التصويت الذي قد يدمّر الاتحاد الأوروبي

الثورة الفرنسية المقبلة:
ترجمة مركز المستقبل:

مرّت عدة سنوات منذ آخر ثورة حدثت في فرنسا، أو حتى محاولة جادة في الإصلاح، وكانت السمة المميزة للبلد هي الركود السياسي والاقتصادي إذ لم يتغير شيء يذكر منذ عقود، على الرغم من تناوب السلطة بين الأحزاب اليسارية واليمينية.
تعد الانتخابات الرئاسية لهذا العام الأكثر إثارة في التأريخ الحديث -التي تبشر بحدوث ثورة كبيرة- إذ إن الأحزاب الاشتراكية والحزب الجمهوري، الذين تولوا السلطة منذ تأسيس الجمهورية الخامسة في عام 1958، قد يتم القضاء عليها في الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية في الثالث والعشرين من شهر نيسان 2017، وقد يُجبر الناخبون الفرنسيون على الاختيار بين اثنين من المرشحين المتمردين هما: مارين لوبان زعيمة الجبهة الوطنية، وإيمانويل ماكرون زعيم الحركة الليبرالية (إننا نتحرك En Marche) التي أسسها العام الماضي.
من الصعب أن تتم المبالغة بالآثار المترتبة على هذا التمرد، فهي أوضح مثال حتى الآن للاتجاه العالمي بأن الانقسام القديم بين اليسار واليمين قد أصبح أقل أهمية من الاتجاه الجديد بين المفتوحة والمحصنة، وسيكون للجهة الجديدة المنتخبة أصداء خارج الحدود الفرنسية التي قد تتسبب بتنشيط الاتحاد الأوروبي أو تدميره.

التعساء:
يكمن السبب المباشر وراء الثورة هو غضب الناخبين من عدم جدوى الطبقة الحاكمة؛ مما أدى إلى فقدان الرئيس الاشتراكي فرانسوا هولاند شعبيته لدى الناخبين، الأمر الذي دفعه لعدم ترشيح نفسه للانتخابات، في حين شهدت المعارضة الحالية -الحزب الجمهوري يمين الوسط- تلاشي فرصتها في الأول من شهر آذار حينما قام فرانسوا فيون -رئيس المعارضة- بالكشف عن تحقيق رسمي أجري معه بسبب دفعه مبلغاً مالياً يقدر بمليون يورو (1.05 مليون دولار أميركي) لزوجته وأولاده من المال العام عن وظائف وهمية، وعلى الرغم من تقديمه للوعود إلا أن فيون لم ينسحب من الانتخابات، وإن شهدت حظوظه تراجعاً بالفوز إلى حدٍ كبير.
توصل أحد استطلاعات الرأي التي أقيمت في العام الماضي إلى أن الفرنسيين هم الأكثر تشاؤماً في العالم، إذ كان رأي 81٪ من المشاركين بأن العالم يزداد سوءاً، في حين 3٪ منهم رأوا أن العالم يتجه نحو مستقبل أفضل؛ وكان معظم ذلك التشاؤم حول الوضع الاقتصادي، إذ عانى الاقتصاد الفرنسي من فترة ركود طويلة فضلاً عن أن ربع الشباب الفرنسي عاطلون عن العمل. أمّا أولئك الذين لديهم وظائف بالفعل، فهناك عدد قليل منهم من لديه وظيفة تشابه تلك التي تمتع بها آباؤهم، وفي ظل ارتفاع الضرائب والأنظمة المتشددة غادر رجال الأعمال الفرنسيون إلى الخارج وفي كثير من الأحيان إلى لندن، إلّا أن الشعور بالضيق يتجاوز مستويات المعيشة الراكدة، فقد تسببت الهجمات الإرهابية المتكررة بتوتر أعصاب الفرنسيين، وأجبرتهم بالعيش في ظل حالة الطوارئ بنحوٍ دائم فضلاً عن تعمّق الخلافات الثقافية مع الجالية المسلمة في أوروبا.
تراكمت العديد من تلك المشكلات على مدى عقود طويلة، ولكن لم يتمكن حزب اليسار ولا اليمين على السيطرة عليها وإيجاد حلول لها، وكانت آخر محاولة جدّية في فرنسا للإصلاح الاقتصادي وإصلاح المعاشات والضمان الاجتماعي في منتصف التسعينيات في عهد الرئيس جاك شيراك، ومنذ ذلك الحين حاول القليل من الأشخاص إجراء إصلاحات جديدة؛ فقد قدم نيكولا ساركوزي وعوداً كثيرة حول الإصلاحات التي سيقوم بها في حملته الانتخابية، ولكن تم تقليص أجندته للإصلاحات الاقتصادية جراء الأزمة المالية التي حدثت في عامي 2007 و2008، وكانت بداية السيد هولاند كارثية للغاية، إذ قام بطرح فكرة رفع معدل الضريبة بنسبة 75٪؛ الأمر الذي أدى إلى فقدان شعبيته داخل البلاد.
استفاد كل من السيد ماكرون والسيدة لوبان من هذا الإحباط لدى الناخبين الفرنسيين، لكنهما قدما تشخيصاً مختلفاً جذرياً عما تعانيه فرنسا ووسائل علاجية مختلفة جداً. تُلقي السيدة لوبان اللوم على القوى الخارجية وتقدم وعود بحماية الناخبين من طريق زيادة الرفاهية الاجتماعية.
قامت لوبان بإبعاد نفسها عن ماضي حزبها المناهض للسامية، وطردت والدها من الحزب الذي أسسه، وبالمقابل فهي تناشد أولئك الذين يريدون الانغلاق عن بقية العالم، إذ تشجب العولمة وتعدها تهديداً لفرص العمل الفرنسية وترى أن الإسلاميين محرضون للإرهاب الذين يمنعون ارتداء التنورة القصيرة في الأماكن العامة، فمن وجهة نظر السيدة لوبان فإن الاتحاد الأوروبي هو “وحش مناهض للديمقراطية”، وهي تتعهد بإغلاق المساجد المتطرفة، وإيقاف تدفق المهاجرين بنسبة كبيرة، والحد من التجارة الخارجية، ومبادلة عملة اليورو بالفرنك الفرنسي فضلاً عن إجراء استفتاء حول مغادرة الاتحاد الأوروبي.
إن آراء السيد ماكرون مختلفة تماماً عن السيدة لوبان، فهو يعتقد بأن مزيداً من الانفتاح من شأنه أن يجعل فرنسا أقوى، وهو مؤيد بقوة للتجارة، والمنافسة، والهجرة، واستمرارية الاتحاد الأوروبي، وهو من أنصار التغيير الثقافي، ويعتقد أن الطريقة الفضلى لزيادة نسبة عمل الفرنسيين هو عن طريق الحد من تدابير الحماية العمالية البطيئة، فعلى الرغم من عدم امتلاكه لسياسات دقيقة إلّا أن السيد ماكرون يصف نفسه بأنه ثوري ومؤيد للعولمة.
حينما ننظر نظرة عن كثب فسنرى أن المرشحين لا يعدان مقنعين بنحوٍ كافٍ؛ إذ قضت السيدة لوبان حياتها في السياسة، وكان نجاحها بجعل حزبها المتطرف مقبول اجتماعياً، في حين أن السيد ماكرون كان وزير الاقتصاد في عهد السيد فيون، وبرنامجه الليبرالي من المحتمل أن يكون أقل فعاليةً من برنامج السيد فيون، الذي وعد بخفض الرواتب الحكومية الخاصة بــــ 500 ألف عامل، وسيكون من الصعب على كلا المرشحين تطبيق جداول أعمالهما؛ فالسيدة لوبان إن استطاعت الفوز في الانتخابات فإن حزبها لن يحصل على أغلبية المقاعد في المجلس الوطني. وبالمقابل فإن السيد ماكرون بالكاد سيكون لديه حزب.

فرنسا المتاحة للجميع
أم فرنسا المحصنة؟
على الرغم من كل ما تقدم فإن كلا المرشحين يشكلان رفضاً للوضع الراهن في فرنسا؛ فانتصار السيد ماكرون يعد دليلاً على أن الليبرالية ما تزال تجتذب الأوروبيين، وإذا ما فازت السيدة لوبان فإن فرنسا ستصبح أكثر فقراً، وأكثر انعزاليةً وأكثر عدوانيةً؛ فإذا قامت بسحب فرنسا من منطقة اليورو، فهذا سيؤدي إلى خلق أزمة مالية وسيدمر الاتحاد الذي سعى إلى نشر السلام والرخاء في أوروبا منذ ستة عقود، وهو أمر سيسعد فلاديمير بوتين كثيراً، ولعله ليس من قبيل المصادفة أن حزب السيدة لوبان قد حصل على قرض ضخم من أحد البنوك الروسية في حين عانت منظمة السيد ماكرون لأكثر من 4000 هجمة قرصنة.
من المقرر أن تجري الانتخابات الرئاسية بعد شهرين تقريباً، ويبدو أن السيدة لوبان من غير المرجح أن تفوز بالرئاسة، إذ تظهر استطلاعات الرأي فوزها في الجولة الأولى وخسارتها في الجولة الثانية، إلّا أن هذه الانتخابات غير أعتيادية ، أي شيء يمكن أن يحدث، إذ فاجأت فرنسا العالم من قبل وبإمكانها القيام بذلك مرة أخرى.

*عن صحيفة الإيكونوميست

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة