الأخبار العاجلة

هل من الممكن أن يلتئم جرح الانقسام الشعبي في ليبيا؟

أندرو سيجر

على الرغم من اقتراب هزيمة تنظيم داعش الإرهابي في ليبيا وانخفاض معدلات الهجرة للمواطنين الليبيين عبر أوروبا، غير أن انهيار الدولة الليبية ما يزال يشكل قلقاً كبيراً! فما السبب وراء ذلك؟
لقد فشل التخطيط لإسقاط الديكتاتور الليبي «معمر القذافي» في عام 2011 من تحقيق الديمقراطية التي حلم بها الثوريون. إذ إن ليبيا الآن منقسمة بين فصيلين يتصارعان من أجل الحكم، فمن دون وجود مؤسسات قادرة على تطبيق السلطة على مستوى البلاد، كما أشار فريدريك ويري -أحد كبار الباحثين في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي ومؤلف كتاب السواحل المحترق من قلب المعركة لأجل ليبيا الجديدة- قائلاً: «لقد أصبحت السياسة في ليبيا مناطقية بنحو حاد، وقد مكن هذا إلى حد كبير الفصائل المسلحة التي تناضل من أجل السلطة وجني الأرباح، إذ إن بعض الليبيين يعتقدون الآن أن زعيماً استبدادياً فقط هو من يمكنه تطبيق النظام بالبلاد”.
ما الوضع السياسي في ليبيا؟
تنقسم البلاد أساساً على فصيلين يسعيان إلى نيل الشرعية، هما: البرلمان في الشرق الذي يديره الجنرال خليفة حفتر الذي لديه جيشه الخاص، وحكومة الوفاق في الغرب، وهذه معترف بها دولياً، لكنها لا تستطيع بسط سلطتها بعيداً عن بضع أحياء في طرابلس العاصمة التي تقع تحت رحمة الفصائل المسلحة التي قسّمت البلاد إلى إقطاعيات متناحرة.
لقد أصبحت السياسة في ليبيا مناطقية بنحو حاد، وكان غياب القوة الموحدة التي يمكن أن تبسط سلطتها على الأرض كاملة، هو المحور الرئيس منذ ثورة عام 2011.
وقلل العديد من الدبلوماسيين المشاركين في المرحلة الانتقالية بعد عام 2011 من شأن الدمار الذي حلّ ببلدهم، إذ لم يكن لديهم القوة لإدارة البلاد سيما فيما يخص قطاع الأمن، وكانوا يفتقرون بشدة إلى معرفة التكنوقراط، لذا كان هنالك فرصة لحرب أهلية مفتوحة في عام 2014 بسبب إضفائهم الطابع العسكري على السياسة تدريجياً، حيث شكلت الفصائل المسلحة تحالفات مع نشطاء سياسيين.
أما التنافس على عائدات البلاد من المواد الهيدروكاربونية، فيعد في صميم هذه الأحداث. إذ كانت هذه العائدات تركة من حكم القذافي السيّئ الذي شكّل هذه الدولة على أساس توزيع الإيرادات النفطية، فحينها لم تكن هنالك تنظيمات سياسية أو مؤسساتية أو مجتمع مدني. لذا حين أُسقِط حكمه أصبحت هذه العائدات لقمة سائغة للكثيرين وكان الموضوع الرئيس منذ الثورة هو من الذي سيسيطر على هذه الثروة الهائلة.
لماذا انخفض إنتاج النفط بنحو كبير منذ عام 2011؟ وما آثار تلك التداعيات على الشعب الليبي؟
انتعش إنتاج النفط في البداية في عام 2012، إلا إنه كان يمرّ بفترات عانى فيها من انخفاض كبير في الإنتاج، وذلك لأن الأحزاب المتناحرة المتعددة حاولت سرقة المنشآت النفطية أو محاصرتها واستخدامها وسيلة ضغط في المنافسة السياسية. وقد تضررت البنية التحتية كثيراً في عمليات الاقتتال الأخيرة، وتسبب ذلك بتعرض البلاد إلى تضخم هائل في الأسعار، وزيادة التكلفة، فضلاً عن نزوح العديد من المواطنين الليبيين، في حين يعاني غيرهم من نقصٍ في الكهرباء وأزمة سيولة نقدية، وهذا أمر محيّر للغاية لبلاد تمتلك أكبر احتياطي نفطي مثبت في أفريقيا، لكن هذا الأمر سببه الفساد.
ما الدور الذي تؤديه مجالس البلديات؟
كانت العلة الحقيقية في حكم القذافي، عدم وجود سلطة محلية، ففي أعقاب الثورة، أراد المواطنون في ليبيا التخلص من السياسة المناطقية، وأن تكون ميزانياتهم وشؤونهم الخاصة تحت سيطرتهم، وعليه مرر قانون يسعى إلى تمكين مجالس البلديات، لكن ما تزال هنالك مشكلات كثيرة بسبب تفشي الفساد في جميع أرجاء البلاد.
إن مجالس البلديات، بمنزلة بقعة مضيئة في هذا الوقت الصعب، إذ تمكنت هذه البلديات من توفير الخدمات وتقديمها لجماهيرها، إلا أنهم اُستدرجوا إلى الصراع المنتشر على الصعيد الوطني أيضاً. وتخضع بعض مجالس البلديات لضغط من الفصائل المسلحة التي تسيطر على مختلف مصادر التمويل.
استضاف مؤخراً الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مؤتمر قمة مع زعماء الفصائل المختلفة في ليبيا. وقد فشل المؤتمر في وضع دستور وطني لكنهم وضعوا جدولاً زمنياً للانتخابات. والسؤال هنا هو كيف سينتهي الأمر؟
إن الإيماءات الرمزية مثل مؤتمر قمة ماكرون بالتزامن مع هذا الجدول الزمني للانتخابات لا تجعلنا نتقدم نحو الأمام. وقد عُدّت الانتخابات المقترحة وسيلة للخروج من الطريق المظلم لكنها تحتوي على بذور عدم استقرار أكبر. ويمكن أن تفسح الانتخابات السابقة لأوانها المجال لمزيد من الصراعات بين الفصائل سيما أن بعض الأطراف الفاعلة الرئيسة التي تستعمل قوة مسلحة كبيرة لم تكن موجودة في القمة. ومن غير الواضح إذا كان الليبيون مستعدين لذلك لما يخص قوانين التصويت أو مشروع الدستور أو الأمن.
من جهة أخرى عارضت العديد من الأحزاب الانتخابات التي لا تقوم على إطار دستوري من حيث إنها قد تؤدي إلى إقامة حكومة انتقالية متنازع عليها أو ربما حاكم استبدادي آخر يحكم البلاد. وكل الإحداثيات تشير إلى تأزم الوضع بنحو أكبر. ومن وجهة نظر الكاتب فمن غير المحتمل أن يحدث ذلك على الرغم من الانتخابات المقرر عقدها وبدعم من قمة باريس في العاشر من كانون الأول.
هل يمكن أن يؤدي هذا المناخ إلى ظهور مستبد آخر؟
هنالك مناصران لتلك الانتخابات وهم من بين من رأوا ثمار الانتخابات التشريعية عام 2012 التي لم يسفر عنها إلا الفوضى والانقسامات، إذ جاءت هذه الانتخابات بعد سقوط القذافي مباشرة ولم تكن مبنية على هياكل وركائز للوصول إلى توافق في الآراء؛ من أجل بناء ديمقراطية حقيقية. وأصبح الناس محبطين من الديمقراطية؛ وبسبب تفاقم حالات العنف وانعدام الأمن وجد الليبيون أن حفتر -الرجل القوي-هو الحلّ.
كان هناك قدر كبير من الحنين إلى الجيش بوصفه المؤسسة الوحيدة القادرة على توفير النظام، لكن ذلك مفهوم خادع في الحقيقة، فقد سمعتُ الادعاءات في المناطق الشرقية في بنغازي ومناطق أخرى التي تتراصف مع قوات الجنرال حفتر التي تدعو ربما إلى ضرورة وجود مدة انتقالية بالحكم العسكري، ومن ثم تُسلم السلطة بعد ذلك إلى حكومة مدنية. ولكن كم مرة نجح تطبيق ذلك في العالم العربي؟
تُقوّض احتمالات حكم الرجل القوي من قبل جهات متعددة في السلطة تهدف إلى حدوث انقسامات عميقة، فمن غير المحتمل أن يحصل أي فصيل أو فرد على السيطرة الإقليمية الكاملة، وما يزال هنالك دعم شعبي للسياسات التشاركية بدلاً من العودة إلى الحكم الفردي.
ما هي سياسة الولايات المتحدة منذ تدخل منظمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) في عام 2011؟
كانت السياسة الأميركية على الدوام واحدة من السياسات التي تقع في الصفوف الخلفية -تحت شعار الرئيس باراك أوباما الشهير «القيادة من الخلف»، إذ تدعم الولايات المتحدة في الحقيقة حكومة طرابلس المدعومة من الأمم المتحدة وحكومة الوفاق الوطني من خلال الدبلوماسية والمعونات. وهنالك برنامج ضخم قيد التنفيذ أُطلق عليه «المساعدة الإنمائية متعددة الجنسيات» لمساعدة هذه الحكومة على بناء شرعيتها بتقديم المعونات لليبيين من خلال مشاريع البنية التحتية والإنمائية في جميع أنحاء البلاد، وتشارك بنحو كامل في الدبلوماسية الإقليمية في محاولة لتنسيق جهود مختلف القوى الأوروبية والعربية.
إن أولوية الولايات المتحدة الدائمة في ليبيا هي مكافحة الإرهاب، إذ كانت الغارات الجوية الأميركية -التي ساعدت القوات الليبية خلال المعركة ضد داعش الإرهابي في عام 2016- ناجحة للغاية. ومنذ ذلك الحين شنت الولايات المتحدة عدداً من الغارات الجوية وهجمات الطائرات من دون طيار ضد المقاتلين التابعين لتنظيم داعش. وتعد الاستراتيجية الحالية هي واحدة من الاستراتيجيات التي تهدف إلى مراقبة الوضع واحتوائه.
أين تقف أزمة الهجرة الليبية؟
كان هذا تحدٍ سياسي وأخلاقي واقتصادي كبير للأوروبيين، فقد تبنوا استراتيجية أدت إلى انخفاض بحالات عبور المهاجرين. والسؤال هو: ما ثمن هذه الاستراتيجية؟ إذ كان النهج الأوروبي -ولاسيما النهج الإيطالي- يهدف إلى منع المهاجرين من عبور البحر الأبيض المتوسط بتمكين خفر السواحل الليبية وتدريبهم، والاتفاق من تحت الطاولة مع الفصائل المسلحة الليبية نفسها للسماح بعمليات مكافحة الهجرة. وفي بعض الحالات، وُجّه المهربون الذين كانوا يساعدون المهاجرين نحو مواجهة تدفقات المهاجرين. ويمثل هذا سلسلة من التحديات الأخلاقية نظراً لمراكز الاحتجاز والانتهاكات المروعة لهؤلاء المهاجرين في ليبيا.
ما الذي يمنحك الأمل في التطلع نحو الأفضل؟
لقد عانى الجيل الجديد من الليبيين الذين بلغوا مرحلة النضج من الثورة وهم في منتصف مرحلة المراهقة. فمن جهة كانت الثورة بمنزلة محطة تفاؤل لهم، وكان هنالك حركات شبابية شعبية تعمل على إيجاد حلول للمشكلات الليبية المشتركة. ومن جهة أخرى، أدت الصدمة التي حدثت في السنوات السبع أو الثمان الماضية إلى التأثير النفسي والمجتمعي للجيل الجديد؛ فلم يعرف الشباب الواعد أي شيء عن الحياة سوى الفصائل المسلحة.
لقد فشل مشروع تنظيم داعش في ليبيا تقريباً، على الرغم من وجود دلائل على أن يعيد التنظيم صفوفه، ويمكن للفصائل المتشددة على نطاق أوسع أن تكتسب القوة في ظل تدهور الاقتصاد وسط الفراغ الأمني الحاصل والتفتت السياسي. وعلى الصعيد المحلي، أوقفت السلطات الاجتماعية -مثل القبائل- الصراعات وتحقيق السلام المجتمعي. وهنالك احتمالية بوجود مخرج لهذه الأزمة، وهذا يتوقف على اكتساب النضج السياسي والرؤية السياسية لقادة ليبيا، وكذلك على حكمة المجتمع الدولي ووحدته. ويتطلب ذلك وجود إصلاحات مؤسسية مثل توحيد المؤسسات الاقتصادية، والقدرة على التعامل مع قوى الفصائل المسلحة في أثناء إعادة بناء القطاع الأمني.
أندرو سيجر، محرر وكاتب مقالات سياسية ومنتج ومخرج. حاصل على شهادة البكالوريوس في الأفلام والوسائط الرقمية من جامعة كاليفورنيا في سانتا كروز، وشهادة الماجستير في الإذاعة والتلفزيون من جامعة سان فرانسيسكو ستيت.

*مركز البيان للدراسات والتخطيط

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة