تركيـا والجيـران

علي صابر محمد *

تحتل تركيا موقعا جغرافيا مهما حيث تشكل نقطة أرتباط آسيا بأوربا وتمتاز بطبيعة أرض زراعية خصبة ووفرة مياه غزيرة وتضاريس ذات صفة سياحية خلابة وتطل على ثلاثة بحور ومضيق البسفور ومناخها منعش ورقيق وصيفها عذب وملاذ للسواح وشتاءها ممطر ومعتدل ، ولكون مجتمعها يعتنق الدين الاسلامي وتقاليدهم وعاداتهم مألوفة لدى الدول العربية والاسلامية لذا كانت قبلة السائحين من هذه الدول ، مؤسس تركيا الحديثة مصطفى كمال أتاتورك الذي أحدث طفرة نوعية في الوعي الثقافي للمجتمع فبعد أن كانوا أسرى الفكر الاسلامي وكونوا أمبراطورية عتيدة وهيمنوا على المنطقة وبالهوية الدينية لعدة قرون ونتيجة انشغالهم بامور السلطنة وعدم قدرتهم على مجاراة التطور العالمي والنهضة الصناعية وتطور المفاهيم الانسانية أنهارت دولتهم العثمانية في الحرب العالمية الاولى وتم رسم خارطة جديدة للمنطقة توزعت الولايات التي كانت بالأمس تحت سيطرة العثمانيين الى الدول الرابحة في الحرب وهي بريطانيا وفرنسا ، فبقيت تركيا الخاسرة تعاني من آثار الهزيمة ، ألا أن قدرة أتاتورك على التفاعل مع المتغيرات ونظرته المتطورة تجاه العالم جعلته يتجه بالدولة نحو العلمانية والتخلص من تبعات القيود الدينية وبذلك وضع أسس نهضة صناعية وزراعية وثقافية حقيقية لتركيا فقطعت أشواطا طويلة في العمران والبناء وشيدت بناءا اقتصاديا متينا وباتت بمصاف الدول الاوربية جارتها في أمكانياتها وقدراتها حتى وصل الأمر في العقود الاخيرة الى رغبة تركيا بالأنضمام الى السوق الاوربية المشتركة الا ان دول الاتحاد الاوربي وضعت العراقيل والشروط التعجيزية أمام طلب تركيا فلم توفق بهذا المسار، وهذا ما دفعها للتوجه نحو الشرق وأنفتاحها نحو الجيران والدول العربية والاسلامية لتفريغ فائض انتاجها المتصاعد ، ولم تستطع تركيا التخلص من عنصريتها فالكرد والعلويون يشكلون رقما صعبا فيها الا أنه لا يسمح لهم باظهار لغتهم وشعائرهم تحت خيمة العلم التركي ، ومع تسلق أردوكان الاسلامي الى سدة الحكم والذي أراد أن يقدم للعالم تجربة حكم الاخوان المسلمين الجديدة بدمج المفاهيم الاسلامية مع الحداثة الاوربية ألا أنه لم يتمكن من مزج الصورة وهذا ما جعله يتخندق مع التيارات الاسلامية في المنطقة والتي لعبت دورا نشطا في ما يسمى بالربيع العربي ، ولما كانت تركيا الحليف الرئيسي لاميركا وقاعدتها المتقدمة أمام روسيا فقد خضعت في الكثير من المواقف للسياسة الاميركية وكانت كبش فداء للتقييمات الخاطئة ، وتدخلت بشكل سافر في شؤون الدول ولم تحترم حسن الجوار والقوانين الدولية ، وتمادت الخارجية التركية بقيادة أحمد داود أوغلو والذي يعتبر الوجه الثاني لأردوكان ومدير المطبخ السياسي لحزب العدالة والتنمية التركي فوقفت بالضد من تطلعات وحرية الشعب المصري داعمة حكم محمد مرسي الذي أساء لمصر ودورها في العالم العربي ، وفتحت تركيا حدودها على مصراعيها أمام الإرهابيين الوافدين من شتى بقاع الارض للدخول الى الاراضي السورية لمقاتلة نظام بشار الاسد تحت عنوان دعم المعارضة ولكنها بالحقيقة كانت تدعم الاسلاميين المتشددين ، وكذلك لعبت تركيا دورا واضحا في دعم المتطرفين في ليبيا.

دور تركيا في العراق
وفي العراق فان موقف تركيا غير موفق مع النظام العراقي ، فقد ناصبته العداء غير الرسمي، أذ أنها تمد الارهابيين بالسلاح ومدنها باتت مأوى لأعداء العملية السياسية وفنادقها أوكارا لحبك المؤامرات ضد العراق ، ويجب أن لا ننسى بان تركيا تقف اليوم في محور السعودية والخليج والغرب واميركا وتتقاضى لقاء ذلك مبالغ طائلة لألتزامها بنهج السعودية حسب الفضائح التي تتناقلها وسائل الاعلام وبالضد من المحور الايراني السوري واللبناني والذي يعتبر العراق جزءا منه ، ولا يقف العداء التركي للنظام العراقي عند هذا الحد فهي تمد كل العون لكردستان العراق وتغدق عليهم بالأستثمارات وتشجعهم على الانفصال بهدف أضعاف النظام العراقي ودفع الاخوة الكرد لأتخاذ مواقف معرقلة للعملية السياسية وفي هدف آخر هو السيطرة على نفط كردستان وتأمينه في خدمة تركيا اضافة الى تشغيل الكرد العراقيين بمساعدتها على كسب الرأي العام الكردي داخل تركيا لصالح حزب العدالة والتنمية في الانتخابات ، ولا يمكن تبرئة تركيا من التورط في دعم الارهاب فقد لعبت كوسيط مع قطرالضالعة حتى النخاع في اطلاق سراح الرهائن عدة مرات من خلال قنوات أتصالاتها مع المنظمات الارهابية ، ولا يعقل بأن عشرات الآلاف من المقاتلين يدخلون الاراضي السورية عبر تركيا فهل أن أجهزة مخابراتها نائمة أم أنهم يدخلون من خلالها وتحت نور الشمس وكذلك جميع الاسلحة والمعدات التي يزودها الغرب للقاعدة ، وهذه السياسة غير السليمة للخارجية التركية أفقدها الكثير من أصدقائها في الخارج وكذلك ولد رد فعل سلبي في الداخل التركي لتتصاعد المظاهرات الرافضة لحزب العدالة والتنمية وتنامي قوى المعارضة التي قد تطيح بحكمهم ان استمرت تركيا بنهجها الخاطيء ، فالصراع على أشده بين القوى العلمانية والاسلاميين الذين تمددوا بشكل كبيرفي تركيا على حساب تراجع حظوظ العلمانيين ، وفي الوقت الذي استحوذ أردوكان على منصب رئاسة الجمهورية بشكل مباشر من الشعب وليس من البرلمان كما في السابق وفوز أحمد داود أوغلو بمنصب رئيس الوزراء ومن مدرسة واحدة نتطلع الى أحداث التغيير في مسيرة حزب الحرية والعدالة والعدول عن السياسات الخاطئة والا فأن مرحلة جديدة تنتظر تركيا وستكون مليئة بالاضطرابات وبداية العد التنازلي لأفول نجم الاسلاميين فيها خاصة مع حصول التخلخل داخل قيادة حزب الحرية والعدالة بأقصاء عبدالله كول مؤسسها من ميدان السباق.

انقرة والشأن العراقي
تنظر تركيا الى علاقتها بتركمان العراق من زاوية مصالحها الوطنية البحتة فبعد أحداث التغيير في 2003 وانتشار الفوضى في العراق كنا نتأمل من تركيا الجارة أن تكون عونا مساعدا ليس للعراق فحسب وانما لتركمان العراق خصوصا بحكم رابطة اللغة والقومية المشتركة بينهما سيما وان هناك فسحة من الحرية داخل تركيا ، الا اننا فوجئنا بان تركيا تعاملت معهم وبنفس طائفي ففرطت بالتركمان الشيعة في تلعفر وسهل نينوى وتركتهم فريسة لداعش وشجعت التركمان السنة بالقبول بأرتباطهم وخضوعهم لكردستان العراق ، وسبق لتركيا في فترة ماضية طرحت مقترحا بجعل تركمان العراق يسكنون شريطا حدوديا مع تركيا داخل الاراضي العراقية وبهذا المقترح تعاملت مع التركمان بنظرة متدنية كأنهم رعايا تركيا ولم يلق ذلك قبولا من جميع الاطراف لا من التركمان ولا من الكرد.
أما موقف تركيا من الثروة المائية في دجلة والفرات التي تتشاطئ بها مع سوريا والعراق والمعلوم أن معظم روافد هذين النهرين ينبعان من الاراضي التركية فلم يكن أحسن من مواقفها السياسية مع دول الجوار فقد عمدت الى بناء العديد من السدود على النهرين الاساسيين اللذان يغذيان العراق دون مراعاة لمصالح الشعب العراقي فأدت بشكل كبير الى تناقص الماء الوارد للعراق فسببت بالكثير من التصحر للأراضي الزراعية وخلقت هلعا في صفوف الفلاحين فبمقدورها التحكم باطلاقات الماء وحسب السياسة التي ستنتهجها فهي تنظر الى المسألة بأن الهبة الالهية التي منحت للعراق النفط فذات الهبة منحت تركيا المياه وعلى هذا فأنها تعتزم مقايضة الماء بالنفط مستقبلا ، وبهذا الصدد فأننا نضع بعض اللوم على الحكومات العراقية المتعاقبة التي لم تمتلك الرؤية الاستراتيجية لمستقبل الاقتصاد العراقي ودور المياه فيه وعبر عقود أذ لم تستثمر علاقتها المزدهرة مع تركيا لتثبيت حقوق العراق المائية وتوثيق اتفاقية تضمن استمرار تدفق المياه الى دجلة والفرات بشكل يؤمن حاجة البلاد من المياه فبقيت الامور عائمة تنظمها قوانين دولية عامة لا تتدخل بالتفاصيل واليوم تقف تركيا من منطلق القوة بوجه كل المساعي الرامية لمنعها من الخزن السريع للمياه في سدودها العملاقة.
أن العلاقة الاقتصادية مع تركيا تتصاعد بحكم حاجة العراق الى منتجاتها نتيجة توقف عجلة الانتاج وانشغال القوى السياسية بالصراعات حول مناطق النفوذ والسلطة وكذلك تركيا فأنها بحاجة الى السوق العراقية ، ورغم المواقف السلبية لتركيا تجاه العراق الا اننا بحاجة الى تطوير التبادل التجاري معها وتوطيد العلاقات وفق قوانين تحترم سيادة كل طرف واحترام الجيرة وعدم التدخل بالشؤون الداخلية ، ولو كان العراق قويا ومتماسكا لما تجرأت تركيا أوغيرها من الاستهانة به فالاولى بنا أن نبني بيتنا الداخلي ونتخلى عن السباق نحو كرسي الحكم والغنائم وعندها ستضطر تركيا للتقرب من العراق وبشروط العراقيين ، ونعتقد عاجلا أو آجلا ستعدل تركيا موقفها من العراق حفاظا على اقتصادها من التراجع وتأمين سوق كبيرة لمنتجاتها في بلد غني بقدراته وسيتحول العراق الى ورشة عمل كبيرة يكون فيها دور لتركيا.
*كاتب عراقي

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة