الذين ذبحوا, فأن الناجين الذين تحولوا الى الاسلام حفاضا على حياتهم او هؤلاء الذين اجبروا على اعتناق الاسلام بالقوة انما تم الاستخفاف بهم برغم ذلك.
بالرغم من ان كل تلك القصص المكتومة مثلت النسيان الواعي للنفس المتألمة, فأن هؤلاء الناس كانوا احياء فعلا و ان احفادهم احياء الان. و في ضل غياب الاستذكار الشعبي, فأن المسؤولية اليوم تقع على كاهل احفاد هؤلاء الضحايا. ان امر البحث عن الحقيقة الذي يمثل المعلم الاساس لحملة الاعتذار قد يكون اصطدم بحائط المحضورات و الممنوعات و مواقف الانكار التي لطالما عرفت و برزت في تركيا, الا ان هنالك بعض الاختراقات البارزة في الموضوع ذاته. و لا شك ان هذه التطورات تشكل الخطوات الاولى نحو الحوار المتبادل و عملية التعلم سواء داخل الوطن او في الخارج.
و بالاضافة الى الضحايا انفسهم, فأن صور الدمار الاجتماعية و الاقتصادية و الانسانية التي وردت اعلاه و تلت الترحيل و المذابح التي شملت الارمن و باقي الاقليات غير المسلمة الاخرى من الاناضول انما تستحق ان ينظر لها وفق ضوء جديد. يصح القول ان تحليل الدوافع الذاتية, في تركيا, لا يزال يمثل رحلة تثقيفية في بدايتها, رحلة لابد من القيام بالكثير اثناءها بغية التعلم اولا و من ثم الفهم و الاثبات و التذكر و المواجهة ومن ثم اعلان الشعور بالحزن. ان هذا الكلام يصح بالنسبة للمواطنين الاتراك بمن فيهم هؤلاء الذين ينحدرون من اصل ارمني, فضلا عن الارمن من شتات ارمينيا.
اوردت المحامية فتحية شيتين, و هي حفيدة لجدة ارمنية يتيمة اجبرت على اعتناق الاسلام, فضلا عن كونها مؤلفة لكتاب ذائع الصيت بعنوان «جدتي: ذاكرة تركية-ارمنية,» اوردت انه خلال مؤتمر عقد في العام 2009 في اسطنبول ان حوارا جمعها مع فرنسي من اصل ارمني في باريس قال لها انه قد يكون له اقارب في تركيا ايضا.
فهل نقف نحن الان على عتبة فجر بناء لغة جديدة لجريمة الابادة ضد الانسانية, لغة تتضمن اكثر من مجرد الضحايا و بالتالي تعبد الطريق نحو ذاكرة مشتركة يا ترى؟
فضلا عن ذلك, فأن دعوة شعبية للمسامحة و الصفح تتعلق بهكذا حدث اليم في غضون 20 عاما, و وقع في منطقة تمتد حضارتها الى 4000 عام مضت, لم تشكل بداية تاريخية و حسب, و انما خلقت منظورا جديدا لثقافة الصفح و السماح التي لم تكن معروفة في المجتمع التركي من قبل.
ضمن بلد يصطدم فيه الوعي الجماعي بفقدان الذاكرة, فأن هذا الفقدان يتساوى حجما مع الحجم الاجمالي للجريمة متأتيا مع احساس مريض بالبراءة على شكل متلازمة طبيعية مع الجريمة نفسها, حيث يترافق ذلك كله مع احساس بالذعر من التضحية و عدم الاعتذار.
ان هذا الكلام يفسر طبيعة الصدمة التي حصلت بين الناس عبر ربط المفردتين «الارمن» و «الاعتذار» كما ورد في نص حملة الاعتذار. و لسوف نرى عبر الوقت نتائج ملموسة لهذا المسعى الرامي لتحقيق فهم عبر شرائح المجتمع التركي, مسعى كالذي ذكر اعلاه, و الذي تشكل حملة الاعتذار معلما مهما و اساسيا من معالمه. ان الانشطة الشعبية من هذا النوع, و ان كانت ليست كثيرة, الا انها تعد ذات قيمة على كل المستويات التراكمية.
و فيما تحضى هذه الانشطة بدعم السلطات من حين لآخر, فأنها تعتمد اساسا على مبادرات المواطنين التطوعية.
الى اين ننطلق من هذا المكان يا ترى؟
بالنسبة للمجتمع المدني التركي الذي يتذكر خواصه المتغايرة, فأن تعلم التاريخ الحقيقي عوضا عن الروايات الرسمية المزيفة و مقارنة الذكريات المتضاربة انما لا تعني بالضرورة اعادة فتح الجروح الغائرة و اخراج او بعث الروح في المطالب العرقية و الحصرية و الانانية و الموغلة في القومية, بعثها من قبورها مرة اخرى.
ان اعادة قراءة التاريخ, و الانفتاح المتبادل على ذكريات تعني تقمصا و اعترافا بالاديان و الاعراق و الهويات اللغوية المختلفة التي اصطدمت ببعضها البعض من اجل بناء الامة, الامر الذي نتج عنه انتقال كبير للثروة.
ان عملية ايجاد منهج جديد للامة و الوطنية قد يمر على طريق تقليل التمركز و التمحور حول الذات ضمن نموذج امة تاريخي, لكن من دون الى العودة الى المدافعين عن القوانين السابقة او فقدان الذاكرة ضمن نموذج الامة التي ترفض مواجهة تاريخها بحقائقه كما هو.
ان عودة صحية للذاكرة يمكن ان تتصدى لهذا التحدي.
ولابد للليبراليين من دعم هذا التوجه و المساعدة على مواجهة هذا التحدي. و من بين جملة ما يجب على هؤلاء القيام به, ان يعمدوا الى انضاج المجتمع و تقويته. لقد بات هنالك الان مجتمع مقترن بحرية التعبير و يرفع الممنوعات و المحظورات و يتمتع بحالة الحرية, فضلا عن كونه دائما ما يبطل حصانة النخبة السابقة, الامر الذي يعود الفضل فيه الى اعمال و انشطة الاصلاحيين ما بين الاعوام 2002-2005.
ان هذاالمجتمع يقف في وجه الاكاذيب و المحرمات و الممنوعات المفروضة من قبل النخبة السابقة, و لنا ان نقول ان هذا الموقف يحصل للمرة الاولى في زمنا الان. فهل ان من السهل التحكم بالمجتمع الذي يتمتع بالديمقراطية و التحكم بمصيره يا ترى؟ لابد من الاشارة الى ان عملية التغيير و التحول ما كانت لتتحقق لولا الديناميات الداخلية التي سنتها الحكومة عبر اصلاحتها الاولى. كما ان المجتمع التركي اضطر الى دفع ثمن باهظ عن ذلك, ثمن عن تلك المذبحة التي اقترفت بحق الصحفي الارمني التركي هرانت دينك.
اما الرصيد الاخر, فيرتبط بالناس الاتقياء الذين يدركون ان ايجاد ايديولوجية وطنية انما لم تقصي غير الاتراك و غير المسلمين السنة و غير المسلمين و حسب, و انما السنة المسلمين انفسهم كذلك. و كلما اضطلع هؤلاء بدور اكبر في كشف المعاناة و التصدي للظلم و الابتعاد عن ايجاد الايديولوجيات, كلما ازداد تعزز الديمقراطية التركية و سمح بتقمص عاطفي في هذا المجال. و اليوم, بات بمقدورنا ملاحظة بزوغ حالة اعادة تقييم واعدة جدا من قبل المثقفين الاسلاميين السنة بغية ايجاد ايديولوجية تعيد تشكيل صورة الاناضول السابقة عقائديا و عرقيا و دينيا و اجتماعيا و اقتصاديا, و على مر القرن الماضي.
من الجانب الاخر, يحتاج المجتمع المدني الى محادثين يتم التفاعل معهم. و في الحقيقة, فليس هنالك من واجهة كافية للانشطة المدنية التركية في ارمينيا ما بعد الحقبة السوفيتية, حيث كان هنالك نوع من الخط الحزبي الرسمي الحكومي الي بقي سائدا و لا يزال. و في واقع الحال, فأن العنصر الاكثر تداخلا بين الناشطين الارمينيين انما يكمن في الشتات منهم. ما بين شريحة الشتات الارمني و نظيره التركي, برزت عملية اكتشاف متبادل انطلقت بين هؤلاء الذين يتوفرون على خلفية ثقافية متشابهة, و يتحدثون اللغة نفسها تقريبا.
ان الكلمة الاخيرة بخصوص الادوار المتقابلة للدولة في المجتع و تشكيل سياساته المتعلقة بالذاكرة, انما تعد كلمة حاسمة لا يمكن تجنبها. ان المجتمع يمثل اللاعب الطبيعي في سياسات الذاكرة. و كي يكون متواترا و اساسيا و متماسكا, فأن ذاكرة السياسة بحاجة لدينامية مجتمعية, و بصرف النظر قدرة المشرعين على التأثير في المجتمع.
و في حالة القضية التركية, فأن هذا التأكيد يعد ملموسا لثلاثة اسباب. بداية و اولا, لا يمكن شفاء المجتمع كي تتعافى ذاكرته بتاثير من عامل واحد محدد و حسب ممثلا في دولة الجمهورية التركية التي نفذت تلك العملية الجراحية التاريخة بنفسها.
اما ثانيا, فأن نسبة كبيرة من النخب العثمانية و من ثم التركية تمسكت بشغف بعملية نبذ الذاكرة القديمة التي سنتها و رسختها الروايات الحكومية الرسمية المبنية على الانكار و الرفض التاريخي بغية تبرير الاستيلاء على قدر كبير من الممتلكات و الثروات, فضلا عن تبرير التطهير العرقي الذي شمل الارمن بحجة مصالح وطنية مقدسة.
ثالثا, فأن استعراضا لللا-وعي المجتمعي انما يحتاج ان يترسخ و يتعمق في بقعة محددة في لب المجتمع كي يحمل اي قيمة تتماثل و تلك التي فرضتها انانية و برود مصالح الدولة. و يصح ان نورد مثالا معبرا بخصوص ذلك من طريقة رد الفعل الشعبي ازاء اعتذار المستشار الفيدرالي ويلي براندت عن الجرائم النازية في وارشو في العام 1970. لقد رفض الراي العام الشعبي الالماني, عموما, ذلك العمل بصرف النظر عن المسؤولية الرسمية للجمهورية الفديرالية. لذلك, و برغم بطئ المقدرة العامة على فرض محددات لصبر الناس عن الاعتراف بجرائم من هذا النوع, جرائم كتلك التي اقترفت اثناء الحقبة العثمانية, فأن تطور سياسة الذاكرة انما يتنامى من خلال عملية مجهدة و صعبة, الا انها متشنجة, فيما يضل الجهد المجتمعي لاستذكار البقايا التاريخية صالحا و مستمرا.
و برغم ان الطريق نحو العمل المدني يضل واضحا, فأن «طريق الدولة السريع» لا يزال بواجه عقبات و عوارض شتى.
لقد بات هنالك الان وعي متنام و مستمر بخصوص الذاكرة, السيئة منها و الجيدة. و برغم ان الانشطة الشعبية و ان كانت معدودة و محدودة, الا ان زخما بدأ يتولد في هذا الاتجاه على جميع المستويات. و من دون تدخل من قبل السلطات, فأن هذا الجهد يضل مرتكزا على الانشطة الشعبية التطوعية عموما. ان مبادرات الذاكرة هذه تحصل في اربع مناطق رئيسية تتمثل في المواقع الاكاديمية و مواقع النشر, البحث الفردي و الجمعي عن الذاكرة, الوعي و الوضوح العام, فضلا عن الاكتشاف الثقافي و الديني.
فيما يخص الاهتمام الاكاديمي و اتباع الناشرين الرواد, فأن العديد من دور النشر تطبع الاعمال المعروفة بصلتها بالذاكرة المؤلمة, الا انها ترتبط بالماضي العالمي الغني للامبراطورية العثمانية.
و فيما يخص البحث في الذاكرة الفردية و الجمعية, فأن العديد من الناس يبحثون بفخر و يكتشفون و يعيدون اكتشاف تاريخ و ذاكرة اسلافهم من الاصول غير المسلمة ضمن عوائلهم.
اما الوعي و الوضوح العام فأنه يتنامى يوما بعد يوما. ان غير المسلمين يكتشفون انفسهم و يعيدون اكتشاف انفسهم حرفيا من خلال المجتمع. ان تاريخ الـ24 من نيسان بات موضع احتفال متزايد و متنام منذ العام 2010 كل عام و في مدن اكثر و اكثر. فضلا عن ذلك, فأن شهادات الناس الاتقياء التي انقذت حياة البعض من جيرانهم و اسلافهم الارمنيين الذين تحولوا الى الاسلام بغية الابقاء على حياتهم, انما يتم التحدث بها علنا كذلك.
في الميادين الدينية و الثقافية, نجد بقايا التاريخ التي بقيت و قد تم استعادتها بجهد كبير, فيما احتفل بها الناس مرة اخرى في الاناضول, احتفالا تداخل و تمازج مع التراث من جديد. و بالاجمال, فأننا نمر الان بحضرة رحلة فاتنة ينطلق بها المجتمع بنفسه, رحلة تستحق المضي بها و اتباع اخبارها بحق.
* بروفسور و زميل اقدم في مركز اسطنبول للسياسات و كاتب اعمدة صحفي في جريدة تاراف, فضلا عن كونه يمثل راس الحربة في حملة «انا اعتذر» التي وردت في هذا المبحث.
* عن «مجلة السياسة التركية»
ترجمة الهادر المعموري

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة