حقول الدم: الدين وتأريخ العنف.. رحلة في سيرة الموت المخطط له

تحاول كارين أرمسترونج – عالمة الأديان البريطانية – في هذا الكتاب مراجعة وتدقيق الرؤية التقليدية للإسلام في أوروبا والتي سادت منذ بداية القرن العشرين، والتوقف عند العلاقة بين الدين والحرب وقد بدأت أرمسترونج بحثها من عصور ما قبل التاريخ، مروراً بالحضارات القديمة، وحضارات الأديان الإبراهيمية، وصولا إلى العصور الحديثة، وقامت المؤلفة بالكشف عن الدوافع المركبة التي أنتجت العنف في الحضارات ما قبل الحديثة، وأبانت عن الكيفية التي استعملت بها الدول الدينَ كدرع واق للمحافظة على وجودها، ولصبغ حروبها وعنفها تجاه أعدائها بالقدسية، مع محاولة إخفاء دوافعها السياسية والاجتماعية والاقتصادية والتي كانت السبب الرئيس في العنف والدمار.
أفردت المؤلفة الجزء الأكبر لمناقشة قضايا العنف في الديانات الإبراهيمية: اليهودية، المسيحية، والإسلام، لانتشار قناعة واسعة الانتشار مفادها أن الديانات التوحيدية المؤمنة بإله واحد، هي بنحو خاص عرضة لأن تكون عنيفة وغير متسامحة، وفي القسم الأخير من هذا الكتاب استعرضت المؤلفة بواكير ظهور الحداثة، ونشوء الدولة العلمانية وعنفها وإقصائها للدين، وصولا لموجة العنف التي بررت نفسها بطريقة دينية، والتي اندلعت في نهاية القرن الماضي، والتي بلغت ذروتها في عملية 11 سبتمبر 2001، ولقد عدت المؤلفة أن هذا العنف هو ابن الحداثة، والدولة العلمانية التي أقصت الدين، واستعملت العنف تجاه كل من تسول له نفسه المساس بدين الدولة العلمانية الجديد وهو» دين الأمة القومية».
وهكذا نطالع في هذا الكتاب خلفيات ملحمة جلجامش على أرض سومر القديمة، حيث اعتلى السلم الاجتماعي الطبقة الأرستقراطية الحاكمة، وتلتها طبقة المزارعين المقهورين الذين قامت على أكتافهم إنجازات تلك الحضارة، ولجأت الطبقة الأرستقراطية الحاكمة إلى «الدين» لشرعنة ظلمها واستمرار ولاء هؤلاء المزارعين في بناء الحضارة وتحمل يد هذه الطبقة الحاكمة الظالمة وتحقيق الثراء والرفاه لها من دون تذمّر ولا شكوى.
ادعى السومريون بأن مجتمعهم الطبقي الجديد ما هو إلا استمرار لنظام ساد لفترة سحيقة من الزمن قبل وجود الأنسان حيث كانت الآلهة هي التي تزرع وتطعم نفسها وتدير أنظمة الري، وقد انسحبت هذه الآلهة إلى السماء وعينّوا الأرستقراطيين السومريين ليحكموا المدن نيابة عنهم، فاستجاب الأرستقراطيون لطلب آلهتهم المقدسة، ولم يكن للطبقة الحاكمة رأي أو خيار في هذا الأمر. فهكذا ارتبط كل شخص داخل المدينة -بغض النظر عن وضاعة المهمة التي يقوم بها -بخدمة المقدس. هكذا استطاعت الطبقة السياسية الحاكمة في تطويع الأساطير الدينية لشرعنة ظلمها وعنفها تجاه الطبقات الأدنى لاستمرار عملهم في تحقيق الثراء والرفاه لهم.
كما اكتسبت الحرب في الهند وظيفة دينية إضافة إلى وظيفتها السياسية، فنجد أن الأساطير الدينية في الهند نسجت حول تمجيد الغزو الحملات العسكرية وإكسابهما صفة القدسية، وقد مجدت تلك الأساطير أعمال السرقة والنهب، فوجد الأرستقراطي الطريق مشرعاً أمامه للسلب والنهب ومصادرة البضائع.
وفيما تغطي الكاتبة ظهور المسيحية من ولادة عيسى إلى أن صارت الديانة الرسمية للإمبراطورية الرومانية على يد قسطنطين، فانها انتقلت الى الاسلام وتوقفت عند رسالة القرآن التي جاء بها، والتي تعادي وتنبذ في حقيقتها الظلم والعنف، فثمة صحراء قاحلة، وبدو قساة رحّل، وقبائل لا تعرف قانوناً غير السيف والسطو، وحروب قبلية ما تفتأ تنتهي حتى تبدأ من جديد، إذ نشأ محمد في مكة التي طفحت بالظلم والجور وغياب العدل، وجاء برسالة واضحة تعمل على تشكيل المجتمع العادل الذي يتحدى العنف البنيوي الذي ظهر في مكة
وفي فصل لاحق عدت الكاتبة أن الاستعمار البريطاني للهند أحد أشكال العنف البنيوي للدولة القومية العلمانية، حيث أنهت بريطانيا حكم المغول المسلمين للهند، وبعد أن عاش المسلمون والسيخ والهندوس في المجتمع الهندي لفترات طويلة بلا صراعات، قام البريطانيون بتقسيم السكان إلى مجموعات مغلقة وثابتة، في مجتمعات للهندوس، والمسلمين، والسيخ، والمسيحيين، ومن المثير للغرابة والسخرية، أن يلجأ البريطانيون، الذين أقصوا» الدين» عن الحيز العام وحصروه في البيوت، إلى تصنيف شبه القارة الهندية بهذه المصطلحات الدينية الضيقة.
لقد لاحظت المؤلفة أن كلمة الإرهاب محاطة بحالة من التشوّش المفهومي، فهي مفردة انفعالية ومشحونة عاطفياً، ومن أكثر الكلمات تعبيرًا عن الإساءة في اللغة الإنكليزية، وترفض باستمرار الكشف عن دلالتها، فكلا طرفي الصراع يستعملها في إلقاء اللوم على الآخر، ولكن يتفق الجميع على أن الإرهاب سياسي بطبيعته، وهناك إجماع علمي عام بأن بعض أشكال العنف الإرهابي الكبرى ضد المدنيين قد قامت بها الدول، وليس المجموعات المستقلة أو الأفراد.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة