إغراق منحوتة آشورية في البحر الأحمر

كارثة أخرى منسية..
الحلقة العاشرة
تواصل ثقافية الصباح الجديد نشر حلقات من كتاب: سرقة حضارة الطين والحجر للكاتب حميد الشمـري
تناولنا في الحلقة السابقة، كيف استغل أعداء الامبراطورية العثمانية التقليديون الضعف الذي دبّ بجسدها، وكيف وبدأت أعداد الرحالة والجواسيس الأوربيين تتزايد تتابعا إلى مناطق الشرق وكان من أبرزهم الجاسوس البريطاني (كلوديوس ريتش) عميل المخابرات البريطانية وكان بعمر (21 ‏عاما) ويعمل ممثلا ‏مقيما في بغداد لحساب الشركة البريطانية (شركة الهند الشرقية ) التي تأسست في بريطانيا سنة ( 1808) وكانت هذه الشركة من الواجهات السياسية للمخابرات البريطانية
‏يذكر الدكتور وليد الجادر في كتابه (سبار- احداث من تاريخ المدينة ) ان الآثاري الفرنسي (شايل) وهو راهب وعالم مختص بالكتابات الآشورية قد قام بسرقة منحوتة جدارية من دور شروكين ونقلها بالأكلاك الى البصرة ولأجل إيصالها الى فرنسا قام بتحميلها على احد القوارب الذي انطلق من البصرة بحرا متخذا طريق البحر الأحمر بعد فتح قناة السويس وهناك في البحر اضطربت الامواج فأمر ربان القارب من اجل انقاذ باقي الحمولة ان يضحي بالمنحوتة ورميها في البحر ولا يوجد اي توثيق لهذه المنحوتة او مكان اغراقها وهذه الحادثة يغيبونها ايضا ولا يتحدثون عنها اطلاقا
‏افاقون وجرائم اخرى
‏أما عن آخر واخطر الجرائم التي ارتكبها الفرنسيون في منتصف القرن التاسع عشر ومن بعدهم الامريكان في ثلاثينات القرن العشرين بحق قصر شروكين فإنهما لم يقوما بإعادة دفن ما فتحوه من غرف وقاعات القصر وتركوه عرضة لسارقي الآثار و الأحجار الذين وجدوا فيه منجما مكشوفة حيث قام الاهالي بتحطيم الكثير من بقايا المنحوتات وتقطيعها وبيعها لتجار الآثار أو حرقها وتحويلها إلى مادة الجبس لطلاء بيوتهم وكان في بغداد أحد التجار الأوربيين (هكتور) الذي سبق وعرض عليه الحفار البريطاني لايارد في نهاية عام ( 1845أن يساهم بتمويل حفرياته في النمرود ورفض حينها إلا أنه بعد أن سمع بالثراء ألذي أصاب كل من حفر وسرق وتاجر بالآثار الأشورية فإنه أغتنم الفرصة بعد رحيل الحفار الفرنسي بوتا نهائيا من موقع خرسباد سنة ( 1846 فقام بالحفر سرا وسرق مجموعة من الألواح , و قام بقطع رؤوس ووجوه الاشخاص وفصلها عن المنحوتات وبيعها إلى جهات عدة أيكن إحصاء ( 23 منها في المتحف البريطاني وحده وحوالي ( 9 ‏) في متحف اللوفر, وكان ذلك العمل بمثابة إعدام لهذه المنحوتات حيث بات من الصعب معرفة المنحوتة الأم التي تعود اليها تلك الأجزاء المفصولة وتم متابعة ومعرفة أماكن تواجد بعضها الآخر في المتاحف والمجاميع الخاصة ولكن من الصعب دائما نسبتها إلى المنحوتة الأم.
‏*ويقول المرحوم الدكتور بهنام أبو الصوف عن الحفريات الفرنسية في دورشروكين ( لقد ربح متحف اللوفر أجمل مقتنياته من نفائس النحت الآشوري وخسرت قصور ومعابد الآشوريين في نينوى ودور شروكين ما كان يزين جدرانها الطينية من روائع الفن الإنساني القديم وتركت بقاياها أنقاضا وحفرا لا تنبئ بشيء عن عظمة ماضيها ومقدرة ومهارة مشيديها وفنانيها من أبناء العراق العظيم).

‏سراق باردية علماء.. امر دبر بليل
‏وفي استدراك ذي صلة بالموضوع فقد جاء الأمريكان سنة ( 1928 في بعثة تنقيبية إلى دور شروكين يرأسها المنقب (إدوارد كييرا) من أساتذة جامعة بنسلفانيا ومتخصص في الآداب السومرية وبحيث عن تمثال الثور المجنح العملاق الذي دفنه بوتا سنة (1845 وكان مكان الدفن معروفا , وبعد ان وجده قام بمفاتحة زميله الآثاري الأمريكي (جيمس هنري برستد) مدير متحف شيكاغو وأبرق له بالنص (وجدت ثورا مجنحا بطول (5) متر وارتفاع (5) متر وجهه مستدير للجانب ولابد من إخراجه خلال شهر وذلك يكلف (عشرة الاف دولار) وجاءه الجواب سريعا من برستد (سيصلك المال واعمال جهدك لإيصاله الى شيكاغو), ولم يكن لدى برستد تغطية مالية كافية فقام بمفاتحة أحد الأثرياء الداعمين لجامعة شيكاغو واسمه (بيير دولوغاز) الذي تبرع بإعطاء المبلغ والتكفل بمصاريف سرقة ونقل تمثال الثور المجنح وقد تمت مؤامرتهم بنجاح بالتواطئ مع (السارق الصفيق) المستر كوك البريطاني الجنسية الذي كان وقتها مديرا للآثار العراقية , وقد قام السارق بنقل الثور المجنح إلى بغداد اولا بالسيارات حيث انكسر بين ايدهم واصبح ثلاثة قطع الا انهم يزورون هذه الحادثة ويقولون انهم قد اكتشفوه وهو محطم الى ثلاثة قطع ولكن صورة كييرا مع التمثال عند اكتشافه تكذب ذلك فقد كان من قطعتين فقط , ثم ارسل التمثال الى متحف شيكاغو بدون أن يخضع الاكتشاف ونقل التمثال إلى رقابة أو موافقة الحكومة العراقية ولم يطبق عليه قانون الآثار الصادر سنة ( 1924) ونصه القانوني الذي حدد بشكل قاطع احتفاظ العراق بالآثار الفريدة واقتسام الآثار المتشابهة ويعتبر تمثال الثور هذا من الآثار الفريدة المكتشفة في حينه والخاضعة لهذا النص القانوني , وهو الآن يعتبر الجوهرة الثمينة في متحف شيكاغو الذي يتمحور حوله عرض بقية المنحوتات الآشورية , ويبدو من سياق الأحداث أن الآثاري (إدوارد كييرا) ترأس البعثة التنقيبية في سنتها الأولى بدعم من (برستد) من أجل سرقة هذه المنحوتة لس إلا لأنه ترك البعثة بعدها مباشرة وعاد إلى بلاده واستلم رئاسة البعثة بعده الآثاري هنري فرانكفورت وهو امريكي من اصول هولندية . – ( كييرا: لابد من إخراجه خلال شهر وذلك سيكلف عشرة الاف دولار – برستد: سيصلك المال واعمال جهدك لإيصاله الى شيكاغو) ولابد ان هذا المبلغ الكبير قد دفع كرشوة مالية الى المستر كوك , انه لس بحوار علماء انه يشبه حوار افلا م الجريمة والمافيا.

‏الاجهاز على قصر شروكين
‏وكانت البعثة الامريكية التي استمرت ثمان سنوات هي التي أجهزت على كل ما تبقى من قصر شروكين وهو من أروع قصور العالم القديم في سعته وانتظام تخطيطه وجمال واجهته وبواباته وزخارفه ويعتبر من الإنجازات المعمارية الخالدة في الحضارة الآشورية . ويقول عنه بانيه الملك شروكين ( ملك العالم أقمت مدينة سميتها دور شروكين وبنيت داخلها قصرا منقطع النظير) , لقد دمرت مجاميع السراق من بعثات الحفر والتنقيب هذا القصر و أنهت وجوده ‏على الموقع تماما حتى أنهم لم يستثنوا من النهب حتى الأجزاء السفلى المتبقية من المنحوتات ولم يستبقوا خلفهم شيئا سوى الركام والأنقاض ولم تكن بعثاتهم هذ ه ‏بعثات دراسة وإنقاذ بقدر ما كانت للنهب والتخريب وقد أنهو ما للمكان من سطوة جمالية وذاكرة تاريخية ولا ندري كيف لنا نحن أصحاب هذا الإرث أن نكبت مشاعر الألم والغضب عندما نشاهد الأعمال الخالدة اسيرة في متاحفهم ونشاهد أيضا حالة التدمير للمدن الآشورية . و من ناحية أخرى يقول الآثاري البريطاني (ملوان) أنه يعرف أين ينقب في خرسباد حيث يعتقد أن هنالك مناطق أخرى تستحق أن ينقب فيها وأنها خافية عن أعين من سبقوه.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة