عهد ترامب ومستقبل دول الاتحاد الأوروبي داخل الناتو!

برلين ـ جاسم محمد:

تصدرت مواضيع الاتحاد الأوروبي واللاجئين والإرهاب والوضع في سوريا وليبيا وأفغانستان واوكرانيا أجندة زيارة ميركل لواشنطن يوم 16 مارس 2017 إلى جانب سبل محاربة الإرهاب، وتراهن ميركل على موضوع التجارة الحرة والأسواق المفتوحة مع واشنطن. وتتخذ ميركل مواقف مختلفة تماماً عن ترامب في قضايا ابرزها: أزمة اللاجئين والتجارة الحرة، والدفاع، وهي ابرز موضوعات الخلاف مابين ضفتي الاطلسي. وطغت قضايا الناتو جدول أعمال ميركل وترامب ومساهمة ألمانيا في حلف شمال الأطلسي، ومشاركتها العسكرية في أفغانستان، التي تعهدت فيها المانيا بالاستمرار والدعم. وقال ترامب مهاجما الأوروبيين:» بأنهم ينتفعون بالإنفاق الدفاعي الولايات المتحدة، وهو أمر ظالم جداً للولايات المتحدة». ينبغي على هذه الدول دفع ما عليها ومع ذلك، شكر ميركل على التزام ألمانيا بزيادة مساهمتها في حلف الناتو إلى 2 %من الناتج المحلي الإجمالي.
ويبذل حلف الناتو مساعي حثيثة لزيادة الانفاق العسكري والذي يعد، واحداً من ابرز الاسباب التي دفعت دول الاتحاد الاوروبي الى مراجعة سياستها الدفاعية. ومن المقرر ان يقوم قادة الدول الأعضاء بالكشف عن إستراتيجية الردع والدفاع الواسعة والمتماسكة لحلف شمال الأطلسي، استجابة للواقع الاستراتيجي الجديد. وتأتي استراتيجية الردع الجديدة هذه، انعكاسا الى مخاوف دول اوروبا الشرقية، حيث أظهرت دراسة حديثة أن أكثر من ثلث البولنديين يشكك في جدية تدخل الناتو لمساعدة بلاده في حالة الطوارئ. لكن السفيرة الأميركية لدى الأمم المتحدة، «نيكي هيلي»، تقول، أن الولايات المتحدة مستعدة لتحسين العلاقات مع روسيا ولكنها لن تساوم على دعمها لحلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي.

تحشد الناتو على جبهة اوروبا الشرقية
وتأمل الولايات المتحدة في الحصول على التزامات من أوروبا بملء أربع مجموعات قتالية بنحو 4000 عسكري في اطار رد الحلف على ضم روسيا للقرم عام 2014، وقلقه من أن تحاول تكرار الشيء نفسه في جمهوريات سوفياتية سابقة بالقارة الأوروبية. ويتوقع أن تنضم فرنسا والدنمارك وإيطاليا ودول حليفة أخرى للمجموعات القتالية الأربع التي تقودها الولايات المتحدة وألمانيا وبريطانيا وكندا كي تذهب إلى بولندا وليتوانيا وإستونيا ولاتفيا بقوات تضم أسلحة متنوعة بدءا من المشاة المدرعة حتى الطائرات بلا طيار. كما يعتزم الناتو أيضا نشر اربع كتائب متعددة الجنسيات على أطرافه الشرقية خلال العام 2017، واحدة في بولندا وثلاث في دول البلطيق.
وشهدت الاراضي الاستوانية وصول 120 جندياً يوم 18 مارس 2017 وتنظر لندن الى موسكو بانها مازالت تمثل مصدرا لتهديد الغرب، ومن المقرر ان تصل 300 مركبة عسكرية بريطانية لاحقاً، بما فيهم عربات مقاتلة ودبابات تشالينجر تو، وأسلحة مدفعية إيه إس 90. وسيصل أكثر من ذلك من لندن إلى استونيا نحو 800 جندي خلال شهر ابريل 2017 في إطار انتشار كبير لحلف شمال الأطلسي في أوروبا الشرقية. ومن المقرر ان يكون موضوع توسع الناتو في أوروبا الشرقية من المواضيع الأساسية للمناقشات خلال القمة التي ستعقد في وارسو يومي الـ 8 والـ 9 من يوليو2017 ، لكن المستشارة الالمانية ميركل تقول ربما خلاف ذلك :»أن هذه الخطط الأطلسية جاءت رداً على الخطر الهجين»، موضحة أن الحديث يدور عن السيناريوهات المحتملة المماثلة «للنهج الذي اتبعته روسيا في أوكرانيا والذي يستهدف بنحو متعمد إزالة الحدود ما بين حالتي الحرب والسلام.

سياسات اوربية دفاعية جديدة
تدعو المستشارة الألمانية ميركل أعضاء الاتحاد الأوروبي وبنحو مستمر، إلى زيادة التعاون الأمني والدفاعي فيما بينهم لأنه لا يوجد ضامن لأبدية العلاقات مع الولايات المتحدة، على حد قوله.
وتقول بأن أوروبا تواجه تحديات متنامية داخل حدودها وفي مناطق قريبة منها الهجرة والتهديدات الإرهابية المتنامية والحرب في سوريا والعنف في شرق أوكرانيا والفقر والمجاعة في أفريقيا. وتعمل دول الاتحاد الاوروبي، جاهدة لكي تظهر متماسكة،، لكن هذا الاتحاد مازال منقسماً على نفسه خاصة حول مسألة توزيع حصص اللاجئين وقضايا اخرى، ومازال مهدداً بالتفكك. الخطوة الجديدة التي اتخذتها دول الاتحاد الاوروبي بزعامة فرنسا والمانيا بايجاد قوات دفاع مشتركة «جيش اوروبي موحد» تعد ردة فعل لسد الثغرات في الامن والدفاع في اعقاب خروج بريطانيا من الاتحاد ومواجهة سياسة ترامب الجديدة خوفاً من تفكك الاتحاد الاوروبي .

النتائج
ـ ان زيارة ميركل الى واشنطن ولقاءها بالرئيس ترامب كان يمثل رغبة اوروبية اكثر ماتكون المانية، للوقوف على سياسات الولايات المتحدة الجدية والعلاقة مابين ضفتي الاطلسي ابرزها السياسات الدفاعية المشتركة داخل الناتو والتجارة الحرة، وهذا تمثل بقول ميركل بانها مبعوثة اوروبية الى واشنطن اكثر ماتكون مستشارة لحكومة المانيا.
ـ كان اللقاء بين ميركل وترامب يمثل شخصيتين متناقضتين تماما، ترامب، ظهر بانه شخصية مندفعة باطلاق التصريحات، وتصعيد خطابه ضد اوروبا.
ـ ماتخشاه دول الاتحاد الاوروبي، ان يكون هناك تقارب روسي مع واشنطن على حساب دول اوروبا، وهذا ماترفضه اوروبا، فهي لاتريد ان يكون هناك اتفاق بين واشنطن وموسكو وراء ظهرها، ماتريده اوروبا ان تكون جزءا من أي مفاوضات تقارب مع روسيا.
ـ التعزيزات العسكرية للناتو على الجبهة الشرقية في استونيا ودول البلطيق، هي قوات اوروبية اكثر ماتكون قوات اميركية، وتأتي هذه التعزيزات، نتيجة وعد اطلقته دول الناتو في اجتماع وارسو خلال شهر يوليو عام 2016، ولا يمثل ابدا سياسة ترامب الجديدة. دول اوروبا باتت تشعر بانه ينبغي عليها النهوض بامنها، في اعقاب احتمالات ضعف دعم الناتو وواشنطن لتعزيز الدفاعات العسكرية في الجبهة الشرقية، وربما غياب استراتيجية واضحة لردع موسكو.
ـ المخاوف الاوروبية من موسكو مازالت قائمة، وتتمثل بتوسع حدودها مثل مافعلته بضم القرم 2014 ومايجري في اوكرانيا.
ومن المتوقع ان تشهد العلاقات بين ضفتي الاطلسي الكثير من الفتور والخلافات في زمن ترامب، وربما يعود ذلك في اختلاف الرؤية، والثقافات مابين ضفتي الاطلسي، فالرئيس ترامب مازال يتحدث عن مبدأ الربح والخسارة في علاقته مع اوروبا وحليفاته، والاخيرة تتحدث عن مبدأ الدفاع المشترك بين الاطراف وفق المادة 5 من الحلف. هذه السياسات تثير الكثير من التسائولات وربما المخاوف بمدى قدرة الناتو بتوفير الحماية والسياسات الدفاعية الى اوروبا امام توسع موسكو. لذا بات متوقعا ان تعمل دول الاتحاد الاوروبي الى النهوض بقدراتها الدفاعية اكثر، وهذا ماكان واضحا في اجتماع دول الاتحاد الاوروبي الاربع خلال شهر مارس 2017: المانيا وفرنسا ايطاليا واسبانيا، بوصفها اكبر دول الاتحاد الاوروبي، من اجل ايجاد سياسات دفاعية مشتركة، وتخلي دول الاتحاد عن مبدأ ايجاد اجماع بين دول ال 27 الاعضاء بالاتحاد، بعد الانقسامات حول مجمل القضايا ابرزها قضية اللاجئين والهجرة. وبات متوقعا بان الانتقادات الاوروبية الى سياسة ترامب سوف تشهد تصاعدا خلال الاشهر المقبلة، امام سياسات وقرارات ترامب خصوصاً التنفيذية. وهذا يعني ان المرحلة الحالية سوف تشهد ضعف في الناتو في الجبهة الشرقية، اما تحديات انسحاب دول اعضاء للاتحاد الاوروبي وعودته الى المربع الاول.

*باحث في قضايا الإرهاب والإستخبارات

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة