عن الرواية، السينما.. والموت السوري

أسامة سليم

لماذا أقتل الآخرين؟ ولماذا يقتلونني؟ لماذا أكرههم ولماذا يكرهونني؟ هذه التداعيات الحرّة والأسئلة العبثيّة يطرحها المجند الفرنسي (فرديناند باردامو أو أناه الآخر بمعنى من المعاني) بطل رواية (سفر إلى آخر الليل) للكاتب الفرنسي (لويس – فرديناند سيلين). هذا المجند بعد غوصه في الذات الإنسانية، ونبشه في تفاصيل حياة الموت واكتشاف عبثية الحرب التي تقوم على القتل والقتل المضاد وانتزاع الحياة من الآخرين، يفر من الجبهة ويتولى يوم الزحف، خلال حرب الفرنسيين ضد الألمان (الحرب العالمية الأولى)، كتب سيلين روايته أواسط الثلاثينيات من القرن العشرين قبيل الحرب العالمية الثانية، مستلهمًا بعض تفاصيل الحرب العالمية الأولى، حيث إنّه كان طبيبًا إضافة إلى كونه روائيًّا، وكوّن من تجاربه في الإغاثة على جبهات الحروب زادًا برز في روايته، خاصة بعد أن اكتشف عبثيتها التي سيطرت على جيل أوروبي بأكمله.
طالما مثّلت الحرب هاجسًا للمآسي والكوارث والبكاء والدموع، ومثّلت -أيضًا- مادّة روائية يُكتب عنها للأجيال المقبلة، سعيًا لإنقاذهم من ويلات الإرهاب والحرب، وحرصًا على عدم إعادة إنتاج المآسي، وباعتبار أنّ الأعمال الفنية والإبداعية، كانت الحرب رأس مالها الرمزيّ، أيّ النقطة الفارقة التي يتم مَأسَسَةُ العمل الإبداعي عليها، فقد نجحت سورية في تحويل المساحة السريالية للحرب إلى أعمال إبداعية، طرحت مشكلات سوريّة بامتياز، إن لم نقل أممية باستحقاق، تغوص في أزمة المواطن السوري، ذلك الذي يكتوي بنار الإرهاب أو الاستبداد، مخلّفًا حطامًا آدميًا، قطع النظام أوصاله، ذلك النظام الذي استنجد بفزّاعة الإرهاب ليضفي مشروعيّة على وجوده المبتور، منتهجًا في سياق الحرب، دموية تطحن الإنسان والبلاد على حد سواء، تلك البلاد العذراء التي تختزن الحبّ والشعر والبرتقال والشمع في رحمها، كانت تلوح بلادًا جارحة كحدّ المدية، فكما تختزن الجمال وعذوبة الطبيعة، على حدّ عبارة الروائي حيدر حيدر، كانت تختزن الزلازل والأعاصير ونُذُر الحرب، ورصاصات تُطلق مسبّحة باسم الله أو الديكتاتور، مُنذرة بحرب سحيقة. ومع تقدّم أزمتها أصبحت حربًا انفجر من مسامها الدم وملايين المهاجرين. أضيء ليل حربها بنجوم من دم.
ماذا على المثقّف السوري أن يفعل؟
أن يُبدع، أن يحوّل أسوأ ما في الحرب، أي تلك الظلال القاتمة التي تلوح منذرة بالخراب، إلى شعر ونثر، سينما ومسرح، موسيقى وأغانٍ، ويشهرها ضدّ الأصوليين والدكتاتورين المستبدّين.
ماذا على المثقّف السوري أن يفعل؟
أن يواجه الحرب، بالصلوات القدسيّة والثرثرة والعربدة والرقص بين الألغام، أن يزيّن مفاتن “سوريا” العذراء المتمنّعة عن الأعداء، في مدينة المقاهي والخمّارات واللافتات والتماثيل البرونزية، وهي مهجورة كسفينة هجرها بحّارتُها أمام عاصفة فاجأتهم.
ماذا على المثقّف السوري أن يفعل؟
أن يحطّم بمعول وفأس إن لزم الأمر؛ هذيان الأدبيات الماركسية والعروبية والقوميّة، التي تبررّ الحرب والعدوان، تحت طائلة مكافحة الإرهاب، أن يقدّم الفنّ بوصفه إدانة وفضحًا للأنظمة القمعيّة، أن يستخرج من أغوار الحرب وردة يضيء بنبراسها درب السوريين للحياة، أن يستنجد بالأحلام والشعر، من أغلال الوجع والوحشة، والبؤس الجنسيّ، وحاجة الجسد إلى الدفء.. أشياء يجب أن تبحث لها عن تعويضات، أو إرجاءات وتأجيلات داخل أعماق نفسه.
مرّة أخرى، ماذا على المثقّف السوري أن يفعل؟
أن يثير المغامرة، من مخيّلة شيطانية أو إلهية، فلا فرق في النهاية. أن يقول الحقيقة، والحقيقة وحدها، فلئن كان الشاعر الدنماركي نيلس هاو قد صدح، عندما تصرخ الحقيقة يكون الشعراء أول من يُرمى في السجون؛ فإن الوضع في سورية يختلف، فعندما يصرخ المثقّف، يكون أوّل من يُزجّ بهِ في السجن. أن يتحدّث عن إيلان الكردي، عن المرأة السورية، عن السوريّ المطوّق بالأعداء من كل جهات، عن الحصار الذي يسدّ المنافذ من كل الجهات، وعبر كلّ الأصقاع يُستباح.
هنالك أطروحة في مجال النقد الأدبي تقول إنّ المجتمعات العربية رافعة للإبداع جرّاء الحروب التي تخوضها، هذه الأطروحة رسخت في ذهني، حين أجريت حوارًا مع الأديب العراقي محمّد الحياوي الذي حاول في روايته كشْف ذات المواطن العراقي التي تبدّدت ملامحها بعد الحرب وسقوط الديكتاتورية، حينها قال لي حرفيًا، في حوار قمت بنشره في مؤسسة الحوار المتمدن: تبقى المجتمعات الغربية من وجهة نظري مجتمعات لا روائية من فرط استقرارها، لهذا لم تخرج عندهم روايات عظيمة بمستوى روايات أميركا اللاتينية المليئة بالتناقضات المجتمعية، في الغرب يمكنك أن تحصل على السعادة الشخصية والأمان والكرامة، لكنّك لن تحصل أبدًا على صعقة الإبداع المطلوبة لكتابة رواية، هذه هي المعضلة في الواقع. وقد نجحت سورية، في تقديم شهادة عن عصرها، كانت إدانة للجميع، فمن جحيم الحرب الروسية، أطلق العديد من فوهة مخيّلتهم وجادت قريحتهم ببعض الأعمال.
في الرواية:
نشرت رواية (تحت سرة القمر) لـ جهينة العوّام عن دار العوام 2014، وكذلك رواية (طبول الحبّ) لـ مها حسين عن الكواكب- رياض الريس للكتب والنشر، 2013، و(مدن اليمام)، لـ ابتسام تريسي، عن مكتبة الدار العربية للكتاب 2014، و(قهوة الجنرال) للمسرحي والروائي غسّان الجباعي، عن دار نون للنشر 2014. وكذلك لعبقري الأدب السوري، الروائي حيدر حيدر، حيث إنّه كان قد وضّح منذ بداية الألفيّة أنّ مشروعه الروائي قد انتهى، ليعود وينسج رواية، عنونها بـ (مفقود)، قائلًا إن ضروب الحرب أجبرته على الكتابة، متحدثًا عن الطائفية، حيث تتناول الرواية قصة جندي شيعي في الجيش النظامي، وهو يحارب الدواعش، فيهرب وينجو من عملية قتل، ذاهبًا إلى بيت صديق له سنّي المذهب، كي يختبئ ويأوي، إلى أن يصل إلى منزله بعد قرابة سنة من اختبائه.
يتناول حيدر حيدر، في هذه الرواية قصّة سورية الممزّقة، والحب، وكيف للطائفية أن تغتال كلّ شيء جميل في الوطن، ذاكرًا أن أحداث الرواية مستوحاة من قصّة حقيقيّة، وأنّ بطل الرواية حقيقي. هكذا تناول المبدعون السوريون الموت، وقد كانت باكورة أعمال لبعضهم، وتكملة لمسار معارض للنظام للبعض الآخر.
في السينما:
أمّا بالنسبة للسينما، فقد تكثّف المضمون الإنساني والفنّي في الأعمال السينمائية السورية، وأظهرت وجهًا آخر للحرب، طالما أراد أعداء سورية إخفاءه، وجه الطائفية الذي يكشّر عن أنيابه أمام أحلام السوريّين بالتحرّر والانعتاق، ففيلم (سلم إلى دمشق) للمبدع محمد ملص، يترجم أحلام الشعب السوري وتطلّعاته إلى الحريّة، أمّا فيلم (آخر رجال حلب) للمخرج فراس فيّاض، فقد قدّم تراجيديا مؤلمة عن الموت السوري، بقصص مشتّتة وحكايات مرتبكة، كذلك (ذاكرة بلون الكاكي) لـ الفوز طنطور، فقد كان مثالًا رائعًا لاستغلال الحرب الدائرة رحاها على الوضع السوري، وتوضيح نزاع الدوائر للمشاهد، حيث كان بشهادة الناقد محمد رضا “مثالًا رائعًا في كيفية تحقيق فيلم يفي بالمطلوب طرحه فكريًا، من دون خلل فني يعوق تميّز العمل وانتسابه إلى السينما وليس إلى المنشور الخطابي.
ففي (ذاكرة باللون الكاكي) يأتي الطرح السياسي والإنساني في مضمونه وأبعاده، فهو يقوم بومضة ورائية إلى النزاع في الثمانينات، حين أقدم الطاغية حافظ الأسد على ارتكاب، مجزرة حماة، وفي السياق نفسه، يوضّح الناقد محمد رضا أسباب نجاح الفيلم، بعيدًا عن خطابه المعادي للنظام: “لكن هذا الموقف لم يكن ليتبدى بهذا القدر من القوّة والتأثير، لولا نجاح المخرج في رفع أدواته الفنية وقدرته على متابعة ما يرد على ألسنة شهود عيان، بالتوازي مع شهادات بصرية صامتة، وجماليات باهرة يستنتجها حتى من دكانة الواقع”.
الحرب السورية حكاية ذات معنى، وحكاية خاوية سوى من الهراء، حكاية ملتبسة في مجازاتها، غامضة ومشعّة في آن، على المثقّف السوري الذي كان في عصر الشتات.
ما يقوله المسرح والموسيقى، لا يبتعد كثيرًا عن المشهد المأسوي للعصر السوري.
ولكن، أتساءل في النهاية، وإن كان التساؤل غير مشروع في “سوريا الأسد”: لماذا حدث هذا التشوّه في علاقة السوري بأخيه السوري؟ هل الزمن الموضوعي بما هو وقائع خارجية وتاريخ هو المسؤول، أم أنّ الأسباب تكمن في التكوين النفسي وخلل التوازن الداخلي لكليهما.. على حدّ وصف حيدر حيدر؟
• عن موقع الاوان

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة