الباحث والموسوعي جميل الزبيدي في حوار الفلسفة والأدب والأنساب

حاوره: د. خالد القيسي

نضع القارئ العزيز أمام احد الكُتاب الموسوعيين ذوي المكانة في الاوساط العلمية على مستويات تخصصية عديدة التي اصبحت اليوم دقيقة وعميقة وسبب ذلك أن الاستاذ جميل له باع طويل كما يشهد له بذلك في أكثر من علم وفن، فما ترك مجالا من مجالات العلم إلا ودرسه وألف فيه ولا سيما علم الفلسفة وعلوم الدين والمنطق واللغة والتصوف والانساب فضلا عن قيامه بتحقيق مخطوطات عديدة في موضوع الحديث والتاريخ والنسب إضافة الى مقالاته ودراساته التي نشرتها له المجلات والصحف العربية والمحلية..
ومن أجل تسليط الضوء على نتاجه الابداعي كان لنا هذا الحوار:

•انت باحث في الانساب، اين تكمن اهميته؟
– النسب هو علم جليل له أصوله وضوابطه، وهو معرفة صلة الأباء بالأجداد، ويترتب عليه حقوق وواجبات، وهو علم يحمي الجنس البشري من الضياع والانزلاق، وهو من العلوم الانسانية المهمة في حياة الانسان والشعوب والامم فلهذا كتب عدد لا بأس به من الرواة والمحدثين والمؤرخين عن الطبقات والانساب منذ خلق الله أدم الى نهاية العصر العثماني.. وما تزال الكتابة جارية ولحد يومنا هذا فعن طريق كتب الانساب يمكن معرفة الاحوال السياسية والاقتصادية والاجتماعية لأي حقبة تاريخية، وجميع العلوم تستفيد كل الفائدة من هذا العلم.
وتميز العرب منذ القدم بالتفوق في هذا العلم فهو عنوان ديمومة بقائهم وأخذت الاجيال العربية اللاحقة الاصول من هذا العلم من عيون صافية لا شائبة فيها والعرب قسمان عرب عاربة وعرب عرباء والأعراب سكان البادية وهم موجودون قبل سيدنا ابراهيم فان الله بعث اليهم قبل اسماعيل هودا وصالحا وشعيبا وفي حديث النبي (ص) كما رواه الترمذي (003283) واحمد (5/ 9و9/ 10) والحاكم (2/ 546) قال “سام ابو العرب، وحام ابو الحبش، ويافث ابو الروم” ولغة العرب قديمة وأول من تكلم بها أدم (ع) ثم أولاده والعرب اكفاء لبعضهم وقد ثبت بالتواتر المحسوس المشاهد ان العرب تميزوا منذ القدم بالسخاء والكرم والمروءة والبلاغة والفصاحة ولسانهم أتم الالسنة بيانا، وتميزوا للمعاني جمعا وفرقا.. والشواهد الواردة في ذلك كثيرة.
وما يزال البحث الاستقصائي والعمل الميداني في مجال التخصص بعلم الانساب والسلالات باصولها وفروعها، واسع الجوانب والافاق، واجريت فيها دراسات متزاحمة وخاصة بما يتعلق بأهمية الانساب البشرية التي تدخل ضمن موضوع الوراثة وقوانينها المشروطة بالحركة الكونية على ضوء البايولوجيا والفيزياء وتحديدا تركيز الضوء على الحامض النووي المؤثر على المميزات الجينية للسلالات البشرية وانواعها واجناسها وصفات افرادها وتراكيب انسجتها وغيرها، وهذا ما يدفع الانسان الى ان الاندفاع والسعي الى اكتشاف نفسه وهويته وعلاقته بهذا الكون العظيم وخالقه سبحانه وتعالى.

•اين تكمن أهمية التاريخ وإعادة كتابته؟
– ان التصدي لدراسة التاريخ فضلا عن كتابته لهي مهمة شاقة وصعبة وشائكة قد تحتاج من صاحبه الى دقة التحري وتوخي الحذر من رصد المعلومة او نقلها او توظيفها لخدمة الحقيقة والوصول بيقين الى ما هو صحيح ومقبول على وفق الضوابط العقلية والمنطقية والاعتماد على الشواهد والوثائق التي تقف سدا منيعا امام التشويش والتضليل وقلب الحقائق الى العكس.

•ما مثلك الاعلى في حياتك؟
– ان منهجي في الحياة منذ نشأت في بيتي ولحد يومنا هذا والى إن أموت هو الاقتداء بالرسول (ص) فقد كانت حياته رحمة ومماته رحمة كما قال (ص): (حياتي خير لكم وموتي خير لكم) فعلينا أن نطيع الرسول (ص) بجميع ما بلغنا به وما ورد عنه في أقوال وأثار وأفعال وان نترجم تقديرنا وطاعتنا للرسول (ص) في سلوكنا وفي طريقة تربية أولادنا وفي حسن تعاملنا مع البعض وكذلك استعمال الحكمة النبوية الرشيدة في قراراتنا التربوية والاقتصادية والابتعاد عن التزمت والانفعال فالاسلام رحمة وخير وسلام وبركة ونور ومحبة.

•التحقيق كما نفهم رسالة وأمانة، ما هي وجهة نظركم في ذلك؟
ان تراثنا العربي الاسلامي الضخم الذي آل ألينا مهد أسلافنا القدامى قبل الاسلام وبعده من قبل رموز الثقافة العربية الاسلامية جدير بان نقف أمامه وقفة الإكبار والإجلال والاحترام وما أجدرنا أن ننهض بعبء نشر ذلك التراث وتجليته ليكون ذلك وفاء لعلمائنا ووفاء لأنفسنا وأجيالنا المقبلة وهنا يمكن توجيه النداء الى كلياتنا الجامعية ذات الطابع الثقافي العربي الاسلامي بالالتزام بتكليف طلبة الدراسات أن يقوم كل منهم بتحقيق مخطوط يمت بصلة الى موضوع الرسالة التي يتقدم بها.. أن أصول النصوص التي تركها لنا الأجداد تسمى بالمخطوطات التي وصلت ألينا حاملة عنوان الكتاب والرسم مؤلفة وجمع مادة الكتاب على أخر صورة رسمها المؤلف وكتبها بنفسه أو يكون قد اثأر بكتابتها أو أملاها أو أجازها ويكون في نسخة مع ذلك ما يفيد اطلاعها عليها.. والنسخة الاصلية للمخطوطة تسمى الام، ونسبة المخطوطة الى المؤلف مشكلة تحتاج الى فطنة المحقق وخبرة بالخط والتاريخ والورق وقد تخلو المخطوطات من بعض الحدود المطلوبة فيكون ذلك مدعاة للتحقيق وموجبا للبحث الامين، حتى يؤدي النص صورة المقاربة الى مرتبة النسخة الام في الاقل وعلم تحقيق المخطوطات يميز كل مخطوطة أو بمجاميع خطية من حيث ورقها ومدادها وخطوطها وأسماء الرجال فيها فيعرف حينئذ صحة الوثائق الخطية من عدمها وتقدير زمان كتابتها مع صحة الاسماء الواردة تحليلا واستنتاجا.

•ما هي مكانة العلم والعلماء في تطور الحياة كما نصّت عليه مأثوراتنا؟
أن للعلم في الاسلام مكانة لم تكن قد أعطيت له من دين قط.. وهذا نراه واضحا في منهج الله.. فهو تارة يجعله فرضا.. وتراه في أخرى يرغب فيه بوضع الأجر الكبير في طريق من يسير في طلبه ويوضع بطرق مختلفة مكانة العلم من الناحية التعبدية ومنزلته بالنسبة للنوافل الى أخر ذلك من النوافل.. وقد روي عن الرسول (ص) أنه قال: (طلب العلم فريضة على كل مسلم) “صحيح الجامع الصغير 3808)، وطلب العلم يسري حكمه على العلوم العقلية والنقلية وتشمل النظرية والتطبيقية العلمية بشرط ان يكون الهدف هو خدمة الانسان ضمن الضوابط والوسائل الصحيحة والتي تستهدف ان تفتح النوافذ بين الاقوام والاقطار فتصل ما بيننا وبين جميع أخواننا في البشرية بنور هو أقدس ما أشعه الله سبحانه على الارض.. نور العلم والمعرفة وعلى ضياء هذا النور المقدس تلتقي الآراء الشتى ويجمع الرأي المختلف بنور التعاون بدلا من التباغض ويزدهر التفاهم ليمحو الفرقة والتنابذ ويكون الجميع أخوة تسودهم راية التوحيد والعدل والسلام والخير.

•انت درست الفلسفة: ما الظاهرة الفلسفية التي تحبها؟
– تعجبني المقولة الفلسفية القائلة: “أعرف نفسك” على أن معرفة الذات والمتمعن داخل النفس مفتاح يؤدي بنا الى معرفة الكون.. ومن أجدر في الانسان بالبحث في نفسه، تلك النفس التي يعرفها الانسان كل المعرفة ويجهلها كل الجهل، فلو كشف كل واحد من خوافي نفسه وتبينت له حقائقها اذن لكشف الكون كله، وعرف الناس أجمعين، فما هم الا هو، وما هو الا هم.. مثل يتكرر ويختلف، وخلية واحدة تجمعها البشرية وتفرقها أغوار في النفس متضاربة، قال تعالى: “وفي أنفسكم أفلا تبصرون”.

•ماذا تشكل المرأة في نظرك؟
– المرأة رمز خالد للمحبة والحنان والخير والدلالة والله جعل لها حقوقا وخلد ذكرها في القرآن وصرحت الاحاديث بالتوصية بها.. ولولا المرأة لما استطاع الرجل أن يمضي في أكمال مسيرته نحو العمل والبناء والأعمار والتعلم وكذلك العكس، فالمعادلة بينهما تضامنية مشتركة والعلاقة بينهما كضربة لا يستغنى احدها عن الأخر فلولا أدم لم يخلق حواء بل هما وجهان لحقيقة واحدة.

•ماذا تعني ثقافة الحوار في الحضارة الاسلامية؟
ان القرآن الكريم رسم منهج حياة واضحة للمسلمين وأمرهم أن تكون العلاقات الاجتماعية مبنية على الاحترام والتعاون وعلى الاعمال الصالحة بما يخدم كل البشرية فتطابقت النظرية مع الواقع فضلا عن فتح أبواب الحوار البنّاء والاخلاق بين الافراد والجماعات على أساس تبادل الرأي وصولا الى المواضيع المختلف عليها، فهذه الحضارة تركت أثرا عظيما في تاريخ البشرية لان عقيدتها تؤمن بالتنوع بين البشر وغايتها التعاون الأخوي والبحث عن المشتركات من أجل تعمير الارض وتوحيد القلوب ونشر المحبة والعدل والحق، بعيدا عن أسباب الضعف والتخلف فالدين الاسلامي سّباق لما يعرف اليوم بالحقوق التضامنية الرافضة للصراع والتشاحن والهادفة الى التفاعل مع العالم والتطور العلمي من أجل النهوض بالمجتمع الاسلامي الذي يحتضن ويرحب بكل حوار نافع قائم على القيم الايمانية المستقاة من تعاليم السماء المضمونة بين دفتي القرآن الكريم وصحاح الاحاديث النبوية الشريفة وآثار السلف الصالح من التابعية ومن سلك المنهج الرباني القويم وأمتثل به علما وعلما.

•كتاب أعجبك وتعيد قراءته بأستمرار؟
– لقد استهواني كتاب مقدمة أبن خلدون الذي أفرغ فيه مؤلفه العلامة أبن خلدون خلاصة فلسفة في التأريخ، والتي أطلق عليها مصطلح العمران البشري الذي تقوم أركان سعادته على الاسس والقوانين التي تعتمدها العلوم النظرية والتعليمية بما في ذلك علم التأريخ والفلسفة المنطق والفيزياء والكيمياء.. الخ، مع إهمال الدور الاقتصادي كشريان حيوي يوفر الانتاج المتكامل بشتى أشكاله للنهوض بالمجتمع وحل معضلاته بعيدا عن الاحتراب والجور والظلم.. الخ.

•ما الحكمة التي تؤمن بها؟
– رأس الحكمة مخافة الله..

•شعارك في الحياة؟
– بدل أن تلعن الظلام أقرا كتابا.

•عبارة استهوتك واعجبتك؟
– ما بني على الحق فهو حق، وما بني على الباطل فهو باطل وستنتصر الحقيقة دوما.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة