الأخبار العاجلة

«تحول القوة» كمدخل لفهم المنافسات الإقليمية والدولية

محمد عباس ناجي :
تطرح الازمات المتعددة التي طرأت على الساحتين الإقليمية والدولية على غرار الأزمتين السورية والاوكرانية دلالات عديدة ربما تتجاوز حدود التداعيات الاستراتيجية التي تفرضها على أدوار ومواقع فاعليها الرئيسيين لتصل إلى الاشكاليات المنهاجية التي تنتجها خاصة فيما يتعلق بمدى قدرة نظريات العلاقات الدولية على تفسيرها لاسيما أن تلك التطورات أسهمت في احداث تغيير ملموس في المفاهيم الاساسية التي اعتمدت عليها تلك النظريات وعلى رأسها مفهوم القوة .
فحتى انتهاء الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفيتي وتشكل نظام الاحادية القطبية بقيادة الولايات المتحدة الأميريكية ظلت النظرية الواقعية التي تعلى من دور الدولة ومن تأثير القوة ولاسيما العسكرية في العلاقات الدولية مسيطرة على ادب السياسة الخارجية وقد حاولت في هذا السياق تفسير تأثير القوة في حالات الاستقرار وعدم الاستقرار في العلاقات الدولية من خلال ثلاثة اتجاهات رئيسة:
الاتجاه الاول ركز على ان توازن القوى او تكافؤ القدرات أفضل ضامن لعملية الاستقرار ، على اساس ان القوتين المتكافئتين سوف تبحثان عن خيارات أخرى للتفاعل اقل تكلفة من الدخل في مواجهة مباشرة فيما رأى الاتجاه الثاني أن العكس هو الصحيح.أي ان عدم التكافؤ في القدرات هو الذي يكرس الاستقرار ,لأن الطرف لا يمتلك من القدرات ما يمكن ان يدفعه إلى التمرد على القواعد التي يضعها الطرف الاقوى ، ومن ثم الدخول في مواجهة معه.

أما الاتجاه الثالث والأخير ، فتمثله
the power transition
التي قدمها أورجانيسكى(1). والتي قسم من خلال الدول ، حس الدرجة القوة ودرجة الرضا ، والدول القوية وغير الراضية ، والدول الضعيفة والراضية، والدول الضعيفة وغير الراضية.
ووفقا لهذه النظرية ، فان الفئة الثانية التي تتمثل في الدول القوية وغير الراضية هي التي تتسبب في حالات عدم الاستقرار ،لأن الفئة الولى ليست لها مصلحة في التغيير هيكل النظام الدولى الذي يخضع لهيمنتها ، في حين أن الفئة الثالثة، برغم انها غير راضية ، فانها تفتقد القدرة على التغيير، بينما الفئة الرابعة ضعيفة وراضية بالوضع الدولى. اما الفئة الثانية ، فتتصور انها تمتلك
من القوة ما يؤهلها إلى ممارسة دور على الساحة الدولية أكثر اهمية من الماكنة المتاحة لها ، وفقا للقواعد التي يفرضها هيكل القوة الموجود، والذي تمليه حسابات خاصة بدول الفئة الأولى.
ووفقاً لأورجانيسكى، فمن هذه الفئة يظهر المنافسون الذين يسعون إلى تغيير الوضع القائم ، وتأسيس نظام دولي أخر ، وهي القوى التي تراجعت ووافقت على القيام بلعب دور ثانوي في النظام الدولى الذي حاولت التغلب عليه . هذا الاتجاه الثالث تحديدا مكتسب ، في بعض مقولاته ، اهمية وزخماً خاصاً ، لأنه ربما يفسر بعض الظواهر الجديدة التي طرأت على السياسة الدولية .وإذا كان أورجانيسكى قد طبق هذه المقولات على ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية ، فأنها ربما تصبح أكثر انطباقاً على الوضع روسيا الوقت الحالي .إذ إن روسيا ارتضت، حسب اتجاهات عديدة ، بالقواعد التي فرضها النظام الدولي احادي القطبية الذي نتج عن سقوط الاتحاد السوفيتي، وانتهاء الحرب الباردة ، وتحول الولايات المتحدة الأميريكية إلى القوة الوحيدة المهيمنة على المستوى الدولي ، خاصة بعد ان واجهت موسكو أزمات عديدة أسهمت في تراجع دورها على الصعيد الدولي.

القوة الروسية العائدة :
لكن مع نجاح في التعامل مع كثير من تلك الأزمات ، بالتزامن مع تراجع الدور الأميريكي على الساحة الدولية ،لا سيما بعد الأزمات العديدة التي تسببت فيها السياسات اليمينية المتشددة التي تبنتها إدارة الرئيس الأميريكي السابق جورج بوش ، بدأ الحديث من جديد عن عودة روسيا كفاعل رئيسي على الساحة الدولية ، لم يعد يقبل بالقواعد التي ترفضها معطيات تلك الساحة ،ويسعى في المقابل ذلك الى تأسيس قواعد جديدة تتعاطى مع المكانة الدولية ، التي بات يحتلها . وهنا ، يمكن الاستناد إلى الموقف الروسي في الأزمتين السورية والأوكرانية لإثبات ذلك .ففي الأزمة الأولى ، تحولت موسكو إلى الظهير الدولي الرئيسي لنظام بشار الأسد ، حيث حالت دون صدور قرارات إدانة من داخل مجلس الأمن ضد هذا النظام، وأطاحت بكل الجهود التي بذلتها قوى دولية وإقليمية عديدة للتدخل عسكرياً من أجل الإطاحة به.
وبرغم ان ذلك انعكس سلبيا على العلاقات الروسية – الأميريكية ، بعد الانتقادات القوية التي وجهتها إدارة الرئيس الأميريكي، باراك أوبما، للسياسة الروسية تجاه الأزمة، فإن ذلك لم يمنع موسكو من مواصلة دعمها للنظام السوري، بل إنها حالت دون إقدام الولايات المتحدة الاميريكية على توجيه ضربة عسكرية لقواعده، في سبتمبر ، بعد طرحها مبادرة تفكيك الأسلحة الكيميائية السورية. اما في الأزمة الاوكرانية فقد كان الموقف الروسي أكثر قوة وحدة نتيجة الأهمية الاستراتيجية التي تحظى بها اوكرانيا لدى موسكو فقد كانت سياسة موسكو أحد أسباب أندلاع الاحتجاجات ضد الرئيس السابق فيكتور يانكوفيتش بعد أن رفضت ضغوطاً مكثفة عليه لإلغاء اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الاوروبي كما أنها لم تكتف بأستضافته بعد عزله بل أن البرلمان الروسي وافق على طلب الرئيس بوتين بغرسال قوات الى شبه جزيرة القرم بهدف حماية المواطنين من أصول روسية وفي النهاية أعلنت موسكو ضم القرم في 18 مارس 2014 وأكدت-على لسان الرئيس بوتين-أن «القرم جزء لايتجزأ من روسيا» برغم أنها جازفت في تلك اللحظة بتدهور علاقاتها مع الغرب الى مستوى غير مسبوق لكن باستثناء ذلك فإن هذه الاتجاهات الثلاثة لاتفسر بعض الظواهر التي طرأت على الساحة الدولية في الفترة الحالية على غرار اصرار ايران على مواصلة برنامجها النووي برغم كل التهديدات الأميريكية والأسرائيلية بتوجيه ضربة عسكرية لمنشآتها النووية وبرغم عدم توازن القوى القائم بين الطرفين وهو ماادى في النهاية إلى تبلور حالة من عدم الاستقرار في منطقة الخليج. اللافت هنا هو ان اصرار إيران على مواجهة التهديدات الأميريكية يعود إلى أمور عديدة بعضها ربما يدحض المقولات الرئيسية لهذه الاتجاهات وهنا يمكن استدعاء المصطلح الاقتصادي «المنفعة الحدية» لتبرير موقف ايران إذ إن ضربة عسكرية محتملة ضد المنشأت النووية الايرانية ونشوب مواجهة عسكرية في الخليج لن تكون بلا ثمن برغم تفوق القوة الاميريكية لاسيما في ظل وجود اوراق ضغط عديدة يمكن أن تستعملها إيران في تلك اللحظة وتؤثر بها في المسارات المحتملة لاي مواجهة عسكرية مثل إغلاق مضيق هرمز والتهديد برفع اسعار النفط العالمية وتوجيه ضربات صاروخية مضادة لأهداف أميريكية وإسرائيلية في المنطقة بهدف فرض حالة من «الردع المتبادل» التي يمكن أن تمتع حدوث تلك المواجهة. يضاف إلى ماسبق أن مواصلة إيران لبرنامجها النووي برغم كل التهديدات والعقوبات التي تتعرض لها تعود إلى حسابات أخرى لاتحظى باهتمام من جانب هذه الاتجاهات على غرار «الهوية الوطنية» التي تعد منطلقاً رئيساً لبعض الاتجاهات النظرية الأخرى مثل النظرية البنائية والتي يمكن ان أن تدفع الدولة في بض الاحيان الى محولة كسر حالة التفوق التي تحظى بها القوة الاكبر وربما الدخول معها في مواجهة هذا النموذج ينطبق أيضاً على الموقف الروسي من الأزمة الأوكرانية والذ يعود في جزء من أسبابه الى أحساس روسيا بأنها «أمة عظيمة تتعرض لخطر» وأن قدراتها المتعددة ليس على المستوى العسكري والاقتصادي فحسب بل على الصعيد الحضاري والتاريخي أيضاً تتيح لها أحتلال مكانة دولية أكبر ومواجهة تفوق الأطراف الأخرى التي هيمنت على التفاعلات الدولية في السنوات الخمس والعشرين الأخيرة. وهنا فإن أتجاهات عديدة بدأت تركز على متغيرات اخرى مثل «القائد السياسي» لتفسير أسباب الصعيد الروسي مع المغرب لاسيما في الأزمة الاوكرانية والذي تسبب في حالة من عدم الاستقرار في تلك المنطقة حيث بدأت تشير إلى الدور المهم الذي يفرضه وجود شخصية أمنية قوية ذات كاريزما مثل فلاديمير بوتين على رأس السلطة في الكرملين وهو الضابط القادم من الاستخبارات السوفيتية الحالم بعودة روسيا إلى أمجادها السابقة وانتهاء عهد الأحادية ألاميريكية وعودة التعددية القطبية من جديد والمغامر بنشوب حرب باردة جديدة مع الغرب لكن وفقاً لشروط روسية هذه المرة فضلاً عن ذلك فإن ثمة تطورات عديدة ربما تفرض إشكاليات لهذه المقولات على غرار نجاح نظام الرئيس السوري بشار الاسد في مواجهة العديد من القوى الدولية والاقليمية التي تسعى إلى اسقاطه وهو مايعود إلى امور عديدة مل تصاعد دور «الفاعين من غير الدول» مثل حزب الله اللبناني في الأزمة بشكل يضفي زخماً ووجاهة خاصة على أتجاهات نظرية أخرى أعلت من دور الفرد والفاعلين من غير الدول واعترضت على أن الدولة هي المحور الاساسي في العلاقات الدولية على غرار النظرية الليبرالية. بعبارة اخرى فإن هذه الاتجاهات النظرية التقليدية تعلى من دورالقوة في العلاقات الدولية والإقليمية التي يشارك فيها طرف دولي وتصاعد حدة عدم الاستقرار في بعض المناطق على غرار الأزمة الأوكرانية وأزمة الملف النووي الإيراني والأزمة السورية في ظل وجود تفوق في القوى يميل بشكل ملحوظ لمصلحة الولايات المتحدة الاميريكية التي ماتزال تمارس دور القوة الأولى في العالم رغم تزايد قوة أطراف أخرى على رأسها الصين وروسيا فضلاً عن أنها لاتفس كيفية تطلع قوى إقليمية الى تحدي دور «المهيمن» الدولي الذي تمارسه الولايات المتحدة الأميريكية على غرار إيران في أزمة الملف النووي الإيراني برغم التفوق الهائل في القوة الذي يميل لمصلحة الأولى.

أدوار غير تقليدية:
كما أن تلك النظريات لم تستوعب بعض الظواهر الجديدة التي بدأت تبرز في التفاعلات الدولية على غرار تصاعد دور وتأثير الأفراد في السياسة الدولية مثل التداعيات التي فرضها قيام المستشار السابق في وكالة الأمن القومي الأميريكي إدوارد سنودن بنشر وثائق السفارات الاميريكية حول العالم على العلاقات الاميريكية الدولية ومثل التأثيرات العابرة للحدود التي نتجت عن قيام الشاب التونسي محمد البو عزيزي بحرق نفسه احتجاجاً على تعامل السلطات معه مما كان أحد الأسباب التي أدت إلى اندلاع الثورات والاحتجاجت العربية والتي أسهمت في تصاعد حدة عدم الاستقرار في منطقة الشرق الاوسط. يضاف الى ماسبق أنها لم تهتم بالمصادر الأخرى للقوة بخلاف البعد العسكري على غرار الثقافة والحضارة والاقتصاد أو مايسمى ب «القوة الناعمة» التي أصبحت أداة مهمة في التفاعلات الدولية لاسيما من جانب بعض القوى الصغيرة على غرار قطر التي تحولت من خلالها إلى رقم مهم في كثير من الملفات الإقليمية في منطقة الشرق الاوسط. علاوة على ذلك لم تبد اهتمامها خاصة لدور «الفاعلين من غير الدول» في السياسة الدولية والذين تحولوا إلى أرقام مهمة في كثير من ألازمات الدولية والإقليمية وشكلوا متغيرات رئيسة في استقرار أو اضطراب بعض المناطق او الإقاليم الفرعية مثل حزب الله اللبناني الذي كان أحد الأسباب الرئيسة ليس فقط في تصاعد حدة عدم الاستقرار في سوريا بعد الدور البارز الذي لعبه في السنة الأخيرة وتمكن النظام السوري من خلاله من تحقيق مكاسب نوعية استعاد عبرها زمام المبادرة من قوى المعارضة المسلحة مطيحاً بكل التكهنات التي كانت تشير إلى سقوطه لايعدو كونه «مسألة وقت فقط» بل في تصاعد حدة النزاع الطائفي السني-الشيعي الذي تجاوز الحدود السورية وأمتد إلى لبنان التي تعاني حالة مزمنة من عدم الاستقرار يبدو أنها تتصاعد لاسيما في ظل الاستقطاب السياسي الداخلي المدعوم من قبل قوى اقليمية عديدة خاصة إيران والمملكة العربية السعودية.

عولمة عدم الاستقرار:
تعددت الدراسات التي تناولت العلاقة بين العولمة والاستقرار وبدأ ثمة أتجاه أكاديمي يؤكد العلاقة الارتباطية بين العولمة وعدم الاستقرار فقد رأت أيمي جوا في كتابها «عالم على نار» أن موجات العولمة التي يمر بها العالم أدت إلى تصاعد معدلات العنف الإثني في العديد من الدول النامية وهو أمر ناجم عما أسفرت عنه العولمة من تزايد درجة التشابك بين الداخل والخارج.فالانفتاح الاقتصادي، واجع دورالدولة تسببا في تنامي معدلات التفاوت الطبقي في المجتمعات، وظهرت في بعض الدول أقلية إثنية محدودة تحظي بمزايا اقتصادية كبيرة تفوق ما تتمتع به الأغلبية في تلك الدول. وهكذا. كانت هذه المعطيات محفزا لحالة عدم استقرار مجتمعي، والشعور بالاستياء في صفوف الأغلبية التي لم تجن ثمار العولمة . وسرعان ما يتحول هذا الاستياء إلى استقطاب حاد، وعنف داخلي.
ولم تكن إشكالية العولمة والاتقرار بعيدة عن الجدل الدائر بين المدرسة البنيوية ، والمدرسة النيولبيرالية، حيث يجادل البنيويون، structuralistsبأن الاستثمار الأجنبي المباشر والتجارة هما شكل من أشكال الاستغلال الرأسمالي للمجتمعات النامية، وأنهما يعززان الفقر والفوضى الاجتماعية، والصراع في العالم النامي، في حين ترفض النيولبيرالية neoliberal الأطروحة القائلة إن العولمة تؤدي إلى عدم الاستقرار .إذ إن المعضلة الحقيقية تكتمن في إخفاق السياسات التنموية التي تتبعها الحكومات، وسوء إدارتها . ولا يمكن القول إن العولمة هي سبب الأزمات التي تعانيها بعض الدول.
وينطوي الواقع الدولي المعاصر على عدة قضايا تعزز من مأزق عدم الاستقرار ، منها تزايد دور الفاعلين العابرين للقومية، وتراجع دور الدولة الوطنية ،وفقدان الكثير من وظائفها الحيوية بصورة أدت إلى اهتزاز مصداقية ومشروعية الدولة لدى مواطنيها. وبالتوازي مع هذا، فإن تعاظم المساحة التي يحتلها الفضاء الإعلامي ،كإدى سمات العولمة ، شكل في كثير من الأحيان مدخلا التكريس حالة عدم الاستقرار ، لا سيما في الحالات التي يتماهى فيها الفضاء الاعلامي والإلكتروني مع مطالب إثنية، وطائفية وقبلية محددة تتجاوز مرحلة الهوية الوطنية بصورة تركيبة الدولة القائمة.

القوة الناعمة .. تاثير مزدوج:
ومن دون شك ., فإن تصاعد حدة الانتقادات لمقولات النظرية الواقعية ، التي تكرس من دور القوة، خاصة العسكرية، أسهم في إضفاء نوع من الزخم على بعض المقولات او الاتجاهات النظرية الأخرى، على غرار النظرية الليبرالية ، التي تطور من خلالها مفهوم» القوة الناعمة» الذي طرحة الكاتب الأميريكي جوزيف ناي عام .1990.
لكن اللافت هنا ان علاقة ذلك النمط من القوة بحالات الاستقرار أو عدم الاستقرار ليست حدية ، بمعنى أنها لا تؤدي بالضرورة إلى تكريس إحدى الحالتين فقط من دون الأخرى ،أي أنها ربما تفرض تأثيرا مزدوجا في هذا السياق، وهو ما يمكن توضيحه في حالتي «القوة الناعمة» الأمريكية، و « والقوة الناعمة» القطرية.
ففى الحالة الولى ، يمكن القول إنه بخلاف الثقافة ، والحضارة ، والاقتصاد، التي تشكل المحاور الأساسية للقوة الناعمة الأميريكية ،فإن القوة الصلبة تمثل ، المفارقة ، قيمة مضافة في هذا السياق إذ إن امتلاك القوة الصلبة «الهائلة» – من دون أستخدامها- قد يمثل في حد ذاته قسماً من القوة الناعمة في حالة ما إذا حقق مجرد وجود الأهداف نفسها التي تسعى إليها تلك القوة وهنا تقدم الضربة العسكرية الأميريكية التي كان من المزع شنها ضد نظام الاسد في سبتمبر 2013. أنموذجاً على ذلك.
فقد تصورت أطراف وقوى عديدة أن تلك الضربة سوف تسهم في إحداث تغيير كبير في موازين الصراع بين النظام السوري وقوى المعارضة وأنها تساعد الاخيرة على تحقيق هدفها بإسقاط النظام السوري وربما يكون التصور نفسه هو الذي دفع روسيا إلى التدخل من اجل الحيلولة دون توجه الضربة ضد حليفها السوري لإدراكها أن تلك الضربة سوف تفرض تداعيات تغير من قواعد الصراع داخل حدود سوريا وعلى مستوى الإقليم ومن هنا كانت مسارعاتها إلى طرح مبادرة تفكيك الاسلحة الكيميائية السورية لإقناع الولايات المتحدة الأميريكية –ومن خلفها أسرائيل-بالعدول عن توجيه الضربة وهو ماحدث فعلاً.
بعبارة أخرى يمكن القول إن الضربة المفترضة التي لم تحدث حققت الاهداف نفسها التي كانت مبتغاة من توجيه الضربة نفسها وهو مايعود إلى تأثير «القوة الناعمة» للولايات المتحدة الأميريكية والتي يتمثل قسم منها في «قوة النيران الهائلة» التي تمتلكها واشنطن لكنها لم تستعملها في الوقت ذاته لكن اللافت هنا هو أن ثمة اختلافاً بين الكتاب الرئيسين حول العلاقة بين القوة الناعمة والصلبة ومدى تلأثير الأخيرة في الأولى.
إذ يرى جوزيف ناي أحد مؤسسي الليبرالية الجديدة الذي صاغ مفهوم القوة الناعمة أن ذلك النمط من القوة لايحتاج الى قوة صلبة التي لاتمثل في ظل هذه الرؤية قيمة مضافة على أساس أن دولاًَ عديدة تمارس نفوذاً في مجال العلاقات الدولية من خلال قوتها الناعمة في الوقت الذي تفتقد فيه لقوة عسكرية كبيرة .وهنا يمكن الاشارة إلى دول مثل قطر التي تمارس نفوذاً في كثير من الملفات الإقليمية بمنطقة الشرق الاوسط من دون أن تمتلك قدرات عسكرية كبيرة حيث تستعمل في هذا السياق أدوات مالية وإعلامية بالأساس لكن بعض المفكرين الآخرين مثل صامويل هنتنجتون ربما يتبنون موقفاً آخر يقوم على أن القوة الناعمة لابد أن تستند إلى قوة صلبة.
لكن بعض الاتجاهات النظرية بدأت تنتقد هذا الطرح وتشير إلى القوى الناعمة الأميريكية لم تنتج تاثيراً كبيراً بل ربما تكون تداعيتها سلبية آكثر منها إيجابية لاسيما في ضوء ضرورة ربط عناصر القوة التي تمتلكها واشنطن ب»القدرة على التصرف» كما تشير هنا إلى أن افتقاد واشنطن القدرة على التأثير في تطورات الصراع في سوريا برغم امتلاكها قوة عسكرية هائلة أدى إلى انحسار تأثيرها وافساح المجال أمام قوى أخرى مثل روسيا وإيران لدعم النظام السوري وهو ماسهم في تصاعد حدة عدم الاستقرار وإطالة أمد الصراع في سوريا خاصة أنه وجه رسائل عكسية للنظام السوري بشكل دفعه ليس فقط الى رفض الاستجابة للتهديدات الاميريكية بل ألى تبني خطوات تصعيدية بنحو كبير على غرار إجراء الانتخابات الرئيسية في 3 يونيو 2014 التي ترشح فيها الرئيس الأسد ويتوقع أن يفوز فيها بنسبة كبيرة.
ووفقاً لذلك فان أفتقاد القدرة على التأثير سمح بتحول الحرب الأهلية في سوريا إلى صراع إقليمي بين محورين رئيسين تقوده قوى إقليمية لاتمتلك عناصر القوة نفسها المتوافرة لدى الولايات المتحدة الأميريكية ومع ذلك تحولت إلى الأطراف الأكثر تأثيراً في الصراع السوري على غرار إيران والسعودية وقطر للدرجة التي دفعت اتجاهات عديدة إلى أعتقاد أن مفتاح تسوية الأزمة في سوريا تمتلكه هذه الدول وليس واشنطن.
وفي هذا السياق فإن بعض الأدبيات النظرية تشير إلى مفهوم «عجز القوة» أو «اضمحلال القوة» الذي طرحه كارل دويتش والذي يركز على عدم اتساق القدرات التي تمتلكها الدولة مع قدرتها على التأثير في سلوك الفاعلين الآخرين ومن هنا فإن التهديدات المتكررة التي أطلقتها الولايات المتحدة الاميريكية ضد نظام الاسد لم تنجح في إجباره على الاستجابة للمطالب الأميريكية والدولية بالتنحي عن الحكم وتسليم السلطة إلى قوى المعارضة.
كذلك فإن القوة الناعمة الاميريكية فشلت على سبيل المثال في تحقيق الاستقرار في منطقة الخليج من خلال الوصول الى تسوية لأزمة الملف النووي الإيراني فبرغم التهديدات الأميريكية المتتالية بإمكانية استخدام الخيار العسكري لتوجيه ضربة إلى المنشآت النووية الإيرانية وبرغم إدراك إيران للفرق الشاسع بين عناصر القدرة التي تمتلكها مقارنة بالولايات المتحدة الأميريكية فإن ذلك لم يمنع إيران من مواصلة برنامجها النووي وتحقيق قفزات نوعية في مجال التكنولوجيا النووية على غرار امتلاك دورة الوقود النووي ورف مستوى التخصيب من 3,5% إلى 20% بشكل قربها إلى حد ما من مرحلة إنتاج قنبلة نووية مما يشير إلى أن ثمة «حدوداً» لتأثير القوة الناعمة في القضايا الدولية بل إن إيران بدأت بدورها في إطلاق تهديدات مضادة للولايات المتحدة الأميريكية حيث أكد الحرس الثوري الإيراني في 7مايو 2014 أن «50 ثانية تكفيه لتدمير أي فرقاطة أميركية في مياه الخليج».
أما في الحالة الثانية وهي القوة الناعمة القطرية فيمكن القول إن قطر سعت دوماً إلى استعمال هذا النمط من القوة لتعويض افتقادها الامكانات البشرية في تدعيم دورها الإقليمي والتحول إلى رقم في معظم الملفات الإقليمية إن لم يكن مجملها ومن هنا أتجهت إلى أستعمال آليات مثل قناة الجزيرة التي لم تتحول فحسب إلى القناة العربية التي تحظى بنسبة مشاركة عالية بل إلى الناطق الرسمي باسم السياسة الخارجية القطرية إلى جانب استضافة بعض الشخصيات المعارضة في كثير من الدول العربية والقفز على المعطيات الموجودة على الأرض من خلال التوصل إلى حلول وسط غير مجدية في بعض الملفات المعقدة على غرار الملف الفلسطيني وتنبنى سياسة المسكنات في بعض الملفات الأخرى لاسيما الملف اللبناني.
فلقد نجحت قطر في التوصل إلى أتفاق الدوحة في مايو 2008 الذي أسهم في التوافق على رئيس جديد للجمهورية إلا أنه لم يسهم في تكريس حالة من الاستقرار السياسي الدائم داخل لبنان بدليل تصاعد حدة الصراع من جديد بين الأطراف التي وقعت اتفاق الدوحة ودخول لبنان بدءاً من 25 مايو 2014 في فراغ رئاسي بعد انتهاء الفترة الرئاسية للرئيس ميشال سليمان من دون الأتفاق على هوية الرئيس الجديد للدولة.
وعلى ضوء ذلك النمط ‘لى متغير لعد الاستقرار بسبب التدخل القطري في الشؤون الداخلية لعدد من الدول العربية مما أسهم في تأجيج بعض الازمات الداخلية وتصاعد حدة التوتر بين قطر وبعض تلك الدول على غرار التوتر بين مصر وقطر والتوتر مع دول الخليج الثلاث الإمارات والسعودية والبحرين التي قامت بسحب سفرائها من الدوحة في 5 مارس 2014 وبسبب اعتراضها على السياسة القطرية التي تراها تهديداً لأمن دول الخليج .
وهنا يمكن الاستناد إلى طروحات بعض الأتجاهات التي تشير إلى أن القوة الناعمة لدول ما تمارس تاثيراً أقل إذا كانت موجهة لدول أخرى تمتلك بدورها النمط نفسه من القوة بدليل حالة الخفوت التي بدت عليها قناة الجزيرة بعد أنتشار الفضائيات العربية بشكل كبير في الآونة الأخيرة وبعد أتضاح حالة الأزدواجية في تغطيتها للتطورات والأحداث التي تشهدها العديد من الدول العربية لاسيما عقب اندلاع الثورات والاحتجاجات العربية.

ميزان القوى:
هو أحد المفاهيم الشهيرة التي طرحها منظور الواقعية في العلاقات الدولية حيث يشير إلى أن وجود الدول والتحالفات في حالة تكاد تتعادل فيها قوتها العسكرية آمر من شأنه أن يحول دون نشوب النزاع المسلح وعليه فإن بعضهما من الدول تسعى إلى الحفاظ على التوازن العسكري فيما بينها.
ويعد سعي إحدى الدول لزيادة قدرتها العسكرية بالصورة التي تخل بتوازن القوى أمراً يدعو للاضطراب، ويولد سعياً من قبل الدول الأخرى إلى التعزيز توازن القوى بمعاهدات تلتزم فيها دول الأطراف بالحفاظ على قوتها العسكرية ، ضمن حدود مقابلة من الدول الأخرى إلى تعزيز توازن القوى بمعاهدات تلتزم فيها الدول الأطراف بالحفاظ على قوتها العسكرية ضمن حدود مقبولة من الدول الأخرى .
ويهدف ميزان القوى إلى الحيلولة دون ظهور هيمنة عالمية والمحافظة على العناصر المشكلة للنظام الدولي وضمان الاستقرار والأمن المتبادل بأستعمال «الحرب الرادعة» التي تعني التصدي لأي طرف معتد يحاول قلب ميزان القوى مع إمكانية مواجهة سياسة ما بتشكيل حلف مضاد وقد وجد هذا المفهوم تطبيقاً عملياً إبان فترة الصراع بين المعسكرين الشرقي والغربي في أثناء الحرب الباردة.
وبنحو فقد أستوحى الواقعيون مفهوم ميزان القوى في العلاقات الدولية من دور السوق في الحياة الأقتصادية ففي سوق غير قادر على المنافسة (تحتكره القلة) يكون بوسع عدد قليل من الشركات إدارة الأسعار والإنتاج ولايشكل بقاء بعضها محل اهتمام بالنسبة للبعض الآخر ولكن محاولات الأحتكار تلك تنطوي على أخطار قد تطيح بالشركات المتنافسة كلها وبالتالي فثمة حاجة لتنظيم المنافسة.
وبالطريقة نفسها فإن الولايت المتحدة والإتحاد السوفيتي مصلحة مشتركة في تنظيم المنافسة بينهما حتى وإن كان كل منهما يود لو أن الطرف الآخر يزول من الوجود لو كان من الممكن تحقيق ذلك بطريقة لاتنطوي على المخاطرة وتكون غير مكلفة هذا القياس الاقتصادي يجعل من العمل وفقاً لميزان قوى خياراً عقلانياً يمكن للدول من المحافظة على استقرار النظام الدولي.
أما بالنسبة للآليات التي يرى المنظور الواقعي أنها كفيلة بصيانة أو أسترجاع ميزان القوى فمن أبرزها الحرب في حد ذاتها إذا كان ذلك ضرورياً وصيانة أو أسترجاع ميزان القوى ذاتها وهكذا التعويضات الإقليمية في فترات مابعد الحروب وخلق الدولة العازلة وتشكيل الأحلاف وإنشاء مجالات النفوذ والتدخل والمساومة الدبلوماسية والتسوية السلمية والقانونية للخلافات .

عودة إلى القوة الصلبة:
وهنا تكمن المفارقة إذ إن تصاعد حدة الأنتقادات لمفهوم القوة الناعمة وغيره من المقولات النظرية الجديدة يبدو أنه سوف يؤدي إلى عودة الزخم من جديد لمقولات النظرية الواقعية في وضع أشبه ب «التحرك داخل الدائرة» لاسيما بعد ظهور أتجاه لدى بعض المفكرين الغربيين يدعو إلى العودة للاعتماد على منطق القوة الصلبة كمتغير مهم في تفسير اتجاهات العلاقات الدولية وهو ماتشير إليه دراسة «القوة التعديلية عودة منافسات الجغرافية السياسية في العلاقات الدولية» لأستاذ الشؤون الخارجية والعلوم الإنسانية والتر راسيل ميد في مجلة «فورين أفريز» والذي يوجه فيها أنتقادات إلى المنظرين الذي أسائوا فهم ماكان يعنيه انهيار الأتحاد السوفيتي.
فبرغم سقوط الكتلة الأشتراكية فإن ذلك لم يؤدي بالتبعية إلى زوال القوة الصلبة التي أمتلكتها روسيا والتي استطاعت في أقل من عقدين التحول إلى رقم مهم في التفاعلات الجارية على لاساحة الدولية. ويدل على ذلك بعودة المنافسات الجيوسياسية إلى الظهور على الساحة الدولية على غرار ضم روسيا لجزيرة القرم برغم كل الأنتقادات والتهديدات الغربية وسعت إيران للوصول إلى البحر المتوسط من خلال تأسيس شبكة علاقات قوية مع بعض الفاعلين من غير الدول على غرار حزب الله اللبناني وحركة حماس الفلسطينية.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة