الأخبار العاجلة

مستقبل قوّات الأمن العراقية

الحلقة 9
جاءت هذه الدراسة لرسم صورة جديدة بشأن مستقبل قوّات الأمن العراقية وتحديد أهم التحديات التي تعوق عمل المؤسسة الأمنية ووضع الحلول المناسبة لها، فضلاً عن توضيح أبرز المهام التي تقع على عاتق رئيس الوزراء بوصفه القائد العام للقوات المسلحة من الاستمرار بالحصول على الدعم الدولي ومواصلة إصلاح القيادة العسكرية من خلال العمل على بناء مؤسسات جديدة وتطوير المؤسسات الحالية، وإعداد استراتيجية أمنية وطنية عراقية جديدة، فضلاً عن دور وزارة الدفاع المتمثل بمحاسبة الضباط الذين يثبت تقصيرهم في مهامهم العسكرية، فضلاً عن مكافحة الفساد والمحسوبية داخل المؤسسات العسكرية، واستحداث أساليب حديثة في تدريب قوات الأمن العراقية والمحافظة على أساليب التدريب العسكري الأساس، فلم تعد الجيوش في الوقت الحالي تعتمد كلياً على الأساليب التقليدية، وإنما أصبحت تعتمد على الجهد الاستخباري والمعلوماتي المرادف للأساليب التقليدية
مايكل نايتس*

قضية الحرس الوطني
على الرغم من أن شكل الحرس الوطني ولغته وفكرته هي أميركية إلى حد ما على غرار نظام الحرس الوطني الاميركي، إلا أن هناك حاجة عراقية أساسية في قلب هذا المفهوم، ربما يمكن لقوات الأمن العراقية تحرير الموصل وغيرها من المناطق التي يسيطر عليها تنظيم داعش، لكنها لا تستطيع السيطرة على هذه المناطق خلال الأشهر والسنوات والعقود القادمة. من الناحية النظرية، يمكن للحكومة العراقية أن تلزم
نفسها بوضع جيش عراقي وشرطة اتحادية ووحدات قوات الأمن العراقية الأخرى – التي يطغى عليها جنود من جنوب العراق – في شمال العراق وغربه، وهكذا فإن هذا العمل سيكون مجرد إعادة تاريخ حديث. يواجه أبناء وأحفاد الجنوب سلسلة لا نهاية لها من حركات التمرد التي أطلقها أبناء وأحفاد الشمال والغرب. وعلى هذا يكون الفائز الوحيد هو تنظيم داعش والحركات التي ستأتي بعد تنظيم داعش.
إن المفهوم الذي تقوم عليه فكرة الحرس الوطني هو ما أسماه نائب مساعد وزيرة الخارجية الاميركي بريت ماكجورك، وهو أمريكي مع دم عراقي، “تفعيل الفيدرالية”، ووصفها بأنها نهج سياسي عسكري “قد يبدأ في معالجة جذور أسباب الأزمة الحالية” و”الاستراتيجية طويلة الأمد للحيلولة دون ظهور تنظيم داعش مرة أخرى 1 ”، فوفقاً لماكجورك فإن “تفعيل الفيدرالية” يعني تمكين السكان المحليين من تأمين مناطقهم بالموارد الكاملة للدولة من حيث الفوائد والمرتبات والمعدات، لهذا فإن الحرس الوطني في ظل هذا المفهوم، سيركز على تأمين الحدود الدولية وتوفير الدعم عند الضرورة لمكافحة الشبكات الإرهابية 2 .
ويستمر ماكجورك محدداً:
المبادئ الخمسة الأساسية لهذا النهج يمكن تلخيصها على النحو التالي:
-1 يجب أن يكون المواطنون المحليون في الصدارة في تأمين المناطق المحلية.
-2 يجب أن يحصل المواطنون المحليون الذين يتولون مهمة الدفاع عن مجتمعاتهم المزايا والموارد التي تقدمها.
-3 الجيش العراقي نادراً ما سينتشر داخل المدن، ولكنه سيبقى مراقباً ومتأهباً للموقف وللقيام بمهامه
الفيدرالية )مثل حماية الحدود(.
-4 يجب أن يكون هناك تعاون وثيق بين المؤسسات الامنية المحلية والإقليمية )حكومة إقليم كردستان(
للحد التدريجي من نفوذ تنظيم داعش3.
34
-5 يجب على الحكومة الاتحادية أن تعمل بدأب على مجموعة من الإصلاحات التي يمكن أن تعالج المظالم المشروعة وتنفي أي ذريعة لأنشطة تنظيم داعش. 43
تشمل نقاط المعارضة لقانون الحرس الوطني ما اذا كانت قوات الحرس الوطني يجب أن تنتشرخارج محافظتها، وما ينبغي أن يكون ميزان القوى بين الحكومة الاتحادية والحكومات المحلية في التجنيد وقيادة قوات الحرس الوطني، ومن المحتمل أنه لن يتم تمرير القانون المقترح في عام 2014 ، ولكن الفكرة الأساسية هي ريادة السكان المحليين في توفير الأمن المحلي، وهي فكرة جيدة إذا أردنا هزيمة تنظيم داعش، ومنع ظهور حركات شبيهة بها مجدداً. إن كل ما نفعله من نواح كثيرة، هو احترام بعض من روح التعديل في 2013 على قانون المحافظات غير المنتظمة في إقليم )القانون 21 لسنة 2008 ( الذي سعى إلى إعطاء المحافظات المزيد من الأدوار في السياسة الأمنية.
هناك علامات تشجيع أيضاً على أن مفاهيم روح الحرس الوطني وتفعيل الفدرالية يجري اتباعها. لقد تم تفعيل قوات الأمن العشائرية ووحدات الحشد الشعبي في الفلوجة وحديثة والرمادي وتكريت ومخمور والتاجي وبغداد، ويتم تجنيد هذه القوات عن طريق لجنة مكونة من المحافظ وشيوخ العشائر، وأحياناً قائد الجيش العراقي المحلي ومسؤول كبير في الاستخبارات ومسؤول عن تدقيق المرشحين من خلال قواعد بيانات المخابرات الوطنية. وتأتي رواتب الجنود من مجموعة متنوعة من المصادر: حيث تدفع بعضها من ميزانية الحشد الشعبي، وبعضها من وزارة الدفاع، والبعض الآخر من مؤسسات الأوقاف. ويمكننا أن نتوقع عدداً متزايداً من قوات الأمن العشائرية ووحدات الحشد الشعبي، والاستمرار في تلقي الدعم، حتى يتم
القضاء على تنظيم داعش وتهديده الإرهابي. وكما هو الحال مع وحدات الحشد الشعبي، يمكن دمج بعض قوات الأمن العشائرية وأفراد الحشد الشعبي في قوات الأمن العراقية الدائمية، وخاصة في جهاز الشرطة العراقية. هناك الكثير من الدروس التي يمكن استخلاصها من تجربة القوات العشائرية ووحدات الحشد الشعبي، فضلاً عن فرقة العباس القتالية من أجل احداث ترتيب دائم لقوات الأمن المحلية.
كيفية تنظيم الدعم للأمن
إن قضية وحدات الحشد الشعبي وتشريع قانون الحرس الوطني هي في ضم الناس إلى النظام الأمني،هذا هو التحدي الرئيس بالنسبة للعراق، عندما تماشى الناس مع قوات الأمن )الصحوات( خلال الاعوام2005 – 2008 ،وفي الرمادي في أواخر عام 2013 ، وأثناء التعبئة الشعبية في 2014 – 2015 ازداد موقف
الدولة بنحو كبير، وكلما نفر الناس من قوات الأمن العراقية وانفصلوا عن الشعب وخصوصاً في الموصل قبل سقوط المدينة، وجدت الدولة العراقية نفسها في موقف ضعيف.
الشكل رقم 2 : غرينبرغ كوينلان روزنر، استطلاع للرأي في آب/ أيلول 2015 أجرته المؤسسة الوطنية الديمقراطية، ويبدو أن هامش الاختلاف بين الجيش ووحدات الحشد الشعبي ليس كبيراً كما هو متوقع بين المستطلعين الشيعة، أما في المجتمعات السنية فقد تبين وجود مستوى مستمر من الثقة في الجيش العراقي كقوة محايدة وتشكيك قوي بوحدات الحشد الشعبي.
من المحتمل أن العراق لا يحتاج إلى مؤسسة جديدة للحشد الشعبي، وأنه لا يحتاج إلى حرس وطني جديد، بدلاً من ذلك يحتاج العراق الى الحفاظ على تعزيز المؤسسات التي لديه أصلا، وتعد وزارة الدفاع المؤسسة المناسبة لإدارة القوات المسلحة في البلاد، ووزارة الداخلية المؤسسة المناسبة لإدارة قوات الشرطة في
البلاد، ويجب أن تكون لهذه الوزارات قوات احتياط للتعبئة أثناء الأزمات والحروب، كما تفعل كل دولة متقدمة أخرى في العالم. ويمكن في أزمة مستقبلية، أن تقوم المؤسسة الدينية بإعارة قوة هذه المؤسسات لأنها تستدعي الاحتياط بطريقة ما بنحو جيد، ستستعيد قوات الأمن العراقية الدائمة قوتها بسرعة إذا ما تم الدمج معها لوحدات كافية من الحشد الشعبي، ومنها فرقة العباس القتالية، وقوات الأمن المحلية وبعض المقاتلين من الحشد الشعبي. ومن أجل جهد أكثر تصميماً من قبل الحكومة الاتحادية والحكومات المحلية لصياغة علاقات قيادة مشتركة انطلاقاً من قانون المحافظات غير المنتظمة بإقليم، أن تلبي الكثير من متطلبات مشروع قانون الحرس الوطني، هكذا تعمل الحكومات الذكية، فهي لا تتخلى عن مؤسسات الدولة الكبيرة وتبني هياكل جديدة تماما، إنها تقوم بإصلاحها.
36
إعادة بناء قيادة قطاع الأمن في العراق
هنالك في قلب الضعف الأمني في العراق فشل جماعي في القيادة، إن الزعماء السياسيين في العراق مع نظرائهم الاميركيين هم من فشلوا في وضع انخفاض تدريجي للدعم العسكري الاميركي لقوات الأمن العراقية التي لم تكن مكتملة. لقد سمح الزعماء السياسيون في العراق وشجعوا ملئ المناصب السياسية العليا بأشخاص غير مؤهلين، وقد تسامح القادة السياسيون والعسكريون العراقيون مع الفساد الذي دمر قوات الأمن العراقية، كما سمحت الوزارات الرئيسة بالتدهور في الأداء والتمويل، وفشل القادة السياسيون والعسكريون في اعتماد نهج صحيح لمكافحة التمرد مبني على المكاسب التي تحققت في عامي 2009 -2010
وأنهى دور تنظيم الدولة الإسلامية في العراق، الذي سبق تنظيم داعش.
على الجانب الآخر، يمكن لقيادة قوية وذكية أن تساعد على عكس كل نقاط الضعف العسكرية في العراق الآن، ويمكن للقادة السياسيين والعسكريين العراقيين العمل بنحو جاد للحفاظ على تعاون شركاء الأمن الدولي، وخاصة الولايات المتحدة، في الانتصار في الحرب ضد تنظيم داعش. كما يمكنهم الاستمرار في إعادة المنتسبين للجيش مع قيادة نظامية قادرة، ويمكنهم أيضاً دفع الإصلاحات لمكافحة الفساد الحقيقي، والتطبيق الصارم للقوانين العسكرية. ويمكن لقادة أذكياء عدم الرضوخ للضغوط لبناء مؤسسات جديدة، أن يدعموا تطوير المؤسسات الحالية مثل وزارة الدفاع ووزارة الداخلية. ويستطيع قادة من ذوي الرؤية الجيدة خوض ما تبقى من الحرب ضد تنظيم داعش بطريقة من شأنها أن تدعم المصالحة الوطنية، وذلك باستعمال أدوات مثل اللامركزية في صنع القرار على المستوى المحلي للأمن والتجنيد.
يقف العراق على مفترق طرق والخيار بسيط جداً، وهو وضع الأشخاص المناسبين في المسؤولية عن الأمن، ومنحهم الصلاحيات والموارد المناسبة، أو أن الوضع سيشهد المزيد من التدهور والخطر على استقرار العراق ووحدته.

*باحث كبير وزميل في معهد واشنطن.

هوامش:
1. McGurk, Brett. “Statement for the Record: Deputy Assistant Secretary Brett McGurk Senate
Foreign Relations Committee Hearing: Iraq at a Crossroads: Options for U.S. Policy.” July
24, 2014: pg. 10-11. http://www.foreign.senate.gov/imo/media/doc/McGurk%20Testimony%20
072414-Final%20Version%20REVISED.pdf
2 . المرجع نفسه. ص 11 .
3 . المرجع نفسه. ص 12 – 11.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة